السلفية الثورية.. اتجاهات التغيير بالعنف

التعبئة لصالح أي تمرد

بعد انفصال السلفية الثورية عن أيديولوجية الإخوان المسلمين احتفظت من مبدأ الإخوان بفكرة أن العمل السياسي والاجتماعي يجب أن يتم من نقطة استشراف إسلامية؛ وهي تدمج هذا المنظور مع الفهم الحرفي للنصوص القرآنية ذات الدلالة السياسية، الذي يعالج إدارة القوة، والخلافة، والسلطة وكلها تميل إلى العمل الثوري. وخطابها والأفعال المرتبطة به جذرية وترفض أي التزام وتعاون في المجتمعات الإسلامية والغربية على حدّ سواء. وهؤلاء الناشطون معادون لأي عمل ديني يقتصر على الدعوة فقط، ويضعون الجهاد في قلب معتقدهم، ويحوّلونه إلى فريضة دينية. ويعتبر استخدام العنف أمراً أيديولوجياً واستراتيجياً. وبالتالي فإن هذه الحركات تفضّل العمل المباشر على كل أنماط العمل السياسي الأخرى التي يرفضونها تماماً. ويمكن تحديد ثلاثة اتجاهات داخل السلفية الثورية.

الاتجاه الأول

ممثّل بجماعات تسعى للتغلّب على سلطة الدولة لإنشاء دولة إسلامية في بلد المنشأ. وباسم العودة إلى نظام سياسي ماضٍ تُضفى عليه المثالية، يدعو السلفيون الثوريون إلى أسلمة الدولة عبر استخدام القوة. وهذه المنظمات، التي تعمل -في الغالب- منصّة لأكثر اتجاهات الإسلاموية راديكالية، هي نتاج تطرّف تيّار برز في أربعينيات القرن العشرين داخل الإخوان المسلمين، بالإضافة إلى قمع الدولة في بلد المنشأ وخيبة الأمل من الاستراتيجيات الانتخابية للإسلاميين. وتربط عديد من المنظّمات الإرهابية نضالها بهذا النوع من الجهاد، مثل الجماعة الإسلامية المسلّحة، والتكفير والهجرة، والجماعة السلفية للدعوة والقتال، وكان أعضاء بارزون في هذه الجماعات في أفغانستان ذات يوم.

الاتجاه الثاني

يشكّل جزءاً من مواجهة أوسع مع أعداء أمّة إسلامية عابرة للحدود الوطنية. وخلافاً للاتجاه الأول الذي يحمل بعداً وطنياً، يشكّل الاتجاه الثاني جزءاً من نموذج دولي، مكرّس لنوع من نقل النضال المعارض في العالم العربي إلى الساحة الدولية. وتوجد عدّة عوامل في صلب هذا الشكل من الجذرية العنيفة. فعند مواجهة أعمال شرطة الاستخبارات العامّة، والفشل الذي شهده المسلمون المقيمون في الغرب، والتعبئة لصالح التمرّد (عدم القدرة على التأثير في السياسة الخارجية للبلدان الغربية الداعمة في التعامل مع الأنظمة العربية التي يهدّدها الإرهاب الإسلامي)، أعادت هذه الجهادية الإسلامية الوطنية توجيه طاقاتها بالتدريج نحو أنشطة ذات نطاق دولي أوسع. وأصبح الجهاد غير مرتبط بإقليم محدّد وانخرط في شبكات عابرة للحدود الوطنية. لم يعد العدوّ بلداً معيّناً يدعم الدول العربية، وإنما النظام العالمي الجديد الخاضع لسيطرة الولايات المتحدة التي دعمت حكومتها، لا سيما منذ سنة 2001 "الرؤية اليهودية المسيحية للعالم" باعتبارها مثالاً يحتذى. ومع أن الأهداف ظلّت دون تغيير، فإنها تُنتقى حالياً لأسباب مختلفة.

