السعودية ... الجدل الفكري والإسلاميون

مابين المفتي بالاختلاط والمتمسك بسد الذرائع

خضع المجتمع السعودي إلى عدة تحولات ثقافية، كانت سبباً في تغير البنية الفكرية لدى قطاع عريض من أبنائه، وإن كان المجتمع السعودي مايزال داخل صيرورة هذه التحولات بحيث لم يتشكل اجتماعياً إلى الدرجة التي يمكن القبض على خطاب فكري محدد غير الخطاب الديني بالطبع، كونه الخطاب الأكثر جماهيرية والأكثر تحولاً على المستوى الفكري؛ إلا لدى أفراد ليسوا قلة، لكنهم ليسوا بمستوى تشكيل خطاب ثقافي مؤثر.

كما انتقلت المعركة بالنسبة للإسلاميين الجهاديين أو المتطرفين من القتال الخارجي إلى القتال الداخلي، هنا كان لابد من تغير الخطاب الإسلامي الصحوي من خطاب التشدد إلى خطاب التسامح أو الاعتدال خاصة إذا عرفنا أن هذه الاعتدال كان سابقا على أحداث الحادي عشر من سبتمبر بسنوات قليلة، وهنا ظهرت الدعوة إلى الوسطية من قبل عدد من مشايخ الصحوة.

كما "شهدت الساحة الفكرية في المملكة العربية السعودية على مدى شهر كامل سجالا حاميا حول جملة من المواضيع الجدلية المتعلقة باصطلاحات الإصلاح السياسي. وكان موضوع (الدولة المدنية) الذي فجر شرارات السجال في أول وهلة هو المرآة التي انعكست عليها- بوضوح - خبايا الصراع الفكري (السياسي) بين التيارات الإصلاحية في المملكة... ومع احتدام السجال أخذ الجدل منحى أعمق بين التيار الليبرالي والتيار الإسلامي حول قضايا الحريات في المملكة وهيمنة التيار الديني والحاجة إلى مؤسسات المجتمع المدني وقضايا المرأة، بل وتعدى الأمر ذلك إلى النزاع حول التفسير التاريخي لنشأة المملكة، حتى اعتبر أحدهم أن التيار الليبرالي كان الأسبق في المملكة من غيره...".

إلى جانب ذلك، وفي نهاية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، ظهرت الكثير من الكتابات التي تدعو إلى التعددية، والقيم الإنسانية المشتركة، وقيم التنوير والحرية والمجتمع المدني، والأخلاق من خلال الأرضية الفلسفية مع بعض الشباب المستنيرين، أسست لوجودها تحولات السنوات العشر الماضية عليها لتطرح رؤى جديدة تحاول أن تموضع ذاتها في خضم هذه التحولات جميعها، باعتبار أن الفكر الفلسفي " خطاب نقدي لكل أنماط المعرفة العقلانية وغير العقلانية".

كل هذه التحولات والتجاذب الفكرية في الخطابات الثقافية السعودية: الإسلامية منها وغير الإسلامية خلقت تحولات على مستوى الحراك الاجتماعي السعودي، إذ نزلت هذه التحولات من إطارها الفكري والنخبوي: الديني والثقافي إلى الشارع العام، وليخوض المجتمع السعودي أول عملية انتخابات في حياته على الكثير من الخلل الانتخابي الذي حصل فيها، ورغم اكتساح الإسلاميين لهذه الانتخابات بالجملة عام 1426هـ/ 2005. كما أن المجتمع السعودي بدأ يعي الكثير من حقوقه الإنسانية مع تبدلات على المستوى القيم، لكنه مازال في طور التشكل والتحول.

قضية الاختلاط:

ولعل أكثر ما يوحي بالتحولات الفكرية في السعودية، في الفترة الأخيرة، هو الجدل الفكري الذي احتدم حول مسألة الاختلاط، وهي مسألة اشتعل أوار الجدل فيها بعد افتتاح جامعة الملك عبدالله بن عبدالعزيز للعلوم والتقنية (كاوست)، وهي جامعة مختلطة بين طلاب الدراسات العليا، وهذا ما أثار حفيظة الخطاب الديني في السعودية، إلى الدرجة التي جعلت شيخاً من هيئة كبار العلماء، وهو الشيخ سعد بن ناصر الشثري، يناشد الملك عبد الله بن عبد العزيز بمنع الاختلاط في الجامعة، وقد أثارت هذه المناشدة ردة فعل في الوسط السعودي وجدلا واسعاً.

أدى ذلك إلى إعفاء الشيخ الشثري من هيئة كبار العلماء. إثر ذلك توالى الجدل الفكري حول مسألة الاختلاط في الصحف، ومنتديات الانترنت، واعتبر الخطاب الديني أن ذلك انتصاراً للاتجاه الليبرالي، حتى أصبحت كلمة الاختلاط (فوبيا فكرية) إذا صح التعبير يتم تصنيف القائلين فيها في اتجاه الـ"ضد" أو الـ"مع".

