السعودية... فجيعة الإخوان وهذيان البيان

المحاولة الأولى لتأسيس الفرع

لأحداثِ مصر تداعيات تحسب أهميتها في عمر الزمن بالثانية، تتداخل فيها تطورات الشأن الداخلي بالتدخلات الخارجية، ورغم وضوح الرؤية المنظورة للخطوات الواثقة لرئيس الحكومة الانتقالية لتشكيل الحكومة المؤقتة من خلال اختيار رجالات الخبرة والكفاءة والسياسة الموثوق بتاريخهم وأماناتهم على المستوى الشعبي والحكومي، إلا أن اعتراضات الأحزاب الدينية التي تتفق ونظرتها الكلاّنية مع الإخوان يحاولون إثارة معركتهم المندسة لكسب مزيد من الوقت الذي يقاس ثمن دقائقه بالعقود الزمنية إن لم يتعدها، هؤلاء الواقفون على خط التوتير السياسي هم أكثر المنفذين لأجندات خارجية باتت تنوح بصمت على خسارة المؤتمن على خراب مصر؛ المعزول مرسي، هذه الفئة" مثل حزب النور السلفي نراه يهرول باعتراضاته على تشكيل الحكومة مراهناً على عدم التوافق.

ما دعا رئيس الوزراء المصري إلى التصريح بأن الحكومة الانتقالية ستكون "حكومة توافق حزبي بعد تعذر تشكيل حكومة تكنوقراط كاملة" أحزاب إسلام سياسية تستفيد بشراء ثمن المواقف، وبلدان مصدومة بوقوع مرسي"تركيا، وتونس، والسودان" وأمريكا بالطبع، وبعض فلول جماعة الإخوان المتفرقة في بعض دول الخليج وغيره والمفجوعة بسقوط حكم الجماعة وأملها المسكون بوهم العالمية" الحاكمية" والتي يخطط لأجلها التنظيم العالمي للإخوان في دهاليزه السرية عملياته الإجرامية العنيفة والوحشية.

في هذا الموقف الحساس تنادي الرئاسة المصرية لحوار مصالحة وطنية وديمقراطية عملية تنضم لها كل الأحزاب الوطنية المصرية، لكن أصحاب الأجندات التنظيمية السرية والعنف لا يستطيعون الدخول في عمليات تصالحية توافقية، لأن الأهداف الوطنية أبعد ما تكون عن انتمائهم الحزبي ونفوذ أطماعهم العالمي.. ومقابل هذه الدعوة الوطنية يصر الإخوان على العنف، فبعد محاولتهم اقتحام دار الحرس الجمهوري والتي فشلت فشلا ذريعا، لجأوا لإرهاب الشارع، إرهاب المواطن المصري، انكشف الاخوان عند الناس فبدأوا يلفظون أنفاس وجودهم بمزيد عنف في الشارع المصري، مصرين على قطع الطرق والإخلال بحركة المرور والهجوم على السيارات التي يتجه أصحابها للفطور أو السحور بكل همجية، فهم في سعيهم لقيام دولة استبداد سياسي لا يهمهم من قتل أو جرح، فإما أن نحكم، أو نقتل ونروّع ونخرب.

ورغم أن الشعب قال كلمته وقرر مصيره بإرادته، ورغم دراية المفجوعين لسقوط مرسي وجماعته بأن عقارب الساعة لن تعود إلى الوراء إلا أن الولاء الحزبي وتكتله في ميدان رابعة العدوية يكشف عن تسلط بمزيد تحريض على العنف والإجرام والوحشية المستبدة.

وكما الفجيعة في مصر مدوية وعنيفة، فالفجيعة خارجها مربكة ومتهورة ومحرضة، بعض الإخوان سارع لتدبيج بيان عنون ب" بيان مثقفين سعوديين لمؤازرة الشعب المصري" كلمة مثقف في أدبيات تلك الجماعة إن لم تضف عليها وصف إسلامي فتكاد تذهب إلى درجة الضلال والانحراف والتبديع والتجريم بل وربما التكفير. إلا أن ظروف الخطاب الخارجي له تبريره وتسويغه البراجماتي ويستعمل في حينه.

