السلطة الرابعة في النظام الجماهيري وتعدد السلطات

بقلم: د. صالح ابراهيم
الرقابة الشعبية المباشرة قد تكون اهم من الصحافة

إنني لست متخصصا في علوم الحقوق والقانون والإعلام ولهذا ربما يعتبر هذا المقال تطفلا على الفقهاء والمتخصصين والخبراء في علوم السلطة واختصاصاتها وآليات عملها.
ولكنني وددت أن أطرح وجهة نظري ليس من مدخل علم القانون ولكن من زاوية أيديولوجية تتعلق بسلطة الشعب وآليات عمل النظام الجماهيري وخطوط السلطة فيه، وفي محاولة للمساهمة في التصدي لمجموعة من الأسئلة المطروحة والتي يجب أن يساهم كل الفقهاء الجماهيريين في صياغة إجابات لها وإثراء النقاش حولها وهذه الأسئلة هي:
1- هل المجتمع الجماهيري مجتمع السلطة الواحدة أم تعدد السلطات؟
2- هل هناك مبدأ الفصل بين السلطات في النظام الجماهيري أم أن هذا غير ممكن بحكم طبيعة سلطة الشعب؟
3- هل هناك سلطة رابعة في الجماهيرية؟ وهل هي الصحافة والإعلام أم هي شيء آخر مغاير؟
إنه و كما تحدثت في المقدمة وددت أن اطرح هذا الموضوع لأن هناك عدة انتقادات تحاول أن تنال من النظام الجماهيري الذي يتبنى فلسفة معاكسة للفلسفة الليبرالية، وحيث إن تلك المجتمعات التقليدية هي نتاج لتلك الفلسفات التي تدعي بأنها مجتمعات تقاسم السلطة حيث تنقسم السلطات إلى سلطة تشريعية وسلطة تنفيذية وقضائية وهناك ما يسمى بالسلطة الرابعة وهي الصحافة والإعلام.
وللإجابة على السؤال الأول المتعلق بحيثية المجتمع الجماهيري من حيث كونه مجتمع السلطة الواحدة أم مجتمع تعدد السلطات، فأنني أحب أن أؤكد على أن أخطر ما يواجه أي فلسفة دينية أو دنيوية هو الحدية أو التطرف أو ما يسمى بالحرفية ولذا من المهم التأكد على أن النظام الجماهيري هو مجتمع مرن ووسطي في كل جوانبه.. إنه مجتمع التنوع والتعدد لأنه مجتمع طبيعي وليس اصطناعيا ومن هذا المنطلق فإن المجتمع الجماهيري هو مجتمع السلطة الواحدة وهي سلطة الشعب وفي ذات الوقت هو مجتمع تعدد السلطات حيث أن السلطة التشريعية (المؤتمرات الشعبية الأساسية) هي السلطة الأولى المرجعية والأم لكل السلطات. أي بمعنى أوضح هي السلطة المهيمنة أو العليا. ثم هناك سلطات أخرى كأي مجتمع أخر وهي السلطة التنفيذية المتمثلة في اللجان الشعبية وسلطة قضائية وسلطة رابعة وهي سلطة الرقابة الشعبية حيث إن الصحافة والإعلام جزء من السلطة الرقابية ومن ضمن مكوناتها.
لهذا فأنني أرى أن الوسائط الإعلامية المرئية والمقروءة والمسموعة يجب أن تكون جزءا من مكونات اللجنة الشعبية العامة للرقابة الشعبية وليست جزء من السلطة التنفيذية.
إن تبعية الصحافة والإعلام للجنة الشعبية العامة للرقابة الشعبية لا يعني وضع تلك الأدوات تحت الرقابة ولكنها تعني العكس تماماً، حيث تتحول السلطة الرابعة غير الملزمة في النظم الليبرالية إلى سلطة فعلية لها القدرة الشرعية على تحويل تلك الملاحظات الرقابية إلى واقع عملي وبهذا سوف تعطي تلك الوسائل قوة إضافية وفق فلسفة سلطة الشعب.
إن تلك المهام الفنية الروتينية لا علاقة لها بمفهوم الرقابة الشعبية وإن ما يطبق اليوم هو استلاف مشوه لما هو موجود في المجتمعات التقليدية..
فالرقابة الشعبية لا يمكن حصرها في عمل فني ضيق حيث إن هذا النوع الجديد من الرقابة هو وليد المجتمع الجماهيري فلابد أن يقوم الجماهيريون بصياغة مهامه وواجباته لا التكنوقراط والتقليديون ومن هذا المنطلق فإنني أعتقد أن مهام اللجنة الشعبية للرقابة الشعبية هي:
1. قياس مستوى التضخم ومعرفة أساببه لاتخاذ سياسات لمواجهتها.
