السلوك البشري .. بين البيئة والجينات الوراثية

بقلم: د. سالم موسى
التغذية تلعب دورا مهما في تحسن ذكاء الفرد وتطوره

علم النفس يؤكد أن العوامل المؤثرة في تشكيل السلوك البشري تتفرع الى ثلاثة اتجاهات. الاتجاه الاول: يعتقد ان العوامل والمتغيرات البيئية هي التي تشكل سلوك الإنسان, وان الإنسان يولد "صفحة بيضاء" وان التفاعل مع متغيرات البيئة هي التي تلون تلك الصفحات وتحدد كيف يجب ان تكون, وان تكوين الفرد النفسي والشخصي يحدد وبشكل كبير في السنوات المبكرة من عمره. الاتجاه الثاني: يرى ان الجينات الوراثية هي المسؤلة عن سلوك الإنسان, فالفرد يولد مزودا "بيولوجيا" بصفات وقدرات ذهنية وعقلية غير قابلة للتغيير. الاتجاه الثالث: يرى أهمية تفاعل العوامل البيئية مع الجينات الوراثية في تحديد السلوك البشري.

في هذا المقال, سوف نلقي الضوء على الدراسات التي تناولت تأثير العوامل البيئية وارتباطها القوي بتشكيل السلوك البشري, وسوف نسترشد ببعض الدراسات التي تؤيد أن السلوك البشري مصدره "جيني وراثي" فقط.

والحقيقة انني لا اود ان اكون او نكون مع او ضد بقدر ما نود ان نرتقي بوعي المجتمع فكريا وعاطفيا وانسانيا خاصة تجاه قضايا انسانية مصيرية تتعلق بحياة ومستقبل الطفل. ونود كذلك ان نوضح للقارىء الكريم اهمية التنشئة في تحديد وتقويم سلوك الطفل, وفي اهمية ان يحاط الطفل بالرعاية والحب والحنان لينعم بحياة سعيدة وصحة ذهنية وبدنية سليمة, وان نفكر بشكل جاد في أهمية تحديد النسل خاصة في الأوضاع المعيشية الراهنة والتي قد تتسبب في إرهاق ميزانية الاسرة وانعكاس ذلك سلبا على الاسرة وعلى سلوك الاطفال - حاضرا ومستقبلا.

النظريات والدراسات التي تؤيد تأثير البيئة على السلوك البشري

في الثمانينيات من القرن المنصرم, لاحظ العالم السياسي جيم فلاين ان الذكاء, "اي كيو" كان يرتفع بشكل تصاعدي في كل دولة وفي كل الأوقات, بمعدل حوالي 3 نقاط حسب قياس اختبار الذكاء, بعد كل عقد من الزمن, وان هذا الارتفاع يعزى الى المتغيرات البيئية.

أحد الباحثين (اولرك نيسر) يعتقد ان ارتفاع معدل الذكاء كما في دراسة فلاين, يعود الى الطريقة التي من خلالها نشاهد الصور البصرية المعقدة: كالدعايات, والملصقات, والعاب الفيديو, والصور المتلفزة .. الخ، ويعتقد ان الاطفال يمرون بتجارب غنية بالصور البيئية بالمقارنة بتجارب أطفال الاجيال السابقة, ولذلك فان هذه الصور المختلفة قد ساعدتهم وامدتهم بالصور البصرية المحيرة والمتنوعة والتي تساعد في التحكم في اختبار الـذكاء.

ويوضح نيسر "الى ان الدرس الذي تعلمناه من مثال فلاين هو انه حينما نقول إن البيئة تلعب دورا مهما في الذكاء, فاننا في الواقع نتحدث عن عوامل بيئية مختلفة – مثل - نوعية التغذية, التعليم, سلوك الوالدين. هذه العوامل والظروف وجد انها تتباين بين قوة التأثير وضعفه (لكنها دائما مهمة) على مستوى الذكاء. ويوضح انه ليس كل هذه العلاقات ترفع نسبة الذكاء لكنها تدعم نظرية البيئة. وهذا يعني حسب قول نيسر "انه وعلى الرغم من ان بعض هذه العوامل تؤثر بشكل سلبي على الذكاء, لكنها تبقى مؤشرا على ان البيئة يمكن ان تؤثر على مستوى الذكاء والكفاءة العقلية.

