السنة والشيعة في السعودية: تأكيد الذات وإلغاء الآخر (ا-2)

بقلم: نضال البيابي

يُعرف الانتماء بأنه الارتباط بمجموعة من القيم والمفاهيم مع جماعة ما، ودافعه الجوع الاجتماعي. إن الإنسان بفطرته ينزع إلى »الانتماء« إلى جماعة ما، تحقق له الشعور بالطمأنينة والسكينة، والانتماء قد يكون إلى لغة أو دين أو عرق أو مهنة.. إلخ، وقد يكون خليطاً من كل تلك العناصر المتباينة، تتسع دائرة الانتماءات أو تضيق إذا جاز التعبير، لكنها في نهاية الأمر تُكون شخصية الإنسان، أي إنسان، مجموعة من الانتماءات. وبالتأكيد ثمة تفاوت بين أثر كل تلك الانتماءات في شخصية المنتمي، حتى بين أبناء البيئة الاجتماعية الواحدة، بيد أنها تصنع للفرد قالبه الخاص والمتمايز عن الآخر، وهذا الآخر قد يكون شقيقه الذي نشأ معه في نفس البيئة الاجتماعية، إلّا أن التمايز بينهما هو الثابت. أن أكون منتمياً يعني بالضرورة أن أكون متمايزاً عن الآخر، أيّاً كان هذا الآخر، فلسنا نسخاً نكرر بعضنا البعض. التمايز والاختلاف أشبه ما يكون بالبصمة الوراثية دي أن أي، وتلك طبيعة بشرية وسنة كونية.

ما يهمنا هنا هو الانتماء الديني، بوجهه المذهبي الإسلامي (السني والشيعي) على الأخص. يتشرب السني أوالشيعي مذهبه ولادة ونشأة، كالمسيحي والبوذي وبقية سائر المنتمين، تحصيل حاصل، مجرد تلقين، محض تبعية عمياء، فلم يكن هذا الانتماء –غالبا- نتيجة بحث واستقصاء أو اختيار، (ولستُ هنا أتحدث على سبيل المدح أو الذم، إنما أصف حالة الانتماء كما أحاول فهمها) أو نتيجة لقلق مبرّح وشغف بالحقيقة. ولا شك أنه حق للمنتمين بصرف النظر عن حيثياته. (والطريف في الأمر أن أكثر الناس زهوا وفخرا بمذهبهم أو دينهم، هم الذين ورثوه ولادةً ونشأةً واكتساباًً..!)

ولو ولد أحدهم في بيئة اجتماعية بوذية مثلا، لربما سنجده منافحاً عن متانة وقدسية مسلَماته بنفس الحدة وبمقدار الزخم والعصبية،وهذه سمة رائجة عند الأتباع والمنتمين في كل الثقافات والأديان والايديولوجيات، شرقيا ًوغربياً.

مبدئياً، لا يشكل الإيمان بحد ذاته بأية عقيدة، سواء كانت سماوية أو غير سماوية، خطراً أمنيا على الآخر المختلف، أو هكذا ينبغي أن يكون الإيمان حالة وجدانية خاصة، لكن الخطر الحقيقي يكمن في تحول الإيمان أو الاعتقاد بمذهب ما أو ديانة ما إلى عقيدة متزمتة أحادية، تحتكر الحقيقة وتختطف الحق، وتفرض على الأتباع، لسبب أو لآخر، إقصاء وإلغاء المختلف. أحياناً يكون الدافع إثباتا ًلصدقية الانتماء، وكأنما هو في المحصلة النهائية بمثابة العقاب للمختلفين معه.

بمعنى أن يتحول هذا الإيمان أو الانتماء إلى رهاب وهوس يهدد أمن الآخرين اللامنتمين إلى عقيدته أو مذهبه.

تكمن إشكالية الانتماء المبني على أسس طائفية، في تأكيد الذات، بل سموه، من خلال نبذ ونفي الند، الآخر. إن إلغاء »الآخر« بنيوية في العقلية الطائفية لا عرضية.

أن تكون طائفياً لا يعني دائما أن تكون منتمياً بعمق ديني لطائفتك، فقد يكون مجرد انتماء اجتماعي اكتسابي، ولا يعني ذلك أن طائفيتك ستخفت حدتها أو تهدأ نهارها أو يخبو تحريضها ضد الآخر، فلا توجد ثمة علاقة سببية بين عمق الانتماء وتفاقم الحالة الطائفية لدى الطائفي. فالمسألة نفسية شديدة التعقيد والخصوصية.

تبدأ خطورة الطائفي (وقد يكون مدفوعاً بدفع سياسي أحياناً، وأخرى بدفع عقدي، وبينهما تداخل لازم) عندما يغذي أتباعه وجماعته بمشاعر الخوف على الذات، أي أن الجماعة مهددة بالزوال، أو أن أهلهم مهددون من الطرف الآخر، أيّا كان هذا الطرف الآخر، وقد يحول هذا الخوف أكثر الناس وداعة إلى جزارين بدم بارد.

فهل يمكن أن نعول خيرا ًعلى وداعته بعد تلقيحه على مدار الساعة بكراهية الآخر الذي يمثل خطراً وجودياً عليه وعلى أهله وعشيرته؟!

الطائفي ليس فقط متحيزاً ومتعصباً لبني جلدته، بل أحياناً يكون انتحارياً، أو قاتلاً، أو نصيراً للقتلة وهذا أضعف الإيمان، وخصوصا لما يكون الضحايا من الطرف المذهبي المضاد.(مثلما يحدث الآن في البحرين).

الطائفي إذا وجد أحدا ًفي جماعته فترّ إيمانه، وضعف تحيزه، لا يتوانى في وصفه بالخيانة والمروق أو بضعف الولاء المذهبي في أحسن الأحوال وأكثرها بياضاً. أما مصير الآخرين، على الجهة المقابلة من الضفة،أعداء الله ورسوله، التحريض المستمر على مدار الساعة وتلقيح الأجيال بمدى خطورة أؤلئك الملاعين.

الطائفية تعني »نحن« الأصل النقي، و»هم« المبتدعة والدخلاء على الدين، أتباع الشيطان وأذياله. ويستدعي ذلك بالضرورة الإيمان بمشروعية رد التهديد الذي يشكله »الآخرون «، ولو وصل الأمر لارتكاب أبشع المجازر بحقهم، فالطائفي سيظل مقتنعاً – وبضمير حي-أنه دفاعٌ مقدس، عن الحق، وحفاظاً على حياة العشيرة، الطائفة.

والأحداث الطازجة في عالمنا العربي تكشف لنا بجلاء أن كل اعتداء جائر دافعه الهواجس والوساوس وأحقاد التاريخ والزيغ السياسي سيخلف عند أجيال الضحايا نزوعاً للثأر والانتقام، وضحايا اليوم سيتحولون إلى قتلة في الغد القريب، وهكذا دواليك.

ذروة المأساة أن يكون الحقد الطائفي ممنهجا ًعلى مستوى التربية والتعليم والإعلام..!

نضال البيابي