السعودية وعيدها الوطني كمناسبة لتذكر الوطنية الحقة

في كل عام وبمناسبة اليوم الوطني في المملكة العربية السعودية تعقد الندوات والمحاضرات وتنشر المقالات، البعض يطالب بالحديث والإشادة بالانجازات والمواقف وفي شتى المجالات الداخلية والخارجية، وآخرون يكتبون عن ضرورة غرس الوطنية في عقول ونفوس الصغار والكبار عن طريق المناهج الدراسية وحصص التربية الاجتماعية والوطنية، وهناك من يركز على الاحتفالات والمهرجانات، وكثير من التجار ورجال الأعمال يكتفون بإعلانات وتهاني مدفوعة عبر الصحف، كل ذلك من اجل تثبيت أو إثبات الوطنية.
والوطنية مشتقة من الوطن وهو المكان أو البلد الذي يقيم فيه الإنسان بشكل دائم ويرضى فيه عيشا أو سكنا، وفي المفهوم المعاصر الوطن هو الذي يحمل الإنسان هويته الرسمية ويقبل الانتماء إليه فيصبح مواطنا.
وهناك من يخلط بين التاريخ وما يعنيه من توثيق معلومات ورصد للأحداث وتسجيل للمواقف والأقوال ونقلها للأجيال المتعاقبة وبين الوطنية وما تعنيه من مشاعر وسلوكيات نابعة وناتجة عن اقتناع لدى الفرد والجماعة بمحددات الحقوق والواجبات المعتبرة والمنصوص عليها رسميا وبمدى صيانتها وحمايتها بوجود قانون واضح وفاعل تخضع له كل شرائح المجتمع بلا استثناء.
وللأسف إن هذا الخلط في المفاهيم وبالتالي في السلوك أشكل على كثير من الأكاديميين السعوديين المنادين بتدريس مادة الوطنية ضمن المناهج الدراسية كما تدرس مادة التاريخ.
وبعد كل ما سبق مناقشته نصل إلى السؤال المشكل التالي: هل يمكن تدريس الوطنية؟ وبمعنى آخر هل يمكن تلقين أو غرس الوطنية؟
اعتقد أن الوطنية أولا وقبل كل شيء هي استشعار بالأمان والاطمئنان للمقومات المحيطة وثقة بعدالة السائد السياسي والثقافي، إن الفقير الذي لا يجد قوت يومه أو مسكنا يليق بآدميته، والمريض الذي لا يجد الرعاية الطبية والدواء، والعاطل عن العمل والأرملة واليتيم الذين يُتركوا بلا معين ولا عائل، كل أولئك لا يمكننا مهما كانت الجهود المبذولة والشعارات المنشورة إقناعهم بمعنى الوطنية وبالتالي لن يشعروا بها ليس لأنهم لا يحبون أوطانهم أو أنهم متمردون أو اقل وفاء من غيرهم بل لان هناك ما يشغل حالهم وبالهم عن هذا المصطلح كما أن واقعهم يحول دون مصداقية وواقعية هذا العنوان.
إن المواطنة هي أصل الوطنية ونقصد بها المواطنة بمفهومها الشامل الذي يتجاوز الفوارق والموانع الطائفية والعرقية والطبقية، تلك الفوارق التي تحولت إلى أزمات وصراعات على السلطة والثروة في العالم الثالث خاصة منطقتنا العربية.
كل إنسان مواطن أي أن له وطن يحبه ويفتخر بهويته، أما الوطنية فهي مرحلة متقدمة وقضية تستدعي الشعور والواقع ، إنها الطمأنينة في الحاضر مهما كان المكان، إن الإنسان الفقير والمضطهد في موطنه الأصلي عندما يهاجر إلى أي بلد أوربي ويحصل على جنسيتة وهويته الجديدة وما يستتبعها من احترام وحقوق وحرية وحياة كريمة يشعر وقتها فقط بالوطنية الحقة وطنية الأمن والأمان الحقيقي وطنية الفرص المتساوية والتنمية العادلة وحقوق الإنسان.
وحتى تتحول الوطنية من مجرد شعار إلى واقع يحيط بالفرد وشعور داخلي، تستلزم توافر مقومات وعناوين إنسانية أساسية منها العدالة والمشاركة والحرية والكرامة كما أنها وبنفس القوة والجراءة تستلزم وقفة مع النفس وإعادة جادة لقراءة واقعنا بغرض الإصلاح الحقيقي والشامل، وبدونها تظل الوطنية مجرد شعار وأهازيج سرعان ما يزول تأثيرها بانتهاء الاحتفال.

إبراهيم الهطلاني Hemah99@hotmail.com