السعودية.. مهمة الداخل أخطر من مهمة الخارج

تخطئ المملكة العربية السعودية التقدير والظن في حال عدم تأكدها من أن قوى جماعات وتنظيمات الإسلام السياسي تلعب ضدها داخليا وخارجيا. داخليا باعتبار هذه الجماعات والتنظيمات ذات الوجود الراسخ والعلاقات العميقة الواسعة في المملكة لا تزال على خطابها الذي لم يمسسه التجديد والتطوير، وهو خطاب لا يؤمن بالوطن ولا يعترف بالوطنية بمفهومها الحديث، ولا يرى ضررا إذا تم تقسيم المملكة والمنطقة العربية كلها إلى إمارات إسلامية سنية وشيعية، تحكمها قيادات تنتمي إليه أو تستند إلى قواعده الشرعية، ومن هنا تأتي مباركة هذه الجماعات والتنظيمات وتحالفها للمشروع الأميركي، فما عداؤها مع أميركا والغرب إلا نزاع تجاري على توزيع مناطق السلطة ومنافذ المال، لكنهما في المبدأ والمنتهى حليفان استراتيجيان.

لننظر إلى محاولات إقامة إمارات مستقلة في لبنان وسوريا ومصر والعراق وليبيا. فالضاحية الجنوبية في لبنان تقريبا إمارة شيعية يحكمها حسن نصرالله ـ حزب الله. والمناطق السورية المحررة تخضع لحكم قوات داعش التابعة لتنظيم القاعدة السلفي التكفيري، فيما تطلق عليه "الدولة الإسلاميّة في العراق والشام". وكاد مقاتلو جماعات الإخوان والجهاد والجماعة الإسلامية وتنظيم القاعدة أن يحكموا منطقتي كرداسة بالجيزة ودلجا بالمنيا، ومن قبل ذلك في سيناء لكنهم فشلوا، لكن الحكم وقع وكانت له مظاهره.

لذا لابد أن لا يقتصر عمل المملكة على المواجهة السياسية مع الخارج بل ينبغي أيضا أن تعمل في الداخل. فتأمين الداخل أولى وأخطر وأعقد من تأمين الخارج، حيث لا يؤمن جانب إنتماء وولاء الكثيرين من دعاة وشيوخ وعلماء وفقهاء السلفية على اختلاف مسمياتها وما يحتضنونه من أفكار تقوم عليها صلات وثيقة مع جماعات وحركات وتنظيمات تعمل الآن على قدم وساق في مختلف الدول العربية والإسلامية، وقد تأكد للجميع عبر نماذج علماء وشيوخ ودعاة لا تخلو منهم أي دولة أن إغراءات السلطة والمال يمكن أن تجعل الواحد منهم يبيع وطنه وأهله، والشيخ يوسف القرضاوي خير دليل.

لا نريد أن نتعرض لما هو معروف وذائع داخل المملكة، فقط نريد أن نؤكد أن معركة الداخل السعودي أشد شراسة من معركة الخارج، مع ملاحظة أن كلتا المعركتين تتوافقان في العديد من الأهداف والمخططات الرامية إلى نشر الفوضى والخراب في الأمتين العربية والإسلامية.

المعركة الداخلية الأساسية برأيي ليست مجرد تتبع حركة الأفكار والشخوص فقط، ولكن مع حركة الأموال بين الداخل والخارج، وهي الحركة التي لم تتوقف على مدار ما يزيد على نصف قرن، فلا أحد يستطيع إنكار أن جل رأس المال الذي تتحرك به جماعات وتنظيمات الإسلام السياسي في مختلف الدول العربية تأسس على أموال خارجة من المملكة سواء في صيغة أموال زكاة أو مساعدات أو هبات ومنح ودعم، لذا فإن المعركة الأساسية ليست مع الغرب الأميركي بقدر ما هي مع الداخل، مع منابع التمويل حيث ينبغي تتبعها وتجفيفها، فهي تتحرك داخل أنفاق سرية في هيئة بنوك ومراكز إسلامية وشركات عابرة القارات.

