السعودية: معلمون يعطون درسا في كسر حاجز الخوف

بقلم: حبيب طرابلسي
أمام اختبار القياس.. ولكن الرواتب بأثر رجعي

أعطى أكثر من 400 خريج من كليات المعلمين، من العاطلين عن العمل، درسا في كيفية كسر حاجز الخوف، باحتشادهم أمام مبنى وزارة التربية والتعليم في الرياض لأكثر من 72 ساعة، متحدين رجال الأمن، تحت أشعة الشمس الحارقة تجاوزت حاجز الـ 50 درجة وبامتناعهم عن الأكل والشرب حتى انتزاع حقهم في العمل في بلد يعتبر فيها الاعتصام و التظاهر والاحتجاج و أي نوع من الضغط على الحكومة من المحرمات.
وفي بداية الاعتصام، صبيحة الأحد 11 يوليو، شدد المتحدث باسم الخريجين، مغرم الغامدي، على أنهم لن يتزحزحوا من مواقعهم وسوف يبقون أمام المبنى حتى انتهاء معاناتهم وصدور قرارات تعيينهم.
وبعد ثلاثة أيام من التجمهر، وهم متخذين من الأرصفة مكاناً لنومهم ومن الأشجار ظلالاً لهم، جاء أمر وزير التربية والتعليم، الأمير فيصل بن عبدالله، بحل عاجل لمعاناتهم ووعد بتعيينهم حال انتهاءهم من دورات تأهيلية لرفع كفاءتهم في التدريس، وإجراء اختبار استثنائي ومن ثم تعيينهم رسميا، مع إقرار أثر رجعي مالي لهم. الحقوق تنتزع ولا توهب ورغم أن وكيل وزارة التربية والتعليم للشؤون المدرسية، الدكتور سعد آل فهيد، شدد على أن الوزارة لم تتنازل عن شرط اجتياز اختبار "القياس" ورغم أن عميد كلية المعلمين بجامعة الملك سعود بالرياض، الدكتور علي بن عبدالله العفنان، وصف تجمعات الخريجين أمام مبنى الوزارة وإضرابهم عن الأكل والشرب بـ"الأسلوب غير الحضاري"، إلا أن عددا كبيرا من القراء أثنوا على المعتصمين الذين "أعطوا درسا لجميع أطياف الشعب في كيفية تحقيق المطالب و أثبتوا أن الحقوق تنتزع ولا توهب"، كما كتب أحدهم.
وبينما أكدت صحيفة "عكاظ" يوم الأربعاء 14 يوليو أن "وزارة التربية والتعليم نجحت في امتصاص غضب الخريجين بهذه التهدئة"، اعتبر أحد القراء أن "الوزارة خضعت لمطالبهم" وانتقد آخر "ادعاء" الدكتور العفنان بأن "التجمعات غير حضارية"، معللا قوله بأن الاعتصامات توجد في كل الدول حتى المتقدمة. فما بالك بدولة لا يوجد بها نقابة معلمين؟
وخلص ثالث إلى القول بأن "الاعتصام هو الحل الوحيد لتحقيق المطالب والقضاء على الفساد. فالوضع قد تغير وزمن الصمت والكبت ولى حاجز الخوف انكسر". حركة "الإصلاح"، المحرك الرئيسي وأجمع عدد كبير من القراء على أن المعارض السعودي، الدكتور سعد الفقيه، زعيم "الحركة الإسلامية للإصلاح"، التي تتخذ من لندن مقراً لها، كان له الدور الأساسي في تطوير العمل السياسي الشعبي وفي كسر جدار الخوف من التظاهر السلمي.
ومنذ حوالي 15 سنة، لم يتوقف الفقيه في الدعوة إلى إسقاط النظام. و يحث أنصاره عبر "قناة الإصلاح" الفضائية على تنظيم تجمعات في المساجد لأداء صلاة الجمعة وللمساهمة في تحريك الشارع و"كسر الحاجز".
ومن خلال الدعوة للتوجه للمساجد تقصد الحركة توفير فرصة التجمع دون التعرض لخطر أمني وكذلك تسهيل المشاركة على كل من يرغب في التعبير عن موقفه دون الحاجة للتنسيق مع أي أحد. ونظرا، كما ورد على موقعها، "لنجاحات التجمعات في صلاة الجمعة"، قررت الحركة إضافة نشاط آخر، بالتوجه لمساجد محددة لأداء صلاة العشاء مساء الثلاثاء من كل أسبوع، ابتداء من 13 يوليو.