"وفي معمعة الجدل حول الاختلاط، على المستوى الاجتماعي والشرعي والفكري، خرج وزير العدل السعودي الشيخ الدكتور محمد العيسى برؤى مدوية مخالفة للرؤية السائدة حول مسألة الاختلاط، وهي الرؤية التقليدية الجازمة بمنع الاختلاط وتحريمه، حيث انتقد الجازمين بحرمة الاختلاط والمتوجسين من هذه القضية (بحجة تطبيق مفاهيم الإسلام في صيانة المرأة، وحراسة فضيلتها، وعفافها، فكان من الأسف الخلط في هذا (الاختلاط)، وهو ما لا يعرف في قاموس الشريعة الإسلامية إلا في أحكام محدودة... منبتة الصلة عن معنى هذا المصطلح الوافد، ليشمل في الطروحات المتأخرة ببدعة مصطلحية لا تعرف في مدونات أهل العلم".

كما أنه وضّح أن (شيوع مصطلح الاختلاط بدل الخلوة غير الشرعية من الجناية العمدية على المصطلحات الشرعية، وتحميل نصوصها مالا تحتمل، بل زاد الأمر حيث اكتسى هذا المصطلح الغريب حصانة منتحلة في حين خالفته نصوص الشرع ونقضت مفهومه) حسب الاستدلالات النصوصية التي أدلى بها.

لقد أحدث هذا الرأي صدمة لدى الرأي العام في الخطاب الديني، ذلك أنه جاء من قبل شخصية اعتبارية لا على المستوى الرسمي فقط، وإنما على المستوى الديني في أكثر وزارة يمسك مفاصلها الخطاب الديني، بحيث أصبح هذا الرأي ومن هذه الشخصية بالذات حلقة جديدة من حلقات التحولات الدينية في السعودية المربكة للخطاب الديني التقليدي.

أسند خطابَ وزيرِ العدل خطابٌ آخرٌ من داخل المنظومة القضائية، وهو خطاب الشيخ عيسى الغيث، القاضي في المحكمة الجنائية في الرياض، حول قضية الاختلاط ذاتها إذ قال بجواز اختلاط الرجال بالنساء وأيّد تصريحات وزير العدل. كما خرج رئيس هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في منطقة مكة المكرمة (الشرطة الدينية في السعودية) الشيخ أحمد الغامدي بفتوى أخرى يعضد فتاوى الشيخين السابقين برأي مؤصل شرعياً ومن خلال الأحاديث النبوية، وهو من أكثر الناس جدلاً في هذا المسألة إذ تعرض إلى الإعفاء من منصبه مرتين لولا تدخلات من الدولة ذاتها بإيقاف الإعفاء.

أنتجت جميع هذه الفتاوى جدلاً واسعاً في الصحف والمنتديات الالكترونية، والمجالس العامة والخاصة، في الجهة المقابلة من فتاوى جواز الاختلاط، مما جعل الشيخ عبد الرحمن البراك يدلي بفتوى معارضة لجواز الاختلاط، بل ووصل بالأمر إلى جواز قتل من يبيح الاختلاط في العمل والتعليم، ووصفهم بالديوثين، كما أصدر الشيخ يوسف الأحمد رأياً غريباً ومدوياً في الوسط السعودي بلا استثناء في أحد القنوات الفضائية وهو هدم المسجد الحرام بمكة، وإعادة بنائه بطريقة لا تسمح بالاختلاط بين الرجال والنساء أثناء الطواف على الكعبة وأكد موقفه بتقديم دراسة في إعادة بناء المسجد الحرام على مواصفات تمنع الاختلاط كما يقول.

أفرز كل هذا الجدل تحولات كثيرة داخل الخطاب الديني السعودي، وبدأ المجتمع السعودي يعيد التفكير والحوار في الكثير من القضايا المطروحة على الساحة؛ بحيث يمكن القول إن مسألة الاختلاط هي من أهم القضايا التي قوضت الانغلاق الفكري، الذي كان عليه مجتمع السعوديين قبل فترة من الزمن، وبرزت أسماء جديدة من داخل الخطاب الديني نفسه تقول بإدخال أفكار جديدة على ذات الخطاب، لكن ما تزال أكثرية المجتمع تقف إلى جانب منع الاختلاط عملياً حتى وإن تجاوزه في التنظير الفكري مما يعني بقاء التحولات على المستوى الجدلي ولم يتطور إلى مشاريع عملية حتى الآن إلا في أضيق الحدود، وفي مناسبات محدودة جداً.