السباق للسيطرة على نفط الشرق الأوسط: ليبيا أمام التحديات والأخطار

بقلم: عمر نجيب

خلفت الملابسات والظروف التي أحاطت بقتل الزعيم الليبي معمر القذافي يوم الخميس 20 أكتوبر 2011 في ضواحي مدينة سرت الواقعة على مسافة 360 كلم شرق طرابلس المزيد من الضباب حول التطورات المستقبلية في ليبيا كما زادت التساؤلات حول دور وأهداف الدول التي شاركت في الحرب على الأرض الليبية تحت راية حلف شمال الاطلسي.

يوم الخميس والجمعة 20 و21 أكتوبر تسابقت عدة قنوات تلفزية عربية ودولية على بث مقاطع فيديو تظهر العقيد القذافي جريحا يسقط في الأسر ثم يتم قتله بعد قليل.

وأظهرت لقطات فيديو القذافي بشعره الطويل وقد تلطخ وجهه بالدماء ويتعرض للضرب من مسلحين من مقاتلي المجلس الوطني الانتقالي الليبي.

مباشرة بعد ذلك ويوم الخميس أعلن وزير الدفاع الفرنسي جيرار لونغيه أن طائرة ميراج فرنسية "اعترضت" مجموعة السيارات التي كان معمر القذافي موجودا فيها.

واوضح لونغيه للصحافيين ان الموكب الذي كان يضم "عشرات السيارات رباعية الدفع، حوالي 80 سيارة، تم اعتراضه اثناء تقدمه فيما كان يسعى إلى الفرار من سرت".

وذكر أن الطيران الفرنسي تلقى من قيادة الاركان المشتركة لحلف الاطلسي اخطاراً بضرورة التدخل لمنع هذا الرتل من التقدم".

وفي واشنطن أعلن مسؤول اميركي لفرانس برس ان طائرة بريديتور اميركية بدون طيار اطلقت صاروخاً على الموكب الذي هاجمته طائرة الميراج الفرنسية بالقرب من سرت قبل أن تبلغ قوات المعارضة الليبية بموقع القافلة المدمرة.

كما أعلن حلف شمال الاطلسي في بيان له ان طائراته قصفت آليات لقوات موالية للقذافي في حوالى الساعة السادسة و30 دقيقة بتوقيت غرنتيش في ضواحي سرت.

المشاهد أثارت ردود فعل شاجبة لم تكن متوقعة، ولم تنفع بعد ذلك محاولات التمويه والقول أن القذافي قتل أثناء القتال وليس وهو أسير في تهدئة الإدانات، التي عززت في نفس الوقت الاتهامات الموجهة للغرب في أن تدخله ليس من أجل الشعب الليبي بل طمعاً في السيطرة على ثروات ليبيا وفي مقدمتها النفط.

منظمة العفو الدولية

يوم الجمعة 21 أكتوبر دعت منظمة العفو الدولية السلطات الليبية الجديدة الى اجراء تحقيق حول ظروف قتل معمر القذافي، محذرة من انه اذا ما تأكد مقتله بصورة متعمدة بعد اسره فستعتبر ذلك "جريمة حرب".

واعلن كلاوديو كوردون المدير العام لهذه المنظمة غير الحكومية التي تتخذ من لندن مقراً، "اذا كان العقيد القذافي قتل بعد وقوعه في الاسر، فسيشكل ذلك جريمة حرب، ويتعين على المسؤولين عن قتله المثول امام القضاء".

واضاف كورون في بيان ان "اجراء تحقيق لمعرفة هل يعتبر مقتل القذافي جريمة حرب ام لا امر غير مستحب بالتأكيد. إلا ان على المجلس الوطني الانتقالي تطبيق القواعد نفسها على الجميع من خلال ضمان العدالة حتى لاولئك الذين كانوا يحرمون الاخرين منها".

وطلبت منظمة العفو ايضاً اجراء تحقيق حول ظروف مقتل نجل القذافي، معتصم القذافي، الذي بينت صور نقلتها الصحف أنه كان حيا عند أسره ولم يكن مصابا بأي جرح.

وقال كوردون ان "ليبيا الجديدة يجب ان تبنى على احترام حقوق الانسان والعدالة وليس على الانتقام".

موازاة مع ذلك طلبت المفوضية العليا للامم المتحدة لحقوق الانسان ايضا اجراء تحقيق.

يوم الجمعة 21 أكتوبر نقلت وكالة أنباء رويترز عن الطبيب إبراهيم تيكا الذي فحص جثة القذافي 69 سنة "أثناء القبض على القذافي كان حيا لكن تم قتله لاحقا برصاصة اخترقت الاحشاء ثم صوبت رصاصة أخرى في الرأس دخلت الجمجمة وخرجت من الجانب الأخر".

