السعودية: عصر التغييرات الكبرى

أذن، هذا أوان السعودية، وهذا موعدها مع الحتمية التاريخية في الانتقال من مركب الهدوء الذي أبحرت فيه، وتجنبت بكثير من التنازلات والتضحيات، ولربما الحكمة الاصطدام بالأمواج، ما خلا فترة المواجهة العاصفة مع مصر الناصرية في الستينات، والاضطرار لمواجهة غرور صدام ومطامعه في تسعينات القرن الماضي. ثم عادت لتبحر في ذات البحر. مكتفيةً بدورها المعروف، سياسة النأي الظاهري عن صراعات المنطقة وتقلباتها، ولم تبادر للدخول في أي أتون، حتى مع ما يفرض عليها، أو ما يعرضها للخطر، مكتفيةً بالرد بالإنابة، أي شراء الردود بأموال النفط الوفيرة عبر وكلائها المحليين او الدوليين.

ويبدو أن مرحلة ورثة العرش "الحكماء" قد انتهت إلى غير رجعة، وأن توجهًا أخر يقود المملكة إلى أن تكون دولة بأجنحة خارجية واضحة، معلنًا مغادرة مرحلة الانكفاء على الذات.

فبعد سلسلة من أبناء الملك عبدالعزيز ال سعود، الذين حكموا بالتناوب، وصلت المملكة إلى خط التغيير المطلوب والذي سيجنبها الوقوع في فخ التنازع المستمر، والمخاوف المقلقة لشكلها وشكل السلطة السياسية فيها، أو ما يمكن تسميته بلحظة المواجهة مع الذات بالنسبة للأسرة الحاكمة.

فخلال العقد الأخير لم يستقر العرش السعودي ابدًا، أولاد الملك عبدالعزيز الذي تولوا العرش بعد وفاة الملك فهد 2005، لم يكونوا بعمر يؤهلهم للمطاولة في قيادة المملكة، وحتى أولياء العهد، باتوا يتساقطون موتى الرجل تلو الأخر. مات الملك عبد الله بن عبدالعزيز، ووصل الأمر الى سلمان عبدالعزيز الذي أدرك هو ودوائر القرار السعودي أن نقل السلطة بالطريقة الكلاسيكية المعتادة من شأنه هذه المرة أن يحدث في المملكة ما لا يحمد عقباه. اذا ما أخذنا بالنظر التطورات المجاورة، والتهديدات التي باتت واضحة لمصير المملكة التي كانت تهرم بشكل واضح في وسط شاب محيط بها. فهل خشيت المملكة من دور "الرجل العجوز" في المنطقة، وصورة التداعي التأريخي لمثل هذه الدولة؟

يبدو أن وعيًا داخليًا في السعودية، مضافًا إليه نصائح أصدقاء المملكة وحلفائها، هو ما سرع في عملية نقل السلطة الى الجيل الثاني، جيل الأحفاد.

خلال عقود طويلة، كانت مراكز التحليل السياسي والدراسات المستقبلية ترسم مئات السيناريوهات لمصير عرش ال سعود، وكيفية الانتقال من جيل اولاد الملك المؤسس إلى الجيل الجديد، لاسيما وأن التنبؤ بمثل هذا الأمر كان يبدو عسيرًا للغاية، نظرًا لاتساع العائلة وامتداداتها، فضلًا عن الضبابية في شكل العلاقات والتوازنات الداخلية القائمة فيها. وكم المخاوف من عملية انتقال صاخبة، قد تؤدي الى تشققات جذرية في المملكة، ومن ثم تشظيتها بشكل يؤدي الى تقسيم الدولة النفطية الأغنى في المنطقة. هذا ايضًا كان يضع سلسلة الملوك في حيرة من أمرهم، وكانوا يتخلصون من الأمر باختيار أحدهم وليًا للعهد بحسب القرب الفكري أو التأييد السياسي، وهكذا دواليك، مع أن الملك عبدالله كان على خلاف مع شقيقه الملك فهد الا أن ذلك لم يمنع من توليه العرش لاحقًا. وهو ضمن سياسة التسويات بين اجنحة الحكم التي تتوارث العرش. الا أن الملك سلمان يبدو أنه شرع منذ توليه العرش بعملية نقل السلطة، وهو طريق محفوف بالمخاطر. لكن الرجل بدأ سلسلة خطواته الجريئة حين منح نجله الأمير محمد منصب ولي ولي العهد، بعد أن قلب التسويات السابقة رأسًا على عقب، وقرب الرجل الأمني الأمير محمد بن نايف والذي كان الجميع يتوقع ان يقلب الطاولة عن الجميع، لكن يبدو أن شأن الأمير محمد بن نايف انتهى يوم انتهى شأن عمه الأمير مقرن، وبقية الطامحين بالعرش.

انتهى الأمر بمحمد بن نايف معزولا هو ذاته، وليقترب محمد بن سلمان من العرش أكثر، وهنا كانت المهمة الأصعب، تتمثل في مواجهة كارتلات المال والاقتصاد داخل العائلة، وخارجها، فكانت موجة الاعتقالات الأخيرة الضربة قبل النهائية، للاطاحة بكل معارضة محتملة، أو تكتل قد "يفرمل" عملية الانتقال المدعومة غربيًا.

ان التغييرات الكبيرة التي تحدث في السعودية، تؤشر الى أن سعودية جديدة في طريقها للولادة، وأن ثمة توجهات مغايرة للسياسة السعودية قد تبدأ أو بدأت بالفعل مما يتطلب التعامل معها وفق منظور جديد، يفهم طبيعة القوى الناشئة في البيئة السعودية، ويفهم ان مرحلة التوازنات التي كان ابناء عبدالعزيز ال سعود يحافظون عليها، في طريقها للزوال ايضًا.

بمعنى ان القرار السعودي لم يعد ذلك الموزع للترضيات البينية، والحذر من الداخل مثل حذره الخارجي، بل ان السعودية الان، ومستقبلًا ستلعب بكل الأوراق، وستكون فاعلا شديد التأثير في وضع المنطقة، وهذا يتطلب من كل جيران المملكة فهم هذا المتغير والتعاطي معه، وفقًا لمفهوم المصالح الاستراتيجية، وتجنب التوترات معها. أن فهم طبيعة التغيرات في السعودية بشكل مبكر، قد يؤدي الى بناء مواقف متوازنة معها.