السباق نحو الرئاسة الاميركية المقبلة لا بد ان يمر عبر احزان العراقيين

ما زال العراق ومنذ اثني عشر عاماً يعيش اكبر كارثة مرت به في تاريخه الحديث؛ فلم يمر يوم منذ الغزو الاميركي دون ان يفقد العراقيون احدا من اعزائهم، طوابير الضحايا لم تتوقف من كل الطوائف والقوميات والاعراق والمدن والقرى والضواحي والمداشر، العراقيون متساوون في جدلية القتل اليومي الفتاكة والمسطرة الوحشية تتعامل معهم بالعدل والقسطاس المستقيم.

وفي كل يوم يجري الاجهاز على احلام الاجيال العراقية الجديدة في التشبث ببقايا امل في حياة آمنة ومستقرة ويجري اجهاض تلك الخيالات الرومانسية التي واكبت اسقاط النظام السابق في ان العراق سيتحول على يد الولايات المتحدة الى مصاف البلدان الاكثر تطورا فإذا به يتحول على يدها الى واحد من افشل البلدان واكثرها ابتلاءً بالرزايا والكوارث والعنف والاحزان والقهر اليومي.

نعم، ما زال العراقي هو العراقي في جيناته الفريدة صابراً محتسباً تتكسر على صدره النصال على النصال مواصلاً الحياة، وبإمكانك ان تسمع الضحكات الجريحة المدوية في اي تجمع للعراقيين، لا تفارقهم النكتة رغم ان قلوبهم تدمى بفقد احبتهم.

في وسط هذا يتوجب على العراقيين ألا يكونوا ناكري جميل - تجاه محرريهم - فالولايات المتحدة تعيب على سواد كبير انهم ناكرين للجميل لم يحرقوا بخور الشكر والعرفان لعائلة بوش تحديدا على الوضع الفردوسي الذي يعيشونه اليوم، وبأن الامبراطوية العظمى قد خلصتهم من اعتى نظام دكتاتوري لترميهم في مهب الفوضى وانهار الدماء ولتنشب اشكال هجينية من الصراعات والعنف والقتل لا تخطر على عقل بشر ولا تستقيم مع سوية البشر.

الخوف الذي صار متأصلاً في الحياة العراقية هو نتاج عقيدة بوش الأب والابن وما عرف ببدعة الصدمة والرعب فقد شبع العراقيون صدمات وترويعاً ورعباً وما يزالون لتنهال القصص تترى في اوساط مطابخ السياسة الاميركية وفي طليعتها قصة الحياة العراقية ما قبل الحقبة البوشية وما بعدها..ايهما احلى؟

يا ترى، هل يعيش العراقيون اليوم حياة اجمل واكثر نماءً وتفاؤلاً؟ وهل مستقبل بلادهم في ايديهم؟ وهل يجري تأهيل الاجيال القادمة لقيادة البلاد بشكل صحيح؟ اسئلة تترى ترافق سباقا بدأ في الولايات المتحدة باتجاه الانتخابات الرئاسية المقبلة في العام 2016.

يعود الكابوس البوشي مجددا مترافقا مع بطلان الادلة الاستخبارية المزعومة بامتلاك العراق اسلحة للدمار الشامل، وانها كانت محض معلومات مضللة وكيدية بل كاذبة لتبرير غزو هذا البلد وقتل قرابة مليون من ابنائه..هذا الجدل الذي يمزج الملهاة بالمأساة يقدم واقعاً مريراً مفاده ذلك التخبط الذي صار يكتنف الادارة الاميركية في مقاربتها الجديدة القديمة للأزمة العراقية.

يقف بوش بنسخة جديدة من خلال الابن "جيب" حاكم ولاية فلوريدا السابق القادم على صهوة العائلة التكساسية الثرية سليلة الوفرة النفطية والاستثمار في الطاقة الاكثر ضررا وتلويثا للحياة البشرية وحيث رائحة نفط العراق وأمن اسرائيل ما زالت تشجي تلك العائلة وتجعل كل التضحيات والقرابين لا تشكل شيئا امام هذين الهدفين العظيمين.