وقال تيكا الذي فحص أيضا جثة المعتصم ابن القذافي بعدما قتل إن النتائج التي توصل إليها تظهر أن المعتصم قتل بعد والده.

موسكو ومغالطات الأطلسي

يوم الجمعة كذلك قال وزير الخارجية الروسية سيرغي لافروف ان القافلة التي كانت تقل معمر القذافي لم تكن تشكل خطرا حينما تعرضت لهجوم من طائرات الحلف الاطلسي، مشككا في ملابسات موت الزعيم الليبي.

واضاف لافروف متحدثا خلال مقابلة اذاعية مباشرة ان زعماء العالم الغربي استبقوا الامور باحتفالهم بموت القذافي.

وأشار لافروف "يفرض الشكل الذي حدثت بها وفاته تساؤلات كثيرة..ان افعال حلف شمال الاطلسي تهمنا ايضاً من منظور القانون الدولي".

وتابع لافروف انه سمع وزير الدفاع الفرنسي جيرار لونغيه يقول ان الطائرة الاطلسية التي اطلقت الصاروخ الذي ضرب مركبة القذافي "كانت تنوي وقف وليس تدمير" القافلة.

ومن ثم اتهم لافروف حلف الاطلسي بتجاوز التفويض الممنوح له دولياً والذي سمح له بفرض منطقة حظر طيران فوق ليبيا لحماية المدنيين.

وأكد لافروف "ليس هناك صلة بين الحظر الجوي ومهاجمة أهداف أرضية، بما في ذلك هذه القافلة، وخصوصا أن هذه القافلة لم تكن تهدد حياة أي مدنيين اذ لم تكن تهاجم احداً".

وأضاف لافروف "ليس امامنا سوى الاستناد الى الحقائق والقانون الدولي. القانون الدولي يقول انه خلال الصراعات المسلحة...تسري القواعد الانسانية الدولية".

وتابع "معاهدات جنيف تنص على أنه فور أسر عنصر منخرط في صراع مسلح فانه تنطبق عليه اجراءات معينة".

واستطرد "ان الصور التي شاهدناها على التلفزيون تظهر أنه أسر بينما كان جريحا، ومن ثم لاحقا، وبعد أن اصبح في وضع اسير، انتزعت حياته".

ودعا لافروف لتحقيق دولي في عملية القتل واضاف ان روسيا "واثقة أنه سيجرى تحقيق في ذلك".

واشار لافروف الى ان روسيا عارضت بشدة بدء الهجوم على ليبيا وسعى لايضاح ان بلاده انما تتبع الاتفاقات الدولية ولا تسعى لاثارة مواجهة مع الغرب، "نحن لا نريد ان نتصرف كثور هائج في متجر للخزف" في ما يتعلق بليبيا.

في العاصمة الانغولية لواندا اعلنت الرئيسة البرازيلية ديلما روسيف للصحافة البرازيلية يوم الخميس أثناء زيارتها لهذا البلد الأفريقي ان بلادها لا تحتفي بمقتل معمر القذافي الا انها تدعم التحول الديموقراطي واعادة الاعمار السلمي في البلاد.

وقالت روسيف في ختام جولة في افريقيا "ليبيا تشهد عملية تحول ديموقراطي. الا ان هذا الامر لا يعني اننا نحتفي بموت زعيم أيا كان".

تنصل

في مواجهة هذه الانتقادات الصريحة أو المبطنة صرح وزير الخارجية البريطاني ويليام هيغ إن القذافي تم القبض عليه حيا ثم قتل.

وأضاف "كنا لنفضل أن يواجه العدالة في محكمة الجنايات الدولية أو في محكمة ليبية. ولا نؤيد القتل من دون محاكمة. وفي نفس الوقت فإننا لن نعلن الحداد عليه".

حلف الاطلسي إدعى من جانبه انه لم يكن يعلم ان القذافي كان يتنقل ضمن القافلة، مضيفاً ان ضربته الجوية "نفذت فقط لخفض التهديد الموجه للسكان المدنيين".

وتابع بيان الحلف "كسياسة لا يستهدف الحلف الاطلسي افراداً".

بيانات الأطلسي وصفتها العديد من الأوساط بالتضليلة والكاذبة وأعادت مصادر غربية إلى الذاكرة ما أكدته وسائل إعلام عديدة ذات مصداقية منذ أشهر عن أن وحدات خاصة من القوات البريطانية والأميركية والفرنسية موجودة داخل ليبيا ومهمتها البحث عن العقيد القذافي.

