السرقات الأدبية.. تلاص أم تناص (3)

على هذه الأرض ما يستحق الحياة

قديما قال الجاحظ "المعاني مطروحة في الطريق" بمعنى أن المعاني ممتدة وغير محصورة بألفاظ محددة، وهي متاحة لمن يمتلك الصياغة اللفظية لها، وهنا تكمن أهمية اللغة القالب الذي يشكل المعنى ويجسده.

لكن في مسألة السرقات الأدبية إلى أي حد يا ترى يجب أن تقف عنده هذه المقولة وما هو الحد الذي يفصل بين السرقات الأدبية وبين الادعاء بالملكية اعتمادا على هذه المقولة؟

هذا الموضوع شغل نقاد الأدب في مختلف العصور كونه ظهر منذ أن ظهرت الفنون الإبداعية ونال اهتماما كبيرا وقد عالجه النقد العربي قديمه وحديثه في دراسات كثيرة من أهم أهدافها هي الوقوف على أصالة العمل الأدبي وصحة نسبته إلى أصحابه، وتقصي مقدار ماجاء فيها من أفكار إبداعية جديدة ومن أفكار متبعة ومنسوخة أو مقلدة.

كما أظهرت الدراسات النقدية جوانب الاتفاق والاختلاف بين العمل الأصيل والعمل المبتدع وهذا احتاج من الدارسين فطنة ودراية عميقة وسعة معرفة بالأدب على مر العصور حتى يتسنى للدارس الحكم جوانب الإبداع والاحتذاء في العمل الأدبي.

ولمفهوم السرقة كما جاء في المعجم الوسيط "الأخذ من كلام الغير وهو أخذ بعض المعنى أو بعض اللفظ سواء أكان أخذ اللفظ بأسره أم المعنى بأسره" تاريخ طويل وقضايا كثيرة وأمثلة مشهورة كثرت الكتابة عنها وتناولتها الدراسات بتفصيل وتقص وأحيانا بإشهار.

الشاعر الفلسطيني الشهير محمود درويش الذي حمل القضية الفلسطينية رمزا وهما في شعره وكان شاعر القضية بلا منازع لم يسلم من الاتهامات التي وجهت إلى شعره وزعم الكثير من النقاد أنه أخذ من النصوص التوراتية ووظفها في شعره ليس بالحد الذي يمكن اعتباره تأثرا، بل وصل به التوظيف إلى حد الاستلاب.

وقد استشهد الذين اتهموا درويش بالسرقة بنصوص من التوراة قابلوها مع نصوص درويش، وكذلك بنصوص من الشعر والأدب العالمي تقابلها قصائد درويش، ومنها الجملة الشعرية الشهيرة التي أصبحت علامة خاصة وموقعة باسم الشاعر الفلسطيني التي يقول فيها: "على هذه الأرض ما يستحق الحياة"، فقد أكد متناولو هذه القضية أن أصل الجملة يعود حرفيا للفيلسوف فريدريك نيتشه.

وفي التأكيد على أخذ محمود درويش من التوراة استشهد الذين قالوا باحتذاء درويش نصوصا توراتية بمقابلة مقطع شعري من جدارية درويش التي يقول فيها:

للولادة وقت.. وللموت وقت

وللصمت وقت.. وللنطق وقت

وللحرب وقت.. وللصلح وقت

وللوقت وقت.. ولا شيء يبقى على حاله

مع ما ورد في التوراة: "للولادة وقت وللموت وقت، للغرس وقت ولقلع المغروس وقت، للقتل وقت وللشفاء وقت، للهدم وقت وللبناء وقت، للبكاء وقت وللضحك وقت".

وقد اتهم درويش أيضا بالسرقة من القرآن الكريم واستشهد المدعون بمقطعه:

الحمد لله لا شريك له

من لم يقلها فنفسه ظلما

واعتبروا اقتباسه الآية الأولى من سورة الفاتحة جاء بغرض السرقة والاختلاس، بدليل أنه لم يضع علامات الاقتباس قبل وبعد الآية الكريمة.

وبالمقابل فقد انبرى كثير من النقاد للدفاع عن محمود درويش فقد ذكر الدكتور إبراهيم خليل في دراسة له في صحيفة قاب قوسين عن ادعاء السرقة التي ألصقت بدرويش "وباب السرقات في الأدب باب معروف جدًا، وقد فصل القول فيه قدماءٌ، ومُحدثون.. ولكن من يتصدون للإفتاء في هذا المجال يغربُ عن بالهم، ويعزب عن أذهانهم، أنّ ما يأخذه الشاعر من أقوال الآخرين، يندمج في ثنايا القصيدة، ويذوبُ، ليصبح قولا جديدًا".

وقال في مسألة أخذ درويش من القرآن الكريم واقتباسه الآية الأولى من سورة الفاتحة "وهو لم يقتبس لغرض السَرَقِ مثلما يَقولون، ولكنه استخدمها فعلا في الدلالة على أنّه يحمد الله، وَيشكرهُ".

أما الشاعرالعراقي سامي مهدي فقد ذكر في مقال مطول له في صحيفة الراكوبة أن الذين اتهموا درويش في تصريحاتهم لم يستطيعوا الإتيان إلا بعناوين وعبارات قليلة استشهدوا بها للتدليل على افتراءاتهم وقال إن ما عدوه سرقة يدخل في باب التناص وليس النقل وقال "متهمو درويش يتجاهلون تماماً مسألة أساسية عند توجيه اتهامهم إليه وهي كيفية تصرفه بما اقتبسه من غيره، أعني كيفية توظيفه إياه في قصائده، فنياً ودلالياً، ومدى نجاحه أو إخفاقه في هذا التوظيف".

وذكر عن الذين ادعوا السرقة "فما يهمهم هو أن يعلنوا للملأ أن درويش أخذ منهم دون أن يشير إليهم وهم يتحدثون عن ذلك بلغة تعميمية قد تضلل جمهور القراء فيقولون: "إن في خبزه الكثير من قمح الآخرين" دون أن يحددوا كمية هذا القمح ووزنه النوعي في خبزه، وهم يسرفون في أحاديثهم كما لو أن حياة درويش الشعرية ومكانته في الشعر العربي كانتا تتوقفان على ما أخذه منهم ومن غيرهم، وأنه ما كان ليكون شاعراً كبيراً بدون ذلك".