السعودية ... جدل بين السلفية والتَّنوير (1-2)

المعركة صعبة وطويلة

لم يُطرح مفهوم (التنوير) في السياق السعودي، بشكل إيجابي، إلا في نهاية عقد التسعينيات، من القرن الماضي، عبر مجموعة من الشباب المتحوّلين عن الخطاب الإسلامي على اختلاف تنويعاته وفروعه، ويمكن القول إن هذا المفهوم كان شائعاً في الحديث عن عصر التنوير الغربي الذي يؤرَّخ عادة بالقرن الثامن عشر الذي نشأت فيه حركة ثقافية تاريخية وُسِمت بالتنوير، وقامت بالدفاع عن العقلانية ومبادئها كوسائل لتأسيس النظام الشرعي للأخلاق والمعرفة، بديلاً عن الفلسفة الدينية التي كانت تطرحها الكنيسة.

كعادة الحركات الفكرية لا يمكن أن يشار بشكل واضح ودقيق إلى نقطة البداية، وهكذا الحال فيما يخص مسألة التأريخ لبداية عصر التنوير، إلا أن أغلب الباحثين يرون أن بداية عصر التنوير كانت من منتصف القرن السابع عشر والقرن الثامن عشر.

يطلق معارضو التنوير من السلفيين لقب "المعتزلة الجدد"، لإعطاء معركتهم صبغة عقائدية، ولعل الدكتور عبد الرحمن المحمود هو أبرز الشخصيات المحترمة لدى التيار السلفي ممن تصدى لقضية العصرانيين، يؤكد المحمود أن :"التحالف بين العصرانيين الجدد والليبراليين والعلمانيين والشيوعيين، وقال إنه تحالف موجه للإسلام والتيار الإسلامي، وقال: إن العلماني لا يعادي الليبرالي، ولا القومي يعادي الشيوعي الآن، بل كلهم تحالفوا ضد الإسلام وعلمائه ودعاته، وبعد أن كانت هذه التيارات والاتجاهات تعادي الإسلام كدين صراحة صاروا يتحدثون عن تفسير جديد للإسلام، لأنهم يريدون إسلاماً جديداً يتماشى مع العصر الحاضر، يتقبل الفتاوى الشاذة، التي يتلقفها الشباب وينحون مناحي الانحراف، فهؤلاء يريدون مجتمعات إسلامية".

ويضيف :"تطور المدرسة العصرانية من الكلامية إلى المزج بين الأصولية والفكر الاعتزالي والصوفي والرافضي، وصولاً للعصرانيين الجدد الذين وجدوا تقارباً بل تحالفاً مع المد العلماني والمدرسة الفلسفية الغربية، والغزل بين الاثنين وتبادل المدح والثناء على اطروحاتهم حتى ولو كانت تمس الثوابت والمقدسات.

ويذهب الدكتور سفر الحوالي، أحد أبرز رموز الإسلام السياسي في السعودية، إلى حد التلويح بكفر العصرانيين، وربطهم بحركات التحرر والعصرنة الأوروبية ، حيث يعرفه تيارهم بأنه: "الاتجاه المسمى العصرية MODERNISM، وهي زندقة عصرية لها عصابة من الكتّاب يتسترون بالتجديد، وفتح باب الاجتهاد لمن هب ودب وكتاباتهم صدىً لما يدور في الدوائر الغربية المترصدة للإسلام وحركته، وربما يكشف الزمن عن صلات أوضح بينهم وبينها- كلهم أو بعضهم -وأصول فكرهم ملفقة من مذاهب المعتزلة والروافض، وبعض آراء الخوارج مع الاعتماد على كتب المستشرقين والمفكرين الأوروبيين عامة، وهم في كثير من الجوانب امتداد للحركة "الإصلاحية" التي ظهرت في تركيا والهند ومصر على يد الأفغاني ومدحت باشا وضياء كول آلب وأحمد بهادر خان وأضرابهم.

وتتلخص أفكارهم في:

1 - تطويع الإسلام بكل وسائل التحريف والتأويل والسفسطة لكي يساير الحضارة الغربية فكراً وتطبيقاً.

2 - إنكار السنة إنكاراً كلياً أو شبه كلي.

3 - التقريب بين الأديان والمذاهب، بل بين الإسلام وشعارات الماسونية.

4 - تبديل العلوم المعيارية "أصول الفقه، وأصول التفسير، وأصول الحديث" تبديلاً تاماً، وفرّعوا على ذلك إنكار الإجماع والاعتماد على الاستصحاب الواسع والمصالح المرسلة الواسعة- كما يسمونها -في استنباط الأحكام واعتبار الحدود تعزيزات وقتية.

5 - الإصرار على أن الإسلام ليس فيه فقه سياسي محدد وإنما ترك ذلك لرأي الأمة، بل وسعوا هذا فأدخلوا فيه كل أحكام المعاملات ،فأخضعوها لتطور العصور، وجعلوا مصدرها الاستحسان والمصالح الواسعة.

6 - تتبع الآراء الشاذة والأقوال الضعيفة والرخص واتخاذها أصولياً كلية. وهم مع اتفاقهم على هذه الأصول في الجملة تختلف آراؤهم في التطبيقات، وبعضهم قد يحصر بحثه وهمه في بعضها، وهذا الاتجاه على أية حال لا ضابط له ولا منهج، وهدفه هدم القديم أكثر من بناء أي شيء جديد".