وبعد مقتل الزعيم الليبي ذكرت صحيفة "صندي اكسبريس" البريطانية الصادرة يوم الأحد 24 أكتوبر أن قوات خاصة بريطانية تطارد سيف الاسلام نجل القذافي، بعد سقوط مدينة سرت.

وأضافت الصحيفة إن وحدة صغيرة من القوات الخاصة البريطانية والفرنسية كانت تقوم بمطاردة القذافي، وطُلب منها نقل تركيزها إلى سيف الاسلام بعد مقتل العقيد الليبي.

ونسبت إلى مصدر أمني قوله "إن فريقاً من نحو ثمانية جنود من القوات الخاصة البريطانية والفرنسية كان يطارد القذافي وصولاً إلى النقطة حيث تعرض موكبه لهجوم ثم قتل بعد أسره، وطُلب منالفريق أثر ذلك نقل تركيزه على الفور إلى سيف الاسلام".

في برلين نقل عن مصادر رصد تستقي معلوماتها من السفن الحربية الألمانية التي تمخر مياه المتوسط قرب السواحل الليبية والمزودة بأحدث الأجهزة الالكترونية، أن واشنطن وباريس ولندن كانت تسخر كل إمكانياتها العسكرية والتقنية لمعرفة مكان القذافي ولم تنجح إلا بعد ثمانية أشهر من القتال في تحديد مكانه بدقة.وتضيف نفس المصادر أن حكومات العواصم الثلاث كانت لا تريد أن يسقط القذافي حيا في الأسر حتى لا تحرج بكشف الكثير من الأسرار أثناء محاكمته.

وكما قالت صحيفة الـ"غارديان" البريطانية "لو كان ليقدم إلى المحاكمة، كان هناك كل احتمال أن يقوم بالإفصاح عن معلومات واسرار محرجة حول علاقات ليبيا مع القوى الاوروبية الكبرى وشركات النفط الدولية ورجال الدولة السابقين والحاليين الذين حصلوا على رشاوي وغسلوا أموالا عبر مؤسسات ليبية أو عربية في الخليج العربي مثل رئيس وزراء بريطانيا السابق توني بلير. كما أن العديد من شركات النفط تنفست الصعداء لأن مقتل القذافي يعني أنه لن يتم الكشف عن الصفقات المربحة والمشبوهة التي عقدتها سواء في ليبيا أو غيرها، وكذلك تمويلها للحركات الإنفصالية في القارة الأفريقية وشبه الجزيرة العربية وخاصة السودان ونيجيريا وأنغولا واليمن. كما تخلصت تنظيمات غربية إستخباراتية من خطر كشف تعاملها مع قطر وإيران وإسرائيل لزعزعة استقرار عدة دول، وكل هذه ملفات كان نظام القذافي يحتفظ بها كتأمين لحماية نفسه من الأبتزاز. غير أن المشكل هو أن دوائر في المخابرات الأميركية والفرنسية والبريطانية تخشى أن تكون بعض هذه الملفات قد نقلت من ليبيا إلى أطراف ثالثة قبل سقوط طرابلس".

وذكر محلل ألماني أنه بمقتل القذافي حقق البيت الأبيض هدفاً فشل في إنجازه منذ سنة 1986، ففي شهر ابريل من تلك السنة استهدفت غارة اميركية منازل القذافي في طرابلس وبنغازي وخلفت 44 قتيلاً.

وكانت واشنطن قد قطعت في يناير 1986 علاقاتها الاقتصادية مع ليبيا وقررت معاملة معمر القذافي "كمطارد" متهم "بالتورط" في اعتداءي روما وفيينا.

وولد القذافي، في السابع من يونيو 1942 تحت خيمة بدوية في صحراء سرت لعائلة رعاة فقيرة من قبيلة القذاذفة ونشأ على تربية دينية صارمة.وقد التحق بالجيش في 1965.

تبادل الصفعات

اللافت أنه في نطاق التبادل الهادئ للصفعات بين أجهزة الاستخبارات الغربية وفي رد على رفض برلين المشاركة عسكريا في حرب الأطلسي بليبيا ثم التسريبات التي تعري مشاريع واشنطن وأساليب ركوبها حركة التغيير في المنطقة، نشرت أخبارا مفادها أن برلين هي التي قادت الاطلسي إلى مكان القذافي.

مجلة "دير شبيغل" الألمانية الصادرة يوم الاثنين 24 اكتوبر ذكرت أن العثور على القذافي تم فيما يبدو بمساعدة جهاز الاستخبارات الألمانية، وأضافت إن جهاز "بي إن دي" كان على علم منذ أسابيع بمكان إقامة القذافي في سرت الواقعة على البحر المتوسط.