وذكر الباحث نيسر أنه وجد ان الذكاء يمكن ان يتباين سلبا وايجاب مع المتغيرات التالية: سوء تغذية الرضع (سلبي), عدد السنوات في المدرسة, الاسرة والتجمعات العائلية, مهنة الأب, وضع الأب المالي, معاملة الوالدين القاسية (سلبي), طموح الوالدين, تعليم المرأة, معدل مشاهدة التلفزيون (سلبي), معدل قراءة الكتب, درجة سلطة الاب في المنزل (سلبي), الجريمة (سلبي) المشروبات الروحية (سلبي) الامراض العقلية (سلبي), التكيف العاطفي.

عالم النفس الاميركي جون واتسون والمشهور بتجربته المثيرة للجدل مع الطفل اليتيم الذي يدعى البرت, أشار إلى أن اكتساب "الخوف" يمكن تحقيقه من خلال "التكيف الشرطي" وقد استخدم الطفل البرت وعمره 11 شهرا ليثبت ان الشخص يمكن ان يكيف ليكون خائفا من امر ما, لم يكن يخافه سابقا.

وضع واتسون الطفل البرت في غرفة لوحده, ثم وضع بعيدا عنه فأرا أبيض, وقد كان واضحا ان البرت كان يستلطف وجود الفأر معه في الغرفة وقد أبدى تعاطفا حقيقيا نحوه. في وقت لاحق, وفي اللحظة التي يقترب البرت من الفار ليلامسه, يصدر واتسون صوتا عاليا, وبعد تكرار المحاولة وكنتيجة لذلك أصبح الطفل يخاف من اي جسم او مادة يقابلها تكون بيضاء - مكسية بشعر.

هذه التجربة المتميزة اصبحت تعرف بـ "تجربة البرت"، واعتبرت مؤشرا قويا على تأثير البيئة في التعلم. واتسون عقب ذلك قال كلمته الشهيرة: "اعطني درزن من الرضع الأصحاء, وسأتمكن وبعالمي المختص, أن أنشّأهم وارعاهم وادربهم بما يضمن ان اختار ايا منهم ـ وبشكل عشوائي ـ ليصبح متخصصا في اي مجال اختاره له، بغض النظر عن مواهبه وميوله وقدراته وحرفيته ونوعية عرقه او سلالته".

عالم النفس في جامعة هارفرد بي اف سكنر ومن خلال تجاربة المبكرة استطاع ان يدرب حماما على الرقص, وعلى ممارسة لعب التنس, ويفهم العدد الى الرقم "8". سكنر يعرف اليوم بـ "ابو العلم السلوكي". وقد توصل في نهاية المطاف الى اثبات ان سلوك الإنسان يمكن تكييفه بالطريقة التي تتم مع الحيوان.

في جانب متصل, أجريت دراسة في بريطانيا في اواخر العام (1980) اظهرت ان التغذية تلعب دورا مهما في تحسن وتطور ذكاء الفرد. فقد اعطي اطفال بين سن الـ 12 و13 فيتامينات ومكملات معدنية لمدة ثمانية اشهر, وقد اخضع هؤلاء الاطفال لاختبار الذكاء قبل وبعد تناولهم للمكملات الغذائية. وقد تم مقارنة نتائج الاختبار مع اقرانهم ممن لم يتناولوا مكملات غذائية، وكانت النتائج بفارق جيد لصالح الاطفال الذين تناولوا مكملات غذائية. (هيرستن وماري 292) وهذه التجربة تبرهن على أن التغذية ـ والتي تعتبر جزءا من البيئة ـ تلعب دورا في الذكاء وفي الكفاءة العقلية.

الدراسات الاخيرة التي تمت على الاطفال في المؤسسات الرومانية, بينت ان طول الوقت الذي يقضيه الطفل في ظروف قاسية من الحرمان العاطفي الاسري والاجتماعي والإهمال يرتبط مع انخفاض معدل الذكاء, بالاضافة الى مشاكل سلوكية.

وقد نشرت دراسة حديثة بقيادة الباحثين في مستشفى الاطفال في بوسطن وجامعة تولين، تبين أن الحرمان العاطفي في وقت مبكر يؤثر على الكروموسومات, بحيث يقلل من طول عمر "تبز الكرومسومات" وهو ما يعرف بـ "التيلوميرات", المسؤل عن حماية الكروموسومات, وبذلك يعجل من سرعة هرم خلايا الجسم.

وهذه الدراسة نشرت على الانترنت في مجلة "الطب النفسي الجزيئي" وتعتبر الاولى التي وجدت ارتباطا وثيقا بين القسوة وطول التيلاميرات لدى الاطفال. والدراسة جزء من مشروع التدخل المبكر لاطفال بوخارست الذين تركوا من قبل ذويهم نظرا لعدم قدرتهم على الانفاق عليهم, والسبب يعود الى ان رئيس رومانيا الاشتراكي السابق نيكولاي تشاوشيسكو كان قد أصدر قرارا في العام 1960 يوصي فيه بإلزام كل اسرة بدفع ضريبة في حال عدم انجابهم 5 اطفال كحد ادنى. وتسبب هذا القرار في تشريد وضياع عشرات الآلاف من الاطفال.

