السلامي يبحث عن اللامعقول في الرواية العربية

بقلم: مصطفى لغتيري

يواصل الناقد التونسي عبدالدائم السلامي مغامرته النقدية التي بدأها بكتابه "شعرية الواقع في القصة القصيرة جدا" بإصداره لكتاب جديد عن دار التنوخي للنشر بالمغرب، اختار له عنوان "منطق اللامعقول في الرواية العربية الحديثة - رواية الدارويش أنموذجا". ويتكون الكتاب من تقديم وثلاثة فصول و خاتمة.

في التقديم انبرى الناقد يبسط أوراقه أمام القارئ كاشفا له عن هدفه وانشغالاته ومنهجه، دون أن يفوته تحديد الأسئلة العميقة التي شغلته وحفزته على تحرير هذا الكتاب النقدي، ففي تحديد هدفه البحثي يقول الناقد إنه سيتبين "إن كان ثمة منطق يحتكم إليه حضور اللامعقول في العمل الروائي، وماهي طاقاته الإيحائية وآليات اشتغاله التي من شأنها أن تعضد السرد وتعلي من إنشاءاته الفنية والدلالية". أما عند حديثه عن المنهج الذي ارتضاه لنفسه، فيقول عبدالدائم" عولنا على مجموعة من المناهج كالنصانية واللسانية والسوسيونصية ونظرية التلقي. ولكننا تخيرنا منهجا وسطا اهتدينا به في كامل البحث: منهجا يرى النص بابا مشرعا على تحليلات عدة تكون فيها الرواية بدءا ومنتهى".

وقد واجهت الناقد في هذا البحث أسئلة عميقة تتعلق بـ: الحد الاصطلاحي للامعقول، البحث عن منطق واضح ينتظم اللامعقول، تجليات اللامعقول في الرواية العربية وروافده.

في الفصل الأول المعنون بـ "اللامعقول في معناه" ناقش الناقد مسألة ترحل المفاهيم، وكينونة المصطلح التي توقف عندها بكثير من التركيز والعمق، باحثا عن دلالته في التراث العربي والمدونة النقدية العربية الحديثة، ليستنتج أن "رهبة اللامعقول" هيمنت على الباحثين فتعاملوا معه بنوع من التهيب، فانفلتت من بين أيديهم- نتيجة لذلك - تعريفاته وماهيته وظلوا يحومون من حوله، دون أن يتسربوا إلى عمقه، وقد ذكر أسباب ذلك ومن بينها مشكل الترجمة التي أسهمت في هذه البلبلة التي أحدثها "اللامعقول" في أذهان النقاد وكتاباتهم، كما رصد الصعوبات التي أدت إلى ذلك، محاولا البحث عن مبررات ذاتية وموضوعية وسوسيوثقافية لعدم انصياع اللامعقول للنقاد كي يسيجوه ضمن حدود اصطلاحية متفق عليها.

وتوقف الناقد بكثير من الحرص عند مرادفات اللامعقول في الثقافة العربية من خلال الغوص في أمهات الكتب التراثية، علاوة ما راكمته الثقافة الغربية في هذا المجال، وحصر هذه المرادفات في العبثي واللامنطقي واللاواقعي وفوق الإدراكي والخارق والعجائبي والغرائبي واللامحدود واللامرئي والموهوم والمحال.. وغيرها من المصطلحات التي تحايث مصطلح اللامعقول، ثم انبرى الناقد بعد ذلك لتعريف مصطلحات مفصلية في رحلته للقبض على اللامعقول كالعجيب والفنتاستيك والغريب، ليخلص إلى اقتراح تعريف للامعقول جاء فيه "إن تعريفات اللامعقول اللغوية والفلسفية تبلغ به محل صفة هيئة أو حدث غامض مستغلق على معناه، يكتنفه الوهم من كل جهاته فلا يترتب عنه غرضه أبدا، كما لا يستطيع العقل تبريره أو البرهنة عليه، لأنه خارج ثنائية الصدق والكذب والفطرة السليمة. إن جانب المتخيل فيه يغترف واقع الأشياء والكائنات ويعيد تشكيل هيئاتها، ومن ثمة يصير باحثا على الحيرة والتردد والاضطراب".

في نفس الفصل تحدث الناقد عن "الرواية العربية والتجريب"، حيث حاول أن يقارب مفهوم التجريب في الرواية العربية باعتباره نتيجة للمثاقفة وبالتحديد لتأثر الرواية العربية بما يسمى "الحساسية الجديدة" دون أن تتبرأ من اتصالها بالماضي، وخاصة فيما يتعلق بارتباطها بمدونة الخبر العربي إظهارا وإضمارا. ويعد اللامعقول - حسب الناقد - أحد تجليات التجريب الروائي.

بعد ذلك انطلق السلامي في رحلة البحث عن اللامعقول في رواية "الدراويش يعودون من المنفى" لإبراهيم درغوثي، "لكونها رواية نهضت على مجموعة من السمات الحكائية التي تتكئ على اللامعقول تقنية سردية ما زاد من مقروئيتها وأخرجها من محليتها ومنحها بعدها العربي".

خصص الناقد الفصل الثاني لـ "تجليات اللامعقول وروافده"، فتحدث عن حضور اللامعقول في "الدراويش" خاصة على مستوى لا معقولية المكان ولا معقولية الزمان ولا معقولية الشخصيات وعند تطرقه لروافد اللامعقول وجدها في القرآن والتوراة وألف ليلة وليلة وتاج العروس وعيون الأنبياء و غيرها. وقد فصل الناقد القول في ذلك باستفاضة.

في الفصل الثالث ركز الناقد على اللامعقول السردي فتحدث فيه عن اللامعقول كتقنية سردية واللامعقول باللغة ولا معقولية السرد ولا معقولية الوصف، ثم انكب على البحث في الدلالات الاجتماعية للامعقول، دون أن يفوته الحديث عن علاقة الشرق والغرب في ارتباط مع موضوع البحث في هذا الكتاب.

في خاتمة الكتاب قام الناقد بجولة تذكيرية بأهم المباحث التي تناولها في كتابه مركزا على بعضها ومارا مرور الكرام على بعضها الآخر.

ومن حسنات هذا الكتاب بالإضافة إلى حفره العميق والجاد في مصطلح اللامعقول تنظيرا وتطبيقا، فإن لغة الناقد المتميزة، تجعل من قراءة الكتاب جولة ممتعة تجمع ما بين صرامة الناقد وإمتاع المبدع، ولعل هذا المزج الجميل، هو الذي يؤهل الكتاب ليكون معلمة ناقدية بارزة ستجد لنفسها مواطئ أقدام في المشهد الثقافي العربي.