السعودية... ترشيد الخطاب الدعوي والمنبري

غلق أبواب التحريض

بث وزير الشؤون الإسلامية الجديد سليمان بن عبد الله أبا الخيل شيئا من الاطمئنان على منهجية العمل بالوزارة في المرحلة القادمة. في أول لقاء له مع المشايخ والدعاة منذ توليه الوزارة قبل أيام قليلة، حدد سياسته القادمة وأبلغ الجميع بها وأكد على الالتزام بها. سياسة ومنهجية مبشرة في نظري فهي ترتكز على عدم القبول بالتقاعس مهما كانت المبررات، وبناء خطط وبرامج تحقق المطالب والمقاصد مع درء المفاسد مع تأطير رؤية تنظر للمستقبل بعيدا عن القيل والقال ونقل الكلام، مع التشديد على أن يكون الجميع قدوة حسنة وفق المنهج الصحيح نابذين للتطرف، وشدد على أن الوزارة ليست بحاجة لأصحاب التوجهات المشبوهة.

كلام الوزير جميل مع تأكيدي على أن مرحلة التصحيح تحتاج لكثير من العمل، وأن المرحلة القادمة مختلفة تماما بكل معالمها لذلك تحتاج لأدوات بشرية مختلفة تمتلك قدرات عالية وتتماهى مع فكر الوزير الإصلاحي، وتحمل هم الوطن والمواطنين وتدعو لبناء مجتمع مسلم وطني مترابط ومتماسك يقف بكل غيرة أمام كل من يريدون الشر لهذا الوطن.

أصعب ملف في نظري هو ملف الخطاب المنبري والدعوي والذي مر عبر سنواته الماضية بمراحل متقلبة أدت إلى نتائج كانت عواقبها وخيمة نظرا لما تضمنه هذا الخطاب أما تصريحا أو تلميحا من تأصيل للتطرف وتحريض على الكراهية والعنف والانضمام عنوة لعصابات الإرهاب والقتل والدمار ودعوات لتصنيف وتقسيم المجتمع .

لم تكن هناك قوة دامغة لدعوات هذا الفكر الأممي المأزوم؛ والذي يتناسى بل يتجاوز عمداً قضايا المجتمع داخل الوطن وهمومه معتبرا إياها أمورا هامشية ليدعوا لدعم المجاهدين المرابطين في الثغور في خلط عجيب ومقصود بين من يقاتلون لتحرير أوطانهم وجماعات إرهابية ليست إلا القاعدة والنصرة وداعش وغيرهم من خوارج هذا الزمان. قضايا الناس وما يصلح معاشهم وعلاقاتهم لم تكن تحظى إلا بإلماحات يسيرة. كان خطابا مشحونا ومأزوما لا يعزز تسامح ولا يدعوا لاعتدال ووسطية ولا يدين إرهابي سفاح لأنه من ذات التوجه والمنهج، ولا يوجه للاحتراس من خطورة الانقياد لجماعات التكفير والقتل والعنف وبطرح مخالف لمنهج الإسلام الصحيح.

ولأننا في مرحلة جديدة نأمل أن تكون مختلفة فإنني أطرح أمام معالي الوزير رؤية جديدة لصياغة خطاب ديني وطني؛ وذلك بوضع خطوط عريضة ومسارات متعددة بضوابط ينطلق من خلالها المشايخ والدعاة بحرية لكن داخل إطار محكوم بمصلحة الوطن والمواطنين، وأن يكون الوطن والمصالح العامة فوق أي اعتبارات.

يقوم الخطاب الديني الوطني على ركائز ومنطلقات من أهمها:

أولاً: مبادئ الإسلام السمحة المتمثلة في السلام والتسامح والعفو والحب ونبذ الكراهية والعنف، وتوطيد العلاقات الحميمة بين أبناء المجتمع الواحد وبكافة مذاهبهم وأشكالهم وألوانهم، ومنع تداول أي مفردات بغيضة تؤصل التفرقة بين طوائف المجتمع وفئاته.

ثانياً: المبادئ الوطنية الراسخة التي تدعو الجميع للعمل المخلص في كافة الاتجاهات لبناء الوطن والنظر إليه على أنه شيء مقدس لا يجوز المساس به، وتأصيل ثقافة حقوق المواطن وواجباته ضمن النظام الذي رسمته الدولة.

ثالثاً: غرس مبادئ التعامل الحسن مع المخالفين داخليا وخارجيا وبما يظهر السماحة دون إفراط ولا تفريط.

عبد الرحمن الشلاش

كاتب سعودي