بيان نحا للتسويق الدعائي فانكب على الإسلام ونصوصه يتسولها، ولعب على وتر المسؤولية التعاضدية للمسلمين ليستبيح التدخل في خيارات شعوب أخرى تحت مظلة الحاكمية التي لاتعترف إلا بسيادة الأطماع والتنكر لمقامات الدولة الحديثة وكياناتها المستقلة بحدود وأوطان ومواطنين.

وكأن الشعب المصري قد كاتبهم للحصول على ولائهم العظيم! في البيان كثير من الغش المعلوماتي كتوصيف ثورة شعب مصر بالانقلاب العسكري، وادعاء سلمية المتظاهرين الإخوان، ونراه يكرر عبارات تحريضية ضد المتظاهرين بتسميتهم ب"المغتصبين لسلطة الشعب، والانقلابيين، فمن المغتصب للسلطة والمستأثر بها إذا كان أكثر من 33 مليون مصري خرجوا مطالبين بعزل مرسي؟!

يؤكد البيان بتدليس واضح حكاية الشرعية المغتصبة؛ يقصدون شرعية مرسي وحزب الإخوان، ويؤلبون بالتنادي بتمزيق الوحدة الوطنية والتدخل بتقرير حق الشعب، وبمقارنة خبيثة الأهداف والتجليات يصفون الموقف في مصر بموقف موسى عليه السلام في تثبيت أهل مصر في مواجهة فرعون، وهم بذلك يبثون السموم بين أبناء الوطن الواحد، ناسبين تسمية فرعون والعدو لكل من رفض الإخوان.

إضافة للقفز على شرعية الشعب المصري، البيان يصور بمختصره الصريح أبرز معالم الدجل والتعتيم الذي يمارسه المتشددون لأجل خاطر السياسة وبلوغ السلطة، فيسعى للخلط والتخليط في الاستدلالات الشرعية والتلاعب بالسياقات النصوصية ورهنها لسوق المطامع وإخضاعها للأهداف السياسية السلطوية.

دائرة المتشددين تكاد تجمع على أسلوب التركيع النصوصي لبلوغ الأهداف، فأحد المتعالمين في تسجيل له على اليوتيوب لأحد قنوات التشدد والتنطع والرجعية يتحدث وكأن مصر دولة كافرة لم تؤمن إلا بعد مجيء مرسي، وأن عزله يعني سقوط الإسلام في مصر، وبعد أن هيأ أرضية التسلق العقائدي فاحتكر الإسلام في مرسي، وصف من يحكم مصر اليوم بأنه يمثل "أعدى عدو للإسلام ويهدم أسواره من داخله، وهؤلاء هم المنافقون الذين حذرنا الله منهم أشد تحذير، يحسبون كل صيحة عليهم، هم العدو فاحذرهم، فهم العدو الأخطر والأشد عداوة للإسلام، هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون، ونحن نقول قاتلهم الله أنى يؤفكون، ونسأل الله أن يرد كيدهم في نحورهم وأن يذلهم ويخذلهم"، إنه يدعو على من اختارهم الشعب المصري ويتهمهم بالنفاق والعداوة للإسلام والمسلمين.

منذ ترأس مرسي والطائفية والحزبية، وحكاية فسطاطين يقسم الناس لفريق في الجنة وآخر في السعير هي اللغة الحاكمة، وهو ما يتجلى في هذا الذي سمى نفسه عالماً، فإلى أي إسلام حزبي يدعون؟!

ورغم أن الديمقراطية نتاج فكر غربي، والمناداة بها يمثل للمتشددين كفراً لكنها ذرائعيا تسمو لدرجة الإيمان كما صورها ذلك المتعالم!