تقوم القاعدة وكل البنى التنظيمية التي تواليها، مثل الجماعة السلفية للدعوة والقتال، بمعظم هذا النوع من الجهاد. وكانت هذه المنظّمات تعمل في الأصل داخل نموذج وطني (جزائري في الغالب) وهي الآن تعيد توجيه نشاطها وفقاً لأيديولوجية القاعدة الجهادية. وهذه هي حال شريف عبدالحليم المتّهم بمحاولة التخطيط لهجوم في أونتاريو سنة 2006، وعلي التميمي المتّهم بأنه أصل التهديد بالجمرة الخبيثة في الولايات المتحدة. ويمكن تفسير إعادة تدوير الجهاديين الجزائريين داخل شبكة القاعدة في أوروبا بوجود روابط قوية جداً بين هؤلاء الجهاديين الناشطين في فرنسا وأعضاء في منظّمة أسامة بن لادن. وفي عديد من الحالات، كان أول ظهور للجهاديين الجزائريين في الحرب الأفغانية. كما أن الافتقار إلى مرشدين روحيين جزائريين مشهورين –بعضهم اغتيل مثل سيّد محمد– قادرين على ضمان توجيه الجهاد في الجزائر، دفع الجهاديين الجزائريين إلى الالتفات إلى قادة من جنسيات أخرى منخرطين في ميادين الجهاد الأخرى ولديهم رؤية دولية. أخيراً، دفعت الضغوط الأمنية للجيش الجزائري وأجهزة الاستخبارات الفرنسية الأمراء الجزائريين إلى إعادة التفكير في استراتيجيتهم ووضع أيديولوجية جديدة للقتال. وهكذا بايع أمير الجماعة السلفية للدعوة والقتال: حسن حطاب، سنة 1998 الجبهة الإسلامية العالمية للجهاد ضد اليهود والصليبيين التي أنشأها أسامة بن لادن. ومن الأمثلة التي تجدر الإشارة إليها في بريطانيا منظمة الغرباء التي حظرتها السلطات البريطانية بعد تبريرها هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 في نيويورك، و7 يوليو (تموز) 2005 في لندن، وبالتالي إعلان تأييدها للقاعدة.

الاتجاه الثالث

لا يسعى لقتال "اليهود والصليبيين" بالعمل المباشر واستخدام العنف، ولا يسعى لإنشاء دولة ومجتمع إسلاميين، لأنه لا يُعنى بمسألة الدولة الإسلامية. ويهدف الجهاد الذي تمارسه هذه الجماعة حالياً إلى الدفاع عن السكان المسلمين الذين تتعرّض سلامتهم الإقليمية والسياسية والمادية لتهديد القوى الأجنبية وتقديم الدعم لهم. ويعتبر استخدام العنف مشروعاً إذا كرّس للدفاع عن المسلمين الذين تهدّدهم الجيوش غير الإسلامية. وباسم التضامن الإسلامي العابر للحدود الوطنية، يقدّم هؤلاء الناشطون المساعدة العسكرية والمالية لإخوانهم في السلاح، في حين يدافعون عن حدود دار الإسلام ويحافظون على تماسك أمّة وهمية. وفي إطار نموذج الوطنية والانفصالية الإسلامية، يتخذ هذا التطرّف الجهادي شكل حرب تحرير وطنية، "جهاد التحرير".

