السبسي يسعى إلى إعادة تونس إلى فضائها الجيوسياسي

بهدف استكمال المشروع الحداثي التونسي

اختار الرئيس التونسي الباجي قائد السبي باريس في أول زيارة له إلى بلد غربي ليبعث برسالة دبلوماسية واضحة مفادها أن تونس بعد انتفاضة يناير/كانون الثاني 2011 مازالت متمسكة بمشروعها الوطني الحداثي الذي قاده الزعيم الحبيب بورقيبة مند الستينات من القرن الماضي والذي استلهم الكثير من المعاني من الثقافة السياسية الغربية عامة والأوروبية خاصة وفي مقدمتها الدولة المدنية والحداثة الاجتماعية والحقوق المدنية والسياسية الفردية منها والعامة وحرية المرأة التي باتت مهددة من قبل الجماعات الجهادية.

وتؤشر زيارة السبسي لباريس التي تستغرق يومين، 7 و8 أبريل/نيسان الحالي بدعوة من الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند على أن الرئيس التونسي الذي شدد في أكثر من مناسبة على أن السياسة الخارجية من صلاحياته وحده دون سواه وفق ما ينص عليه الدستور، تؤشر على أن قائد السبسي الذي يصفه السياسيون بأنه "بورقيبة الديمقراطي"، يسعى إلى إعادة تونس إلى محيطها الجيوسياسي وإذابة الجليد مع شركائها من البلدان الغربية عامة والبلدان الأوروبية خاصة وذلك بعد سنوات من الفتور نتيجة سياسات حكومة الترويكا التي راهنت على دعم عدد من الدول الخليجية ما أثار نوعا من "الاستياء" لدى شركاء تونس التقليديين وفي مقدمتهم فرنسا.

وتكتسي زيارة قائد السبسي أهمية سياسية لكونها أول "زيارة دولة" يقوم بها مند توليه منصب رئاسة الجمهورية في ديسمبر/كانون الاول 2014 إثر فوزه على منافسه منصف المرزوقي مرشح الجماعات الإسلامية ما يؤكد أن اختزال الزيارة في "مباحثات حول ملف الإرهاب ودعم الاقتصاد" يعكس عدم إدراك الأهداف الإستراتيجية للزيارة.

ويسعى قائد السبسي من خلال زيارة فرنسا ليؤكد لصناع القرار في باريس خاصة ولصناع القرار في بلدان الإتحاد الأوروبي إلى "حشد" التأييد الدولي لاستكمال المشروع الوطني الحداثي الذي قاده بورقيبة خلال الستينات والسبعينات والثمانينات من القرن الماضي وهو مشروع يراهن على "اللحاق بالدول المتقدمة"، أي الدول الغربية، سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وينأى بتونس عن مشروع جماعات الإسلام السياسي التي تقول أن "الفضاء العربي" هو المحيط الجغراسياسي الطبيعي لتونس".

وكان قائد السبسي أكد في أكثر من مناسبة وخاصة خلال حملة الانتخابات الرئاسية في الخريف الماضي أن تونس "لن تتمكن من الخروج من الأزمة التي تتخبط فيها مند أربع سنوات ما لم تراجع سياساتها الخارجية باتجاه خدمة المصالح الوطنية الكبرى من خلال تعزيز علاقات التعاون مع البلدان الغربية وفي مقدمتها بلدان الإتحاد الأوروبي التي تعد الشريك الاقتصادي الأول للبلاد إذ تستحوذ على أكثر من 70 في المائة من المبدلات التجارية معها" إذ يبلغ حجم المبادلات التجارية بين البلدين 9.4 فاصل 4 مليارات دولار، إضافة إلى أن المستثمرين الفرنسيين يتصدرون قائمة المستثمرين في تونس إذ تنشط بالبلاد 1300 شركة فرنسية توظف أكثر من 125000 شخص. ويعلم قائد السبسي جديا أنه يزور بلدا مرتبط شديد الارتباط بتونس سياسيا واجتماعيا وثقافيا.

سياسيا، مثلت التجربة الديمقراطية الفرنسية "مطمحا" للتونسيين الدين يرون أن دولة الاستقلال التي قادها الزعيم بورقيبة "هي دولتهم ورمز كيانهم الوطني وأنها كانت تكون أكثر شرعية وتأييدا شعبيا او أسست لتجربة ديمقراطية تشارك فيها أحزاب علمانية ولبرالية ويسارية.

واجتماعيا، تحضن فرنسا أكثر من مليون مهاجر تونسي من بين مليونين موزعين على البلدان الأجنبية ويساهمون في الدورة الاقتصادية من خلال تحويلات تفوق 2 فاصل 5 مليار دينارا،أي حوالي 2 مليار دولار.

وثقافيا، تعد اللغة الفرنسية ثاني لغة مستخدمة بعد اللغة العربية سواء في الإدارة أو في برامج التعليم بالمدارس والمعاهد والجامعات.

لذلك يقول دبلوماسيون "إن زيارة قائد السبسي لباريس لا يمكن اختزالها في سعي تونس إلى دعم جهودها في مكافحة الجماعات الجهادية ولا أيضا في دعم اقتصادها على الرغم من أهمية الملفين" مشددين على أن "الأهم في هذه الزيارة بعدها الإسترتيجي والمتمثل في التأكيد للعواصم الأوروبية على أن تونس اليوم تعي جيدا أن مستقبلها ونجاح تجربتها الديمقراطية يرتبط شديد الارتباط بمستوى علاقتها بالبلدان الأوربية التي مثلت تاريخيا معينا لمشروعها الوطني الحداثي".

