السلفية الحركية ... محاولة تغيير الجلد

دفعت بهم الأحداث إلى الواجهة

أمام متغيرات سياسية متسارعة، وإزاء حالة وعي شعبي سياسي، وشرعي كبير، وظهور نخبة من الشرعيين، الذين يتعاطون مع المنتج الفكري الغربي، بعين نقدية موضوعية، يبدو أنه لم يعد مقبولاً ادعاء القدرة على الحسم في مسائل الخلاف السياسي، والتأصيل لإقصاء المختلف؛ ذلك أن أقوى موروث فقهي سياسي مستقر لسنوات طويلة، لم يصمد بضعة أشهر فالتغيرات أنجزت تماهياً سلفياً واضحاً مع منتجاتها الديمقراطية، بل وحث تأصيلي للجماهير للعمل ضمن منظومتها في دول الربيع العربي.

المتغيرات التي تشكل ملامح المشهد العربي الحالي، كفيلة بإحداث تحول تأصيلي، وتكييفات شرعية قابلة للحياة، في أجواء كهذه على المدى المتوسط والطويل، وغير ممكن أبداً أن يستمر عزف الخطاب على نمط مختلف، يتجاهل فيه الأتباع الذين باتوا اليوم قادة مجتمع. إن ما يحدث اليوم هو أزمة تحول من المتوقع أن تحدث ارتباكاً، كما بدت ملامحها في الخلافات عبر وسائل الإعلام، ولكنها مرحلة مهمة لاستئصال الجرعات المتضخمة من رفض الاستفادة من الوسائل الديمقراطية لصالح التعاطي الإيجابي، الذي يحفظ للثوابت والأصول قيمتها، وللوسيلة حظها من التطبيق، كأحد أهم التطبيقات البشرية، التي تساعد على تحقيق المبادئ والقيم العليا للإسلام، ضمن أركان الدولة العصرية الحديثة.

الرؤية السابقة تتحدث أيضاً عن مواقف متقدمة في الوسط السلفي الحركي السعودي، كالشيخ سفر الحوالي الذي كان موقفه السابق من الديمقراطية وصفُها بأنها "كفر وشرك"، إلا أنه أبدى لغة متطورة تجاه الديمقراطية، وذلك في خطابه الذي ألقاه بالنيابة عنه النائب السلفي الكويتي وليد الطبطبائي في مؤتمر بتونس (15 ديسمبر2011)، قال فيه: "بينما معظم شعوب العالم تحولت إلى الحرية والديمقراطية، وحدها الدول العربية باتت بعيدة عن رياح الديمقراطية والحرية، وتحولت الجمهوريات إلى بلدان وراثية ترث البلاد والعباد"، كما دعا بقية الدول العربية التي لم يزرها الربيع العربي إلى أخذ العبرة مما جرى، وأن تتصالح مع شعوبها، وأن تقوم بإصلاحات شاملة، وأن تفتح المجال لقيام أحزاب سياسية، ونقابات مهنية، وأن تقيم انتخابات حرة نزيهة.

كما يمكن هنا الإشارة إلى مؤتمرين مهمَّين، للسلفية الحركية (المعروفة اصطلاحاً بالسرورية) على العموم، والخليجية على وجه الخصوص من تحولات ما بعد الثورات العربية، الأول: مؤتمر "السلفيون وآفاق المستقبل" الذي عقد في إسطنبول التركية في أكتوبر 2011، أقامته مجلة البيان، والثاني: عقد في العاصمة القطرية الدوحة في 23 – 24 مايو 2012 لرابطة علماء المسلمين، حمل عنوان "أحكام النوازل السياسية"، وحضر المؤتمرين شخصيات سلفية محسوبة على الخط الحركي، ناهزت المائة وأربعين عالماً، من العالمين العربي والإسلامي. فهناك قواسم مشتركة دفعت السلفيين لإقامة هذين المؤتمرين:

1- دفعت الثورات العربية بالسلفيين إلى واجهة الأحداث، فانفتحت أمامهم السبل والمجالات بدرجة غير مسبوقة، وقد استجاب السلفيون، وتمددت أنشطتهم إلى مسارات متنوعة، أحوجتهم إلى مزيد من التأصيل، والدراسة، والبحث، لتقويم الممارسات، ورسم المسارات، وإزالة العقبات.

2- تأسيس عدد من الجماعات السلفية أحزاباً سياسية في بلدان الربيع العربي، وما يتبع ذلك من إشكالات في ممارسة العمل السياسي، خاصة أن تلك الأحزاب حديثة عهد بالممارسة السياسية، والخشية من كيفية إدارة تلك العملية، التي تتسم بتقديم التنازلات في الممارسة الديمقراطية.