وعند مقارنة هذه الحركة بالألوية الدولية، أوضح جهادي في مقابلة أجريت معه: "إننا مع الجهاد في العراق أو في أي مكان آخر لأن إخواننا يتعرّضون لخطر مميت. إننا نريد الدفاع عنهم، وفرنسا لا تفهم، مع أن بعض الفرنسيين فعلوا الأمر نفسه في ثلاثينيات القرن العشرين للدفاع عن دعاة الديمقراطية الإسبان في وجه الدكتاتور فرانكو". وهكذا في حين أن الشخصية السائدة في الشكل الثاني للجهادية هو الكاميكازي، فإن الاتجاه الثالث للجهاد يتميّز بمقاومة المحتل، والمناضل أو مقاتل الأمة الذي يقاتل ضدّ الاحتلال. ويعتبر هؤلاء المقاتلون أنفسهم أوصياء على الوحدة الإسلامية، ويقاتلون إنقاذاً للمبادئ الأخلاقية والتقى الديني للمسلمين الذين لا يستطيعون أن يمارسوا طريقة عيشهم الإسلامية تحت احتلال الجيوش الأثيمة. لذا يقود هؤلاء الجهاديون حرباً مقدّسة دفاعاً عن أمّة مقدّسة، وهو اعتقاد يعزّز في داخلهم الشعور بأداء مهمّة سامية.

لذا فإن هذا العنف لا يتسم بطبيعة سياسية أو تضحوية، كما في الشكلين الأولين للجهاد، لكنه جزء من نموذج للمقاومة. وخلافاً للكاميكاز، فإن هؤلاء المقاتلين لا يهدفون إلى قتل أنفسهم، وإنما السعي للانتصار العسكري على الجيوش المحتلّة. وهذا هو الهدف الأقصى لهذا الشكل من أشكال الجهاد. وهذه الحرب المقدّسة محمّلة بالقصص المشوبة بالخرافة التي تقدّم حرباً تمكّن فيها الأفغان "من تفجير الدبابات السوفيتية برميها بالحجارة، وهزم فيها جيش من الجبليين أقوى جيش في العالم"، وفقاً لمحارب قديم يدير حالياً مدرسة قرآنية في باريس. المنطق الذي تقوم عليه الحرب المقدّسة هو منطق التفاوض بالقوّة: إجبار الجيش المعادي على الاستسلام ومغادرة دار الإسلام.

التدريب في سوريا

أصبحت هذه البنى، منذ تطوّر الحرب في سوريا، بوّابات للعمل المسلّح في هذا البلد. وقد غادر ما يقرب من (70) شاباً بلجيكياً إلى سوريا، بمن فيهم عبدالرحمن عياشي الفرنسي- البلجيكي، الذي اعتقلت الشرطة الإيطالية والده لمحاولة تنفيذ هجوم في إيطاليا. ووفقاً للبيانات المجموعة بموجب تحقيق قضائي مستمرّ في الإرهاب فُتح سنة 2012 لمواجهة المنظمة، فإن غالبية هؤلاء الشبّان جاؤوا على ما يفترض من بطانة منظّمة "الشريعة من أجل بلجيكا" التي تمّ تفكيكها الآن. وقد بدأ التحقيق عندما تبيّن أن ثمة متعاطفين مع الحركة ينشطون في اليمن والشيشان. ووفقاً لأجهزة الاستخبارات، لا يقاتل هؤلاء الشبّان إلى جانب الجيش السوري الحرّ، وإنما مع الإسلاميين الراديكاليين والسلفيين المتمرّدين. ويفترض أن غالبيتهم من أنتويرب، وفيلفورد، وبروكسل، وميشلان. وتخشى أجهزة الاستخبارات من أن هؤلاء الشبّان سيعودون إلى البلدان التي يحملون جنسيتها بعد خضوعهم للتدريب العسكري في الخارج. وتتيح هذه البنى فترة انتقالية وإعدادية ضرورية، قبل أن ينخرط هؤلاء في أعمال عنف خالصة. وكان مايكل "مجاهد" أديبولاجو، وهو أحد اثنين شاركا في اغتيال جندي في لندن سنة 2013، يتردّد على دوائر قريبة من "الشريعة من أجل بلجيكا". وقد اعتنق الإسلام وانضمّ إلى جماعة أقلية إسلامية يقودها أنجم تشودري، موجّه فؤاد بلقاسم.