الشقيق مدافعاً عن شقيقه ـ ربما هي وصية الوالدين ومن حسن الشيم ـ يقول "بعضكم يعلم أن جورج بوش شقيقي وأنا فخور بذلك.سواء كان هناك ناس يحبون ذلك أو لا يحبونه فعليهم التعايش مع الأمر". ولهذا تنطع بوش الجديد مدافعاً عن "الفردوس" الذي خلفه والده واخوه برسم العراقيين الذين يتقلبون في رمضاء تختصر الشقاء والمأساة.

ينبري بوش الجديد في حملته الانتخابية في الدفاع عن الشقيق الذي قاد الغزو وفعلت جيوشه الافاعيل لكن الهدف كان اسمى واجل: المجد للعائلة البوشية.

جراحات العراقيين اثخنت ورقص الراقصون على صراخات الثكالى.

اذن فهو بوش جديد ربما يكون قادما على ذات الصهوة من اجل اكمال المهمة ولا ندري ما الذي يراد من العراقيين اكثر من كل ما جرى؟ سؤال يتردد على السنتهم ولا يفارق عقولهم؟

عذابات العراقيين دائماً لها مبرراتها واحالاتها، هاهو بوش الجديد يرمي باللائمة على اوباما، وعلى حد قول السيناتور لينزي غراهام البوشي الهوى "إذا كنتم قد حاربتم في العراق فقد أفلح مسعاكم. ليس خطأكم أن العراق تحول إلى جحيم. إنه خطأ أوباما أما أنتم فقد أديتم المهمة".

وعلى حد قول العراقيين كفيتم ووفيتم وما قصرتم.

اذن فالذنب ليس ذنب الشقيق الحبيب..ثم مقاربة اخرى سريالية ان السبب في الصراعات والدماء في العراق هو تدخل دول الجوار وخاصة وتحديداً ايران، واما داعش، الوباء الذي يسقط المدن والحواضر العراقية فتبرير وجودها مثل الذي يتولى تحضير الارواح فلا يدري اروح طيبة سيحضّر ام شريرة، مقاربات وتبريرات يلوكونها مثل علكة يمضغونها صباح مساء وعلينا تصديقها وهي خلاصة سيتم من خلالها النأي بالمشروع البوشي برمته من الخطأ والزلل وسوء التقدير والتبعات والفضائع التي ترتبت عليه، فمن فتح الحدود على مصاريعها؟ ومن سمح بكل أفاق ومزوّر وربيب للباطل والحرام ليصول ويجول في هذا البلد؟ ومن زكّى هذا وذاك وسلمه رقاب العراقيين ومصائرهم؟ ومن سمح لهذه الدولة الجارة او تلك ان تصول وتجول في عراق ما بعد الحقبة البوشية؟ اسئلة كلها برسم البوشيين كابراً عن كابر.

بوش الجديد الذي يصرخ في مناسبة وبدون مناسبة منافحاً عن انجازات الشقيق العزيز يعلن ان لو كان القرار في يده في حينه لما تردد لحظة في غزو العراق، حسناً، وماذا بعد؟ أمطلوب من العراقيين ان ينشئوا متحفاً بسعة بلادهم يخص ضحاياهم ثم يمسحوا دموع احزانهم ليمجدوا العائلة البوشية آباءً وأبناءً ومن ثم أحفاداً؟

يا لها من تراجيديا هائلة ولا تحدها حدود تلك التي يراد من خلالها جر العراق بكل ما فيه الى حلبة التنافس الجديد على الرئاسة فقطار الانتخابات المقبلة لا بد ان يمر بأحزان العراقيين، بدروبهم و بشوارعهم وساحاتهم وحاراتهم وقراهم ومداشرهم المليئة بالفجيعة التي لا يبدو ان السائرين الى الحكم والصولجان تعني عندهم شيئا لا يتعدى كونها لزوم ما يلزم من تراكمات السياسة وآثامها بصرف النظر عن من هم الضحايا وحتى لو سدوا عين الشمس عدداً.