السلاحف تغزو جزيرة مصيرة العُمانية

جهود عُمانية حثيثة للحفاظ على الفصائل النادرة

مسقط ـ تشهد الفترة الممتدة من أواخر شهر مايو/ايار ولغاية شهر سبتمبر/أيلول من كل عام في شواطئ جزيرة مصيرة العُمانية برمالها الذهبية توافد أعداد كبيرة من السلاحف البحرية بمختلف أصنافها لتضع بيضها وسط هذه الرمال وتتخذها موقعاً مهماً للتعشيش على مستوى العالم.
وتتخذ أربعة فصائل من السلاحف البحرية من شواطئ مصيرة أعشاشاً لها وهي سلاحف الريماني والخضراء "الحمسة" والشرفاف والزيتونية "تقشار".
وتشهد شواطئ الجزيرة كل ليلة كذلك توافد أعداد من المواطنين والسياح الراغبين في الاستمتاع ومتابعة هذه المخلوقات والتعرف على عالمها العجيب وهي تضع بيضها.
وبعد خروج السلحفاة من البحر بهدوء شديد ضاربة بزعانفها على الشاطئ تتوقف كل بضعة أمتار وتنظر يمنة ويسرة لتتأكد من خلو المكان قبل أن تواصل زحفها نحو الرمال مبتعدة عدة أمتار عن الشاطئ ثم تبدأ باستخدام زعانفها بعمل حفرة كبيرة فتضع النصف الخلفي من جسدها في هذه الحفرة وتبدأ بوضع البيض.
وتضع أنثى السلحفاة ما بين 60 إلى 140 بيضة، وبعد أن تنتهي من وضع البيض تعيد الرمال إلى مكانها بقصد إخفاء الحفرة وتضرب بزعانفها عليها لتسوي الأرض كما كانت، ثم تحفر حفرة أخرى مشابهة على يمين الحفرة التي وضعت فيها البيض وأخرى على شمالها لقصد الإخفاء والتمويه لكل من يحاول أن يحفر في الموقع بقصد البحث عن بيضها، ثم تعود مرة أخرى إلى البحر.
وتستمر فترة حضانة بيض السلاحف بالرمال لمدة شهرين.
ولعُمان تاريخ حافل بالعمل الدؤوب للحفاظ على السلاحف البحرية، وكانت المسوحات الأولى في السلطنة لحماية السلاحف في عام 1977م بواسطة وزارة الزراعة والأسماك ووزارة النفط والمعادن آنذاك وبالتعاون مع الاتحاد الدولي لصون الطبيعة والصندوق الدولي لحماية البيئة وكان التركيز على جزيرة مصيرة ونيابة رأس الحد بولاية صور.
وتم البدء في مشروع لترقيم السلاحف وتسجيل أرقام السلاحف المرقمة سابقاً والتي تأتي للتعشيش ووضع البيض وذلك من خلال تشكيل فريقين أحدهما في جزيرة مصيرة والآخر في رأس الحد، حيث تم وضع العلامات على أكثر من 23 ألف سلحفاة وذلك خلال الفترة من 1977 ـ 1986م.

وتتويجاً للجهود الرامية للمحافظة على حماية الأنواع النادرة من الكائنات البحرية والتي تزخر بها البيئة العُمانية والتي من أهمها السلاحف البحرية تم في عام 1996م الإعلان عن إقامة محمية بحرية طبيعية بولاية صور بالمنطقة الشرقية وهي محمية السلاحف برأس الحد والتي تمتد لتغطي مساحة 120 كيلومتراً مربعاً من الشواطئ والأراضي الساحلية وقاع البحر وخور جراما وكذلك خور الحجر لتوفر بذلك مأوى طبيعياً وأمناً لآلاف السلاحف النادرة والتي تقصد هذه المحمية طوال العام.
كما تضم المحمية العديد من المواقع الأثرية ذات الأهمية التاريخية وعدة مواقع بنيابة رأس الحد وخور جراما ومنطقة رأس الجنز ورأس الخبة، وتعتبر السلاحف الحرية من أهم الموارد الإحيائية بالمحمية حيث تعشش الكثير منها على شريط ساحلي يبلغ طوله 45 كيلومتراً من رأس الحد ولغاية رأس الرويس.
كما يتميز خور جراما بالإضافة إلى السلاحف بوجود أشجار القرم الصغيرة ومجموعات من المرجان المنتشرة في الشواطئ الصخرية، وتوافر العديد من القشريات والكائنات الحية الدقيقة والتي تشكل غذاء للأسماك والتي تتكاثر في هذه المنطقة.
ونفذت وزارة البيئة والشؤون المناخية العُمانية بالتعاون مع شركة توتال والتي قدمت الدعم المالي للمشروع وايبديكس مشروعاً حيوياً ومهماً يعنى بصون السلاحف البحرية في جزيرة مصيرة ودراسة البيئة البحرية ذات العلاقة بالسلاحف البحرية والذي بدأ تنفيذه عام 2004 واستمر لمدة 3 سنوات.
ويهدف المشروع لدراسة مختلف أنواع السلاحف بالجزيرة متضمناً سلوك التعشيش لديها ومسار هجرتها وكذلك الأخطار المحيطة بها.
كما يهدف المشروع بشكل أساسي لاقتراح خطة إدارية عامة تعتمد على التنمية المستدامة التي يمكن من خلالها المحافظة على تكامل المنظومة البحرية والساحلية للشواطئ بجزيرة مصيرة.
و يتضمن المشروع بالإضافة إلى الدراسة تدريب المراقبين والباحثين على استخدام أحدث الوسائل التقنية في عملية التتبع والمراقبة وتسجيلها.
وأكدت نتائج برنامج "حصر السلاحف" أن جزيرة مصيرة تعد من أهم مواقع تعشيش سلاحف الريماني على مستوى العالم، وقام فريق من العلماء المختصين والخبراء من مختلف الجنسيات بتثبيت 10 أجهزة على سلاحف الريماني وربطها بالأقمار الصناعية لتتبع مسارها أثناء فترة البيض وبعد الانتهاء من وضع البيض.
وحصل فريق العمل بالمشروع على معلومات مهمة عن تحركات هذه السلاحف؛ حيث اتضح أن بعضاً منها يتجه بعد انتهاء الموسم إلى داخل منطقة الخليج العربي والبعض إلى بحار الجمهورية اليمنية في مياه بحر العرب بينما يظل البعض منها في البحار العُمانية جنوب جزيرة مصيرة إلى محافظة ظفار العُمانية.
وتكمن أهمية المشروع في إمكانية مراقبة السلاحف البحرية وهو ما يشكل أهمية كبرى لدى المختصين بعمليات صون السلاحف وحفظ توازن البيئة البحرية.
وأمكن بفضل عملية المراقبة معرفة الأماكن التي تقضي فيها السلاحف معظم أوقاتها ومقارنة تلك المواقع بالمواقع البحرية التي يمكن للانسان استخدامها وتشمل مناطق صيد الأسماك وغيرها، وكذلك تقديم التوصيات المناسبة والهادفة للتقليل من عدد السلاحف التي تتعرض للإصابة والقتل أو التي تقع في شباك الصيادين، إلى جانب توضيح الأهمية الدولية لتجمعات السلاحف.