ويقول سياسيون إن العواصم الأوروبية تساورها شكوك مند عام 2011 تاريخ وصول الإسلاميين للحكم حول مدى التزام حكام تونس الجدد بدولة المواطنة المدنية وبتعددية المجتمع فكريا وسياسيا وحول حرية المرأة في ظل تزايد ضغط الجماعات الجهادية التي تعمل على نسف مكاسب الحداثة التي حققتها تونس مند استقلالها عن فرنسا العام 1956".

ويشدد السياسيون على أن "زيارة قائد السبسي هي رسالة مزدوجة، أولها لباريس وللعواصم الأوروبية بأن تونس عادت إلى فضائها المتوسطي، وثانيها إلى الإسلاميين بأن الرهان على بعض دول الخليج هو رهان خاسر نظرا للاختلافات الجوهرية لا فقط سياسيا واجتماعيا بل أيضا دينيا باعتبار أن تونس ترفض التيار الوهابي الذي غذى مند أربع سنوات الجماعات الجهادية التونسية بالفكر وبالمال وبالسلاح".

ويبدو أن زيارة السبسي، كما يذهب إلى دلك كثير من المحللين، تحمل في طياتها "نوعا من التحذير المبطن" موجه إلى عدد من البلدان التي تدعم الإسلاميين من "مخاطر الحركات الإسلامية لا فقط على التجربة الديمقراطية الناشئة وإنما أساسا على مدنية الدولة ونمط المجتمع التونسي وطبيعة الثقافة السياسية اللبرالية المنفتحة على الثقافة الأوروبية راعية الحريات الشخصية".

وإضافة إلى أبعادها السياسية والاجتماعية والثقافية تؤشر زيارة السبسي إلى مراهنة تونس ما بعد انتفاضة يناير/كانون الثاني 2011 على حماية تجربتها الديمقراطية الناشئة والهشة من خلال دعم جهود البلاد في مكافحة المجموعات الإرهابية التي باتت تمثل خطرا جديا على أمن البلاد واستقرارها كما تشمل دعم الاقتصاد المتهالك.

ولم تتردد مصادر دبلوماسية في القول إن ملفي مكافحة الجماعات المتشددة المتسلحة ودعم الاقتصاد التونسي الذي يمر بمرحلة حرجة يتصدران المباحثات بين كل من الرئيس الفرنسي فرونسوا هولاند والرئيس التونسي الباجي قائد السبسي وهو ما أكدته الرئاسة التونسية بأن رئسي البلدين سيبحثان سبل تعزيز علاقات التعاون الاقتصادي والأمني دون أن تقدم إيضاحات حول الملفات التي سيتباحث فيها الرئيس التونسي مع المسؤولين الفرنسيين وفي مقدمتهم فرانسوا هولاند.

غير أن المصادر الدبلوماسية قالت إن "المباحثات ستتركز على دعم باريس لتونس أمنيا وعسكريا لمواجهة الجماعات المتشددة المسلحة التي قويت شوكتها خلال السنوات الثلاث الماضية" ونفدت العديد من الهجمات كان آخرها الهجوم على متحف باردو وخلف 70 ضحية بين قتيل وجريح أغلبهم من السياح، من بينهم سياح فرنسيين".

وأضافت نفس المصادر أن المباحثات ستشمل أيضا دعم باريس للاقتصاد التونسي وتشجيع المستثمرين الفرنسيين على إطلاق مشاريع باعتبار أن فرنسا تعد الشريك الاقتصادي الأول لتونس.

ومما يؤكد أن زيارة قائد السبسي إلى فرنسا "هي زيارة إستراتيجية" تتجاوز البحث حول دعم مكافحة الإرهاب وإنعاش الاقتصاد أن باريس ما انفكت خلال السنوات الأربع الماضية تؤكد من خلال تصريحات كبار المسؤولين وصناع القرار "أن الشأن التونسي يهمنا" وأن "ما يحدث في تونس يعنينا" ما بدا مؤشرا قويا على أن العواصم الأوروبية ترى في تونس تجربة حداثية فريدة في العالم العربي ويجب حمايتها من أي انتكاسة قد تنسف ومن الأساس مقومات التجربة لتفتح خارطة البلاد أمام الجماعات الجهادية فتدخل تونس في فوضى السلاح وثقافة صناعة الموت، فوضى لن تقف عند حدودها وإنما ستطاير شظاياها إلى ما وراء المتوسط لتستقر داخل خارطة بلدان الإتحاد الأوروبي.

وخلافا للإدارة الأميركية التي راهنت على جماعات الإسلام السياسي في موجة ما يعرف بالربيع العربي ومارست شتى الضغوطات السياسية والدبلوماسية وحتى الاقتصادية على نظام الرئيس زين العابدين بن علي الذي أطاحت به انتفاضة شعبية يقول المراقبون إنها تمت بـ"هندسة" من واشنطن، فإن باريس التي تعرفت عن قرب على العديد من قيادات تلك الجماعات خلال حوالي 20 سنة في ما يعرف بسنوات المنفى كانت متوجسة من مشروع الإسلاميين بل إن صناع القرار في باريس لم يروا في تلك الجماعات سوى تهديدا للدولة المدنية وللتعايش السلمي الأهلي ولثقافة الديمقراطية والتسامح بين مختلف مكونات المجتمع التونسي.

وهذا ما يفسر أن قائد السبسي اختار باريس في أول زيارة له إلى بلد غربي بعد توليه منصب رئاسة الجمهورية فيما كان راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة أختار واشنطن في أول زيارة له بعد فوز الحركة في انتخابات نوفمبر/تشرين الأول 2011 وهي زيارة رأى فيها السياسيون "محاولة لترويج صورة النهضة كحركة لا تعادي الإدارة الأميركية بل تهادنها وتراهن على دعمها".