وتنضح الذرائعية بجلاء في التدارك على أخطاء مرسي والتي يقول إنه أنكرها وقال عنها إنها لاتجوز ولكنها تدخل ضمن ما سماه أخطاء، وعفا الله عما سلف، يستخف هذا الواعظ بأخطاء مرسي ويختصرها في :"لما سمح مرسي بسفينتين إيرانيتين أن تعبرا محملتين بالأسلحة إلى سورية، كما وسمح لبعض السفن الروسية" لكن الذي يغفر لمرسي المساهمة في قتل السوريين من وجهة نظره هو:"لكن الرجل لما قام في ذلك الاجتماع المدوي العظيم المذهل مؤتمر الأمة المصرية لدعم الثورة السورية، تكلم بكلام يهز القلوب والوجدان، وذلك الخطاب المدوي المزلزل للنظام السوري وأعوانه المجرمين هو الذي جعل هؤلاء يتنادون للإطاحة به ..إذاً هو حرب بين إسلام وكفر، الرجل لما كانوا يتوقعون منه أن يداهن وأن يسير في ركاب إسرائيل وأمريكا وأعداء الأمة ربما كانوا يغضون الطرف ويساومونه على دينه وعلى مصلحة وطنه وبلاده"،

والسؤال ألا يشعر هذا الواعظ بازدواجية خطابه وهو يرى مرسي مرة يسمح بالسفن المحملة بالأسلحة لقتل أهالي سورية، وأخرى ينادي بالجهاد للدفاع عن سورية بخطاب مزلزل؟! ألا يستحي بهذا الخطاب المدلس المفضوح في تناقضاته القاتلة والمدافعة لذات الشعب وعليه ؟! أم صدّق هذره بتسمية المشاركة بجريمة قتل شعب أعزل مجرد خطأ سياسي في حقبة الرئيس مرسي المشؤومة!؟

يوالي هذا الواعظ هذره السياسي الأرعن بالتدخل السافر في تنظيم داخلي مصري بمنع قنوات تدعو للطائفية، وكف رموز الحزبية عن الخطابة، ويخون الشعب المصري بادعاء شراء ذمته بالمال ليتظاهر ضد مرسي!

ثم يردد الأكاذيب عن د. البرادعي التي لا يملون تكرارها بعد أن صدقوا اختراعها رغم توثيق اليوتيوب لمواقفه المشرفة عن العراق أمام الكونجرس، لكن المصيبة عنده أن البرادعي رجل يهمه تكريس الوطنية، يقول "دعك من علاقاته بإسرائيل وتصريحاته، إنه يستنكر على مرسي كيف تقول عن الشيعة إنهم أنجاس وهم يشكلون 150 مليوناً من المسلمين" هذه أصابت هذا المفجوع على مصير مرسي في مقتل، إنها التنابذ الطائفي السم الذي منه يغذون الانتماءات الإجرامية والعنف الدموي.

لذلك فالرموز المصرية الوطنية كالسيسي والبرادعي يراها هذا المتشدد "أعداء في ثياب مسلمين يراد فرضهم على هذا البلد ليس لتدمير مصر لوحدها بل لتدمير العالم الإسلامي، أقول لإخوتي في مصر الذين اغتروا بالشعارات التي يطلقها هؤلاء الأعداء والعملاء أقول لهم أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير"؟!!

لذلك يرى المطالبة بإعادة مرسي أمرا واجبا، ولو بالعنف والقتل باستخدام حديث "إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهم" وليس هنا مجال بحث الادعاء والخلط والتناقض.

ختاماً: ليس أدعى شرفاً من الوعي بمفهوم الشرعية باستدعاء أساسها وأصلها وهو "الشعب" في خطاب الفريق السيسي: "الشرعية في يد الشعب يملك وحده أن يعطيها، ويملك أن يراجع من أعطاها له، ويملك أن يسحبها منه، إذا تجلت إرادته بحيث لا تقبل شبهة ولا شكًا"

الشرعية أساسها الشعب، والصناديق أداة تعبر عن إرادة الشعب، فالشعب هو الأصل.. هو الشرعية.

حصة بنت محمد آل الشيخ

نشر في الرياض السعودية