ويعود اكتشاف "التيلوميرات" الى الفائزة بجائزة نوبل بالمشاركة في العام (2009) اليزابيث بلاكبيرن وايليسا ايبل, وكلاهما من جامعة كالفورنيا في سانفرانسيسكو. وقد نشرا تقريرا في عام (2004) يوضح ان الاطفال المصابين بأمراض مزمنة ما ادى الى قصر عمر "التيلوميرات" لديهم، وهذا يساوي فقدان 9 الى 17 سنة من أعمارهم الافتراضية في الحالات العادية.

وفي دراسة نشرت في مجلة "المراهقة" (2002), وجد ان الاطفال الذين مروا بتجارب حرمان وايذاء جسدي واهمال ربما يبدون سلوكيات اندفاعية وعدوانية, ومثل هذه السلوكيات تكون في الغالب مرتبطة بارتفاع معدل الاكتئاب.

ليليان بيلمونت وفرانسيس مارولا (1973) نشرا دراسة تتعلق بعدد الاسرة وترتيب الولادة مقارنة بنسبة الذكاء, وقد جمعا معلومات تشمل الافراد في سن الـ 19 لمعظم سكان هولندا والمقدر بـ 386,114.

وقد وجدا ان الاطفال الذين ولدوا بكرا يتقدمون على اخوانهم الذين ولدوا بعدهم في مستوى الذكاء, وان الطفل المولود ثانيا يأتي اذكى من المولود ثالثا وهكذا. وقد وجدا ان الاسر ذات الاعداد الكبيرة يكون مستوى الذكاء فيها منخفض لكل الاطفال.

وفي دراسة راشيل ريتنر (2010), تناولت اهمية ترتيب المواليد في مستوى الذكاء, واتفقت مع نتائج دراسة بيلمونت ومارولا, واوضحت ان معظم رؤساء اميركا وغالبية العلماء الفائزين بجائزة نوبل كانوا من المواليد البكر, وان 21 من مجموع 23 من رواد الفضاء "ناسا" هم من المواليد البكر. بالاضافة الى اقتباسها للعديد من الدراسات التي اجريت على تلاميذ المدارس في اميركا والتي تتفق مع دراسة بيلمونت ومارولا.

وقد نسب ذكاء "البكر" الى ان الطفل البكر يجد العناية الفائقة والتغذية السليمة ويحاط بعاطفة وانتباه بصفته المولود الاول. وهذه الدراسة في الواقع تشرح أهمية التنشئة في المراحل العمرية المبكرة واحاطة الابناء بالرعاية والحب والاهتمام وكذلك في التغذية المناسبة.

تؤكد الباحثة ماريام فيرد (2010) أن دماغ الإنسان والشمبانزي يكونان بنفس الحجم عند الولادة. وان دماغ الشمبانزي ينمو بنسبة 28% عند سن البلوغ, بينما ينمو دماغ الإنسان بزيادة تقدر بنسبة 300%, وهذا يعني ان معظم اجزاء ادمغتنا تنمو وتكبر بعد الولادة وان البيئة هي المسبب لذلك.

الجينات الوراثية واثرها في تحديد السلوك البشري

المواد الكيميائية العصبية في بعض مناطق الدماغ هي المسؤولة عن تفعيل الأنماط السلوكية والميول (اليوت 2000) وكذلك دراسة برينر واخرين, تربط بين السلوك الاجرامي والسلوك المعادي للمجتمع وبين المواد الكيميائية العصبية في الدماغ, وتشمل هذه المواد: ادرينالين، بافراز، السيروتونين، والدوبامين, وقد وجد أن لها تأثيرا على "الشخصية" - خاصة اثرها المباشر على القوى العقلية - مثل القلق والاكتئاب والانفصام. والحقيقة ان مناصري المؤثرات الجينية في تحديد السلوك البشري قد وجدوا في مثل هذه النظريات ضالتهم واعتقدوا ان مصدر كل السلوك البشري لا بد ان يكون جين وراثي.