2. تحديد نسبة البطالة في المجتمع ومستوى التشغيل لوضع خطط اقتصادية تستهدف التشغيل الكامل وتخفيض نسب البطالة.
3. مراقبة الهجرة القانونية وغير القانونية ومعرفة أسبابها لوضع معالجات لها.
4. تحديد نسب النمو الاقتصادي وتطور مستوى الدخل الوطني.
5. تحديد انعكاسات سياسات توزيع الدخل على شرائح المجتمع المختلفة ووضع معالجات للقضاء على الفقر وإلغاء خط العوز.
6. اكتشاف الظواهر التي تهدد السلم الاجتماعي ورصد الحركات المضادة لفلسفة المجتمع وقيمه الدينية و الاجتماعية.
7. ضبط مستوى مخرجات التعليم ومدى توافقها مع احتياجات سوق العمل من حيث الكم والكيف.
8. مراقبة طرق استخدام الموارد الطبيعية وكيفية استثمارها محلياً أو من طرف المستثمرين الأجانب مثل النفط والمياه والثروة البحرية.
إن الدافع الآخر الذي دفعني إلى طرح هذا الموضوع هو أن بعضاً من الذين يعتنقون الفلسفة الجماهيرية يعتقدون أنها نظام السلطة الواحدة ولهذا يوجه خصومنا تهمة عدم الفصل بين السلطات ويدعون أن أي نظام لا يتمكن من الفصل بين السلطات فإنه بالضرورة لن يتمكن من أن يتحول إلى نظام قابل للتطبيق وقادر على الحياة.
إنني أعتقد أن كلاهما مصاب بالتشويش في فهمهم لآليات عمل النظام الجماهيري كما أنهم أيضا لا يعرفون حقيقة النظم الليبرالية.
فالنظام الجماهيري هو نظام تعدد السلطات والنظم الليبرالية هي نظم السلطة الواحدة. وللتوضيح أقول إن النظام الجماهيري تحكمه نظرية السلطة الآمرة أو الجامعة وهي السلطة التشريعية التي يمارسها الشعب عبر المؤتمرات الشعبية الأساسية حيث يصيغ الشعب سياساته الداخلية والخارجية كما أنه يقر القوانين التي يصيغ الشعب سياساته الداخلية والخارجية كما أنه يقر القوانين التي يراها ويشكل السلطة التنفيذية والسلطة الرابعة والتي هي السلطة الرقابية أو الرقابة الشعبية.. أي أن الشعب هو الذي تنبثق منه كل السلطات ولكنه فور إقرار هذه السياسات وإصدار هذه القوانين وبعد تشكيله للسلطة التنفيذية فإن النظام الجماهيري يشتغل وفق فلسفة تعدد السلطات وعدم التداخل بينها حيث إن السلطة الجامعة فقط هي حين اجتماع الشعب عبر المؤتمرات الشعبية الأساسية وفي تلك الحالة يحق للشعب أن يتخذ ما يراه مناسباً من سياسات أو قرارات يلزم بها بقية السلطات الأخرى. وفي اعتقادي أن أهم العوامل التي سوف تعزز بناء الجماهيرية في ليبيا هي منع حدوث أي تداخل بين السلطات وبدل جهد إضافي لتوضيح علاقة السلطة الأم بالسلطة التنفيذية والقضائية أولا ثم تأسيس مشروع خلاق لبناء السلطة الرقابية لأنها هي عين الشعب وأداته عندما لا يكون في حالة انعقاد وهي مركز معلومات عند اتخاذ أي قرار أو انتهاجه أي سياسة، ولهذا فإن أي ضعف أو عدم قدرة الرقابة الشعبية على احتواء الأدوات الرقابية من الرقابة المباشرة للمواطنين وحتى الرقابة التي تتم عبر وسائل الإعلام المقروءة والمرئية والمسموعة أي غياب السلطة الرابعة وهي الرقابة الشعبية وعدم قدرة أدواتها على اتخاذ مهمة الرقابة وفق نظرية الرقابة بالأهداف لا الرقابة بالوسائل التي ما تزال ضعيفة وكما تحدثت في مقالة سابقة حول أن الدولة الجماهيرية هي دولة الثقة وليست دولة الإجراءات وأن النظرية الإدارية التي تلاءم المجتمع الجماهيري هي الإدارة بالأهداف لا الإدارة بالوسائل. د. صالح ابراهيم
مدير عام اكاديمية الدراسات العليا – طرابلس