3- مقارعة التحركات والطروحات والفلسفات الإخوانية، التي تصدرت المشهد السياسي العربي، عبر رموزها، كأمثال الشيخ يوسف القرضاوي،والشيخ راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة بتونس، حيث أثارت آراؤهما تحديداً الكثير من الانتقادات من جانب السلفيين الحركيين على وجه الخصوص.

4- سرعة إعطاء الرؤية الشرعية في مصطلحات أضحت واقعاً على السلفيين، كالموقف من الدولة المدنية، والخروج على ولي الأمر، وأحكام المشاركة السياسية للمرأة، ووسائل الاحتجاج المعاصرة، ووجوب تطبيق الشريعة، وأحكام التحالفات السياسية.

5- رغبة الشعوب العربية في النظام الديمقراطي.

ومن بين تلك التطورات في الخطاب السلفي قول بعض الأطياف – ممن حضر المؤتمر- أنّ قيام الثورات الشعبية السلمية من أجل التغيير وإسقاط الأنظمة المستبدة أمر مشروع شرعاً ووضعاً، وأن تحول الاحتجاجات السلمية في بعض البلدان – كما في حدث في ليبيا واليمن وسوريا- إلى جهاد ومقاومة مسلحة، لا يخرجها عن المشروعية؛ لكون بعض الحكام هنا أظهر كفراً بواحاً (القذافي، بشار الأسد)، أو من باب دفع العدو الصائل، كما حدث في دفاع الجيش المنظم لحماية الثورة اليمنية.

كما كانت هناك تطورات أخرى، إلا أن بعض توصيات المؤتمر (13توصية) حملت دلالات ورسائل "فكرية وسياسية"، لثلاث جهات، هي: الحكومات الإسلامية القائمة، والتيار السلفي الراغب في ولوج العملية السياسية، والأحزاب الإسلامية عموماً، وتمثل أيضاً قراءة فاحصة لقراءة السلفيين الحركيين لشكل خطابهم السياسي بعد الثورات، ونذكر من التوصيات أهمها:

1- دعوة حكام المسلمين، وسائر الأمة، إلى ترسيخ تعظيم الشريعة، وتحكيمها، في جميع مناحي الحياة، وتهيئة عموم الأمة للاعتصام بالكتاب والسنة.

2- التأكيد على وجوب تحكيم الشريعة كاملة، وحمل الناس عليها، بما يحقق المصالح ويجمعها، ويدفع المفاسد ويقللها.

3- سيادة الشريعة في بلاد المسلمين أصل لا خلاف فيه بين علماء الشريعة، وهو من المعلوم من الدين بالضرورة، وكل من يقضي بغير ذلك فليس من شرع الله.

4- ضرورة التفريق بين الحكم على الديمقراطية وبين المشاركة السياسية وفق الشروط الشرعية، في ظل أنظمة الحكم الديمقراطية، بما في ذلك إنشاء الأحزاب السياسية الإسلامية، لتحقيق المصالح ودرء المفاسد، مع ضرورة التأكيد على أن الممارسة السياسية ليست بديلاً عن الدعوة إلى الله وتعبيد المجتمعات لله تعالى.

5- التأكيد على أن التحالفات السياسية بين الأحزاب الإسلامية مما يحقق اجتماع الكلمة، وأن التحالف مع غير الإسلامية يتوقف الحكم فيه على الموازنة بين المصالح والمفاسد، وفق الشروط الشرعية، مع مراعاة عقيدة الولاء والبراء.

6- التأكيد على منع تولي المرأة للولايات العامة، وأمَّا ما دون ذلك من المشاركة في العمل السياسي، فيخضع للشروط الشرعية، والموازنة بين المصالح والمفاسد.

7- التأكيد على أن منع الخروج المسلح على الحاكم المسلم الظالم لا يعني السكوت عن نصحه، كما لا يعني عدم الإنكار الشرعي عليه، أو موافقته على ظلمه، وطاعته في المعصية.

8- وسائل الاحتجاج والتعبير السلمي المعاصرة، يدور حكمها مع الأحكام التكليفية الخمسة، ومرد ذلك إلى قواعد السياسة الشرعية، جمعاً للمصالح وتكثيرها، ودرء للمفاسد وتقليلها.

9- ضرورة تمييز المصطلحات السياسية الوافدة، التي تحمل مضامين باطلة عن غيرها، مع تأكيد إبقاء مصطلحات السياسة الشرعية، والإفادة من المصطلحات المعاصرة التي لا محظور فيها.