طبعا بعض الدراسات تؤكد ترابط وتداخل الجينات الوراثية مع المتغيرات البيئية في تشكيل السلوك, ومع ذلك فإن الكثير من الباحثين يرون أن التاثير الجيني الوراثي يكون بنسبة اقل, فيعتقدون مثلا أن هناك جينات وراثية متخصصة في السرقة, غير ان هذه تعتبر ذات طبيعة جينية وراثية الا انها قد تكون منطمرة ولا تظهر الا بوجود عوامل بيئية محفزة ومثيرة, بمعنى أن نزعة الميول للسرقة او التعرض للاكتئاب يكون موجودا في جينات الإنسان لكن قد يظهر فقط اذا ما وجد المثير او الشرارة التي تقدحه للعمل.

طبعا المعسكر المناصر لأهمية الجينات في تحديد السلوك يبنى نظرياته حول تلك الأمراض "الاكتئاب والقلق والخوف" وهي اجتهادات بنيت على اساس ان الكائنات وخاصة الطيور والحيوانات، بقيت كما هي في سلوكها ونمط معيشتها ولم تتغير, وهذه هي أحد الاسباب التي جعلتهم يؤمنون بأهمية الجينات الوراثية في تحديد السلوك البشري - القيم والأخلاق والجريمة والصدق والكذب الخ.

"نظرية البلانك سلت" نظرية اشتهرت من خلال مقالة لـ جون لوك, وهو فيلسوف بريطاني واكاديمي, بعنوان "مقال يتعلق بالفهم البشري" (1689). لوك كان يؤمن بالمبادىء الامبريالية التي ترفض مقولة الافكار الفطرية بينما ترى أهمية تعزيز دور الإدراك الحسي والخبرات في تشكيل الفكر البشري. ويؤكد ان الإنسان يولد بعقل خالٍ من الافكار, صفحة بيضاء, وان الافكار والمعارف تتشكل بعد ان يتعرض للعالم الخارجي, وان كل فرد يبدأ بـ "بلانك سلت, او تابولا رازا" وان التجارب اليومية هي التي تملىء هذه الصفحة البيضاء.

بينما عالم النفس ستيفن بينكر، وصاحب كتاب "نظرية البلانك سلت: رفض الحداثة للطبيعة البشرية" يجادل في كتابه "ان الطبيعة او السلوك البشري قد تحدد قبل الولادة كجزء من الخريطة الوراثية البشرية التي تدعم بنيتنا الجينية" ورغم ان افكاره تراوح بين تداخل عوامل البيئة مع الجينات الوراثية في تحديد السلوك, الا انه لا يزال مصرا على فكرته الرئيسية: "التجارب لا تستطيع بشكل جوهري تغيير طبيعة بنية وعمل العقل البشري".

أصحاب الاتجاه الثالث: يرى ان سلوك الإنسان مصدره بيئي جيني, اي انه ينتج عن تفاعل العوامل البيئية مع الجينات الوراثية, وان أيا منهما لا يمكن ان يكون العامل الحاسم. ويتصورون ان الجينات الوراثية موجودة لكن فقط تظهر حينما تثار بعوامل بيئية, مثلا, الإنسان حينما يتعرض لضائقة مالية خانقة, فإن احتمال اصابته بنوبات اكتئاب كبيرة اذا ما كان احد اسلافه قد أصيب بنوبات مشابهة, او احتمال جنوحه لارتكاب سرقه قد تكون دافعيته للسرقة اكثر من غيره ممن لا يوجد لديه جين وراثي. لكن الحقيقة ان هذا يفسر اهمية البيئة في تشكيل السلوك البشري وان العامل الوراثي يأتي في مرتبة متأخرة.

الخلاصة

وفق النظريات والدراسات التي ذكرناها آنفا, يتصور الكثير من الباحثين الاجتماعيين وعلماء النفس ان البيئة تلعب دورا مهما في تحديد سلوك وشخصية الفرد. وربما افضل من شرح هذه العلاقة هو عالم النفس الشهير, فرويد حيث يشير الى: "اننا مجرد ممثلين للدراما التي تعمل في ادمغتنا, تدفعنا رغباتنا وتجذبنا ضمائرنا". وان السنوات الخمس الاولى من مرحلة الطفولة تعتبر مهمة في تكوين سلوك وشخصية الإنسان, وان التجارب الايجابية او السلبية التي يمر بها الطفل خلال تلك المرحلة وبرغم انها اصبحت مطمورة في اللاوعي الا انها تبقى تسيطر على حيز جوهري من سلوكه وتفكيره ودرجة فهمه للعالم من حوله الى آخر عمره. بينما قد تلعب الجينات الوراثية دورا مؤثرا على بعض السلوكيات الا انها بحاجة الى مؤثرات بيئية لتفعيلها. وهذه تعود بنا للمربع الاول الذي يفيد بأن البيئة هي مصدر السلوك البشري.

د. سالم موسى ـ جامعة الملك خالد ـ السعودية