لا تظنن المملكة أنها وحدها التي تملك مفاتيح اللعب وأسرار وسياسات حركة هذه الجماعات والتنظيمات، ومن ثم هي في مأمن من غدرها وخيانتها وعمالتها، لقد خرجت هذه الجماعات والتنظيمات عن الوصاية والاحتضان وطورت نفسها لتصبح لاعبا قويا إقليميا ودوليا سواء من خلال شراكة رأسمالية أو شراكة أهداف ومصالح أو شراكة معلوماتية واستخباراتية.

لقد أتاح استخدام تلك الجماعات والتنظيمات والتحالف معها من قبل الكثير من الأنظمة العربية منذ الخمسينيات وحتى مطلع الألفية الثالثة، أتاح لها أن تتسلل إلى مراكز صنع القرار داخل هذه الأنظمة وأن تبرز كحليف استراتيجي دخلت من خلاله إلى مراكز صنع القرار الغربي والأميركي وأن تصنع شبكة مصالح اقتصادية واستخباراتية وعسكرية معقدة تم استخدامها في الحرب الباردة، فحاربت بالوكالة في العديد من الدول.

كل ذلك جعل من تلك الجماعات والتنظيمات خنجرا في القلب من الأمة العربية والإسلامية، ومن هنا تأتي حتمية عمل المملكة لتطهير الداخل، فعندما يتم ذلك، سيكون لمواقفها السياسية تحديدا تأثيرا وصدى مختلفين في مراكز صنع القرار الغربي والأميركي والعربي والإسلامي. نعم أحرز اعتذارها عن مقعد مجلس الأمن وتوتر علاقاتها مع أميركا تأثيرا واسعا، لكن هذا الاعتذار وهذا التوتر الذي يعبر عن موقف سعودي مما ترتكبه الإدارة الأميركية الحالية من أخطاء كان يمكن أن يتسبب في زلزلة هذه الإدارة لو أن الداخل آمنا من تلك الجماعات والتنظيمات التي يمكن لأميركا استخدامها كطابور خامس على الأقل يخلخل أي قرار وطني أو إرادة وطنية.

لقد حان وقت التكاشف والشفافية والاعتراف بأن أخطاء استراتيجية ـ كالتمويل والتدريب والتسليح ـ وقعت خلال الفترات السابقة ليس من جانب المملكة وحدها ولكن من جانب مجمل دول المنطقة، وذلك من أجل حصار حقيقي فعال لقوة هذه الجماعات والتنظيمات وما تحمله من مخاطر كبرى لكل دول المنطقة، ووضع استراتيجية مستقبلية لذلك خاصة أن المنطقة ستواجه قريبا قوات هذه الجماعات والتنظيمات العاملة الآن في مصر وسوريا، وستواجه أيضا صعودها في ليبيا التي من المتوقع أن تكون الدولة التالية لها بعد سوريا، وتواجه ما يمكن أن يجري في تونس وامتداداته على المغرب والجزائر، وتتحسب لحماس وإسرائيل.

ينبغي أن تكون هناك بدائل أخرى لصد النفوذ الإيراني وأخطاره، بعد أن أثبت التحالف مع جماعات وتنظيمات الإسلام السياسي فشله، لقد تم علفها وتسمينها حتى أصبحت الآن مؤهلة لإلتهام كل المنطقة، وها هي تبدأ وكل هذه المصائب والكوارث التي تجتاح العالمين العربي والإسلامي جراء ذلك.

حتما لدى سياسيينا بدائل وأوراق ضغط ومصالح للتعامل مع إيران يمكن من خلالها وقف تدخلاتها في الشئون الداخلية لدول الخليج أو العراق والشام. ولدى علماء الدين المستنيرين ما يمكنهم من إحداث تقارب بين أهل السنة والشيعة، وأعتقد أن كلا الفريقين الساسة وعلماء الدين يملكان تلك البدائل.