وليلة الخميس، أستغل الفقيه ما وصفه بـ "انتصار" الخريجين لحث العاطلين عن العمل على الإعتصامات السلمية أمام وزارة العمل. ثقافة الاحتجاج تدب في خلايا الجسد الجماهيري ولا يعد هذا الاعتصام السلمي سابقة في المملكة التي شهدت في السنوات الأخيرة عددا من التظاهرات، من أبرزها تجمهر مجموعة من الشباب العاطل عن العمل في مارس 2009 أمام قصر الملك عبدالله بالرياض، مطالبين باستحداث وظائف لخريجي كليات المعلمين. وفي أغسطس 2008، تجمهر أكثر من 700 طالب من خريجي كلية المعلمين أمام وزارة التربية والتعليم، للمرة الثانية خلال أسبوعين.
وتعددت مثل هذه الاحتجاجات الميدانية في الماضي القريب. ففي يونيو الماضي، تراجعت إدارة الشؤون الصحية بمحافظة جدة عن تسريح 163 موظفا بعد أن تجمهروا أمام مستشفى الملك عبدالعزيز ‏احتجاجا على تسريحهم من وظائفهم.
وفي بداية يوليو، اقتحمت مجموعة من المعلمات الغاضبات مبنى وزارة التربية المخصص للرجال لاستعادة حقوقهن، المتمثلة في التباين بين ‏رواتبهن ورواتب المعلمين. فأستقبلهن مستشار في الوزارة وأكد ‏لهن اهتمام الوزارة بوضعهن، لكن طالبهن بإحضار محرم ليتابع شؤونهن باعتبار أن المبنى للرجال. لكنهن أصررن على مقابلة النائب ‏لأنهن لجأن لنائبة الوزير لشؤون البنات، نورة الفايز، دون نتيجة وأكدن أنهن سيطرقن باب الملك عبدالله.
وبرزت في الأشهر الأخيرة أشكال جديدة من الاحتجاج السلمي تمثلت خاصة في العديد من المذكرات، والبيانات والعرائض، من أبرزها الخطابات الموجهة من مناضلي حقوق الإنسان ومحامين وأساتذة جامعيين إلى الملك عبد الله، للمطالبة بإصلاحات سياسية جذرية في المملكة.
وكانت آخر مذكرة قد أرسلت يوم 4 يوليو الجاري من "جمعية الحقوق المدنية والسياسية" تناشد العاهل السعودي إصلاح القضاء، باعتبار أن "القضاء غير المستقل أحد أركان الظلم التي أنتجت العنف".
كما وجدت فئات عديدة من المجتمع متنفسا على شبكة الإنترنت لطرح الكثير من الموضوعات الهامّة للنقاش، حيث يفصح المتحاورون عن آراءهم و همومهم على المواقع الحوارية بهامش من الحرية أكبر مما تعبر عنه الصحافة المحلية.
وهذا ما لجأ إليه أخيرا أطباء سعوديون يعملون تحت نظام الخدمة المدنية، للمطالبة بالمساواة مع أقرانهم ممن يعملون وفق نظام ‏التشغيل الذاتي أو الأطباء الأجانب، عبر الموقع الإلكتروني "إلى متى؟". طرق فردية لإيصال الصوت وبلغ الانكسار بالبعض حد اللجوء إلى وسائل تنم عن شعور باليأس. فعبروا عن اعتراضهم واحتجاجهم ... بالانتحار أو التهديد به، للفت الانتباه.
وفي نوع نادر من الاحتجاج الإلكتروني، قام عاطل عن العمل باختراق موقع وزارة العمل للتعبير عن "ملله" من البطالة.
ومن أغرب وسائل الاحتجاج، لجوء سعودي بمنطقة عسير إلى اعتلاء أعمدة الضغط العالي حافي القدمين والسير على الأسلاك الكهربائية للتعبير على معاناة سكان القرية من انقطاعات التيار المتكررة.
وللتخلص من البيروقراطية، لجأ مواطن آخر إلى كتابة رسالة لرئيس بلدية تبوك، ليس بمخاطبة ورقية كالمعتاد، وإنما بالكتابة على جدار منزله من الخارج، قائلا أنه "تعب من المماطلة ولن يراجع البلدية لأنه لا توجد لديه واسطة كالأقوياء".

www.saudiwave.com