السعودية وإعادة التوازن إلى المشهد الإقليمي

استبقت السعودية لجة كامب ديفيد الخليجية التي تحاول انتزاع موافقة خليجية على إتمام الموافقة المتعلقة بالبرنامج النووي، والذي يعقبه تطبيع علاقات مع إيران، وهي قراءة خليجية لتصريحات أوباما عندما قلل من خطر إيران، واعتبر أن الخطر الداهم لدول الخليج يأتي من الداخل، لذلك.

أربعة قادة خليجيين يغيبون عن حضور تلك القمة، رغم إعلان الولايات المتحدة عن قمة يعقدها أوباما مع الملك سلمان قبل موعد انعقاد القمة بيوم، قد يكون لضمان حضور الملك سلمان، لكن السعودية أعلنت عن رئاسة الوفد ولي العهد الأمير محمد بن نايف لتمثيل السعودية في هذه القمة.

ترى السعودية أن إيران تحولت إلى قوة إقليمية مسلحة بمليشيات ما فوق الدولة، تهدد المنطقة، تارة لحماية الأقليات، وتارة تبيع الوهم تحت محور المقاومة والممانعة، متسلحة بشعار المذهبية الدينية، لاستعادة إمبراطوريتها الفارسية.

بينما ترى الولايات المتحدة أن الاتفاق النووي مع إيران، سيساعد على توفير حلول أسرع للنزاعات الدائرة في اليمن وسوريا والعراق، وفي القضاء على خطر داعش، الذي تعتبره أخطر من التمدد الإيراني، وهو أولوية لديها، بينما السعودية رغم اشتراكها في التحالف على داعش إلا أنها ترى الأولوية في مواجهة التهديد الاستراتيجي الحقيقي في التمدد الإيراني عبر وكلائها المليشياوية الطائفية.

لذلك ترى السعودية إن لم يتم الاتفاق مع إيران حول النووي بشروط صارمة، قد يؤدي إلى توغل إيران في المنطقة، ورغم أن إيران وروسيا تسعيان لإحراج دول التحالف تحت ذريعة الأعمال الإغاثية باليمن، لكن هناك أيضا ضغط من قبل الولايات المتحدة على السعودية تستخدمه كغطاء حتى لا تتحقق أهداف عاصفة الحزم في اليمن، التي ترى أنها تستثير إيران وتعطل تحقيق توقيع الاتفاقية النووية مع إيران، وهو هدف خليجي خفي يتوافق مع أهداف الكونغرس الذي يسيطر عليه الجمهوريين.

تخلصت السعودية في عهد الملك سلمان من الحذر، واقتربت أكثر من تركيا، في إعادة إنتاج بعض التوازنات بالمشهد الإقليمي، نتيجة تفاهمات سعودية تركية توصلت إلى تخفيف العبء على الإخوان المسلمين في المنطقة، حتى أصبح هناك استرخاء نسبي على أقل تقدير دون استثارة دولة مصر أو دولة الإمارات، التي غيرت بعض المعطيات في الواقع الإقليمي، تحديدا في المسارين السوري والعراقي، التي بدأت تلك التفاهمات تنمو وتتقدم، وأزعجت تلك التفاهمات إيران التي لا تريد الولايات المتحدة استثارتها.

أصبحت أولويات السعودية في عهد الملك سلمان، مواجهة التهديد الاستراتيجي الإيراني الحقيقي، ولم تعد ترى السعودية أن محاصرة الإخوان لديها أولوية، كما كانت في مرحلة سابقة، قد تكون المرحلة تتطلبها من أجل استعادة الأمن والاستقرار في مصر.

نتيجة تلك التفاهمات طالب أردوغان بعاصفة حزم ثانية في سوريا، رغم أنه لم يشارك في عاصفة الحزم في اليمن، اكتفت تركيا بالمشاركة لوجستيا، وهو ما يفسر تشجيع السعودية الائتلاف الوطني السوري إلى مقاطعة مشاورات جنيف والقاهرة 2، وهو الملف الذي تختلف فيه مصر مع روسيا ضد تركيا والسعودية في بقاء بشار الأسد.

لذلك تتجه السعودية إلى توسيع الائتلاف الوطني السوري في مؤتمر في الرياض، ليشمل كافة الفصائل السورية الفعلية، ويضم أكثر من 350 شخصية، استعدادا لمرحلة ما بعد الأسد، حتى لا تتحول سوريا إلى ليبيا الثانية.

ترى دول الخليج أن سياسة الولايات المتحدة غير واضحة، وغير مفهومة، وتتسم بالغموض، وهي تريد اتفاقية أمنية على غرار الاتفاقية الأمنية مع اليابان، ولكن الولايات المتحدة تدعي أن هناك 135 ألف جندي أميركي في المنطقة، مهمتهم تعزيز أمن ودفاع دول الخليج من أي أخطار تحدق بها.

ولا ترى دول الخليج أن باريوت بي ايه سي ـ 3 واف 22 كافية، وهم يطالبون باف 35 مثل ما تمتلك إسرائيل، ونظام درع صاروخي يقابل القبة الحديدية في إسرائيل.

لم يعد قادة دول الخليج يأخذون كلمات أوباما على محمل الجد، خصوصا بعدما صارت الولايات المتحدة حليفا لا يمكن الوثوق به، مع تعثر الضمانات الأميركية، وإفراغها من مضمونها، بعدما فضلت البقاء على خط التماس، ما يجعلها تتجنب أي مفاهمات أمنية أميركية خليجية جديدة في قمة كامب ديفيد.

لم يتبق لدى دول الخليج، سوى اللجوء إلى إعادة إنتاج توازنات إقليمية جديدة، من أجل مواجهة التهديد الإستراتيجي الحقيقي في المنطقة، التي تقوده إيران عبر وكلائها.