نقد الدكتور الحوالي، وإن طال ظاهرة العصرنة العربية، إلا أن تأصيله لهذه الحركة تم سحبه على كل الظاهرة العصرانية في السعودية باعتبار أنها استنساخ للتجربة العربية.

وينتقد خطاب التجريم لمفهوم التنوير كما يطرحه الحوالي رمزاً من رموز التنوير في هذه الآونة، كما كان من رموز الإسلام السياسي في السابق الدكتور محمد الأحمري، الذي يرى أن : "تعامل بعض الإسلاميين السطحي مع الأفكار والمصطلحات مثل العلمانية والتنوير والقومية والشيوعية، فمثل هذه الأفكار لم تولد اعتباطا ولم تُوجد ويقبلها الناس لأن فيها شراً مدمراً للعالم، بل رأوا فيها خيراً عاما أو خاصاً". مؤكداً أن: "الأفكار عندما تصاغ ويسهر عليها بناتها ويحسنونها ،ويدفعون الاعتراضات عنها، فإنهم يبنون فكرة لخير الناس أو لشرهم، لخير قوم ولضرر آخرين أو ربما لخير البشرية جمعاء، والأفكار الكبرى في العالم غالبا جاءت لتحل مشكلات وإشكالات ذهنية أو سلوكية، واقعية عند أصحاب الفكرة، وكثيرا ما يرى أصحابها الخير فيها أو في جوانب كثيرة منها...". ويضيف قائلاً :"المصطلحات التي تشيع عندنا من الأفكار، والملل والنحل في العالم، هي غالبا تختلف عما هي عليه في أصولها وتطبيقاتها فيه، فتعريف التنوير هنا يختلف عنه في غير بلداننا، وكذا كثير من المفاهيم الأخرى، مثل الليبرالية والقومية والعلمانية وغيرها، فهي تنقل لنا غالبا بطريقة جزئية، أي ينتزع الاسم من فكرة أجنبية باقتطاع جانب منها، ثم يواءم مع فكرة أو حركة أو مواقف عندنا، ويولد هذا منتجا جديداً، ثم بعدها نقول هذه التي هنا هي نفسها تلك الفكرة التي هناك".

محاولة الحد من السلفية

إن أصحاب هذا الاتجاه هم في الغالب من داخل التيار التنويري، أو المتعاطفين معه من الإخوان المسلمين، الذين يرون وبشكل براغماتي في دعم هذا التيار حداً من غلواء السلفية المهيمنة على المشهد السعودي. يؤكد أصحاب هذا الاتجاه أن تيار التنوير هو سياق طبيعي لنقد الحالة السلفية، التي أصابها التكلس بعد أن واجهت العديد من التحديات بدءاً من اصطدامها بالسلطة، وتحولها إلى خطاب معوق للإصلاح الفكري أو التجديد الفقهي وبالتالي عقبة كؤود أمام أي تحديث للمنظومة الفكرية السلفية، وهذا ما يؤكده أحد أبرز الأسماء الإسلامية من تيار التنوير وأنشطها الأستاذ نواف القديمي الذي يلح أن تيار التنوير في السعودية ما هو إلا "تيار يقوم على نقد التيار السلفي وتفكيك بنيته التقليدية التي أسهمت في إعاقة النهضة والتقدم الحضاري".

إن الباحث وليد الهويريني ينتقد هذا الرأي، معتبراً أن أزمة التنوير في السعودية لم تقدم خطاباً مستقلاً. فـ "التيار التنويري قدم نفسه كتيار هدم للتيار السلفي لا تيار بناء ومشاركة مع الطيف السلفي للإصلاح.. لقد كان من المفترض لتيار يرفع راية الإصلاح والتنوير أن يقدم رؤيته الخاصة دون أن يجعل أحد دعائمه ضرب وتفكيك التيار السلفي والذي يعد المكون الأكبر للبلاد بشهادة صناديق الانتخابات البلدية، كما أن هذا يتنافى مع حديث الإخوة التنويرين بأنهم أبناء للحالة الإسلامية.

ويؤكد الباحث عبد الله سلمان العودة مسألة حضور نقد السلفية في تكوين التنويريين الجدد قائلاً: "ظاهرة "التنويريين" أو "الإصلاحيين" تكثفت بعد أن اجتمع الهاربون من جحيم التبديع السلفي أو التصنيف الصحوي إلى جزيرة التنوير... فكانت تلك الجزيرة محل تجمع الصحويين المغادرين والحركيين المستقيلين والسلفيين الذين أحرقوا سفن العودة.. فكانوا يحملون ذاكراتهم على أيديهم يستنجدون بها في التقييم والنقد والقراءة".

ويوافقه على ذلك الباحث مسفر القحطاني، الذي يؤكد أن إشكالية التنوير الإسلامي في السعودية هي "الغلو في نقد المدرسة السلفية التقليدية وإظهار جمودها وانغلاقها على الواقع المعاصر مما حدا بكل الناقمين عليها والمخالفين لها أن ينظموا في خندق هذا التيار مع تباين أطيافهم وانتماءاتهم الفكرية، واعتقد لولا قميص النقد للسلفية وردة الفعل من المقابل لما اجتمعوا على هذا التيار في خندق واحد ليثأروا لبعضهم ويتنادوا في منتدياتهم" التحاورية" أو في واديهم المقدس" طوى "أو من خلال مقالاتهم في صحفنا اليومية".