مباشرة نفى جهاز الاستخبارات الألمانية "بي إن دي" ما أوردته المجلة، وفي مقابلة مع وكالة الأنباء الألمانية "د.ب.أ" قال ديتر ارنت المتحدث باسم الجهاز إن الاستخبارات الألمانية لم تكن تعلم أن القذافي مقيم في سرت في ذلك اليوم.ووصف ارنت ما أوردته مجلة "دير شبيغل" أنه "محض افتراء"، مشيرا إلى التناقضات الموجودة في تقرير "دير شبيغل" والذي ذكرت فيه أن للاستخبارات الألمانية شبكة مصادر كثيفة في الشرق الأوسط وقد علمت بالضبط المكان الذي كان يختبيء به القذافي من الثوار.

البحث عن زعيم

حول توقعات المستقبل في ليبيا كثرت التعليقات والتوقعات، لكن المهم فيها ما جاء من الدول التي شاركت أكثر من غيرها في الحرب.

جاء في مقال افتتاحي لصحيفة "ذي غارديان" البريطانية يوم الجمعة تعليقا على مقتل العقيد معمر القذافي أنه إلى أن يتم العثور على زعيم جديد للبلاد، فان الميلشيات ستحتفظ باسلحتها، وانها ستقوم بتسليمها على مهل وبحذر وبشروط.

لن تملأ الفراغ الذي خلفه انهيار نظام القذافي فئة واحدة بل فئات كثيرة: فهناك المجلس الانتقالي الوطني الذي يضم في معظم عضويته رجال القذافي الذين التحقوا بالركب في الاشهر الاخيرة، والميلشيات الاسلامية التي شقت طريقها الى طرابلس، وبعضها كان مرتبطا بجماعة المقاتلين الاسلاميين الليبيين ذات العلاقة بـ "القاعدة".

وقد وصف زعيم الـ"قاعدة" الجديد أيمن الظواهري هؤلاء المقاتلين في تصريحات له اخيرا بانهم "جهاديو" ليبيا.

فهل كان يحاول بذلك أن يركب فوق موجة الفوز الذي يدعي "ناتو" انه حققه؟ ام أنه لا تزال هناك حلقة حقيقية؟ فرئيس المجلس العسكري المحلي في طرابلس عبد الحكيم بلحاج، لا يزال يلقى معارضة من منافسين في المجلس الوطني الانتقالي.

كما أن مقاتلي مصراتة الذين نقلوا جثة القذافي والذين قيل انهم عانوا من اسوأ نتائج الحملة العسكرية، تحدوا سلطة المجلس الانتقالي.

واذا لم تكن قائمة المشاكل هذه كافية، فان البلاد تغمرها الاسلحة.

هناك اجزاء واسعة من البلاد التي تبلغ مساحتها اربعة اضعاف مساحة العراق تعارض قيادة المستشار مصطفى عبد الجليل رئيس المجلس الانتقالي، لاسباب ليس اقلها انهم يستعيدون ذكرى انه كان وزير العدل في فترة القذافي، يشرف على تعذيب المنشقين وسجنهم.

وكانت هيئة "أمنستي انترناشونال" محقة في القول انه يجب الا يحجب مقتل القذافي ضحاياه من السعي وراء تحقيق العدالة.

الا انهم لا بد بسطاء اذا كانوا يعتقدون ان المجلس الوطني الانتقالي يستطيع تسليم الجناة الذي ارتكبوا الجرائم ومن بينهم من يمثلون جزءا من كيانهم.

وحتى الان لم يظهر اي زعيم وطني يستطيع ان يجمع بين اطراف هذه البلاد الممزقة.

فرئيس الوزراء الحالي محمود جبريل، الذي اعلن انه ينوي التخلي عن منصبه، ليس على وجه التأكيد الرجل المناسب.

والى ان يتم العثور على زعيم جديد، فان الميليشيات ستحتفظ باسلحتها وسيطرتها على المواقع المحلية، وسيبدأون بتسليمها على مهل وبحذر وبشروط.

واياً كان من سيرفع رأسه ليقود الفترة الانتقالية التي ستتحمل حصتها من الازمة، فان عليه ان يسترضي النظام القبلي الليبي.

ومن بين اكبر القبائل الليبية، قبيلة الورفلة التي بقيت على ولائها للقذافي حتى النهاية.

وبدءاً من اليوم، فان على ليبيا ان تعيد تشكيل مستقبل يكفل حقوق الانسان في ليبيا وعدم الاعتماد على التدخل الاجنبي.

وهذه مهمة صعبة في دولة ليس فيها تقاليد ديمقراطية بمفهومها الغربي ولديها الكثير من النفط.

ان الفصل الجديد من تاريخ ليبيا يبدأ الآن.

فصائل مسلحة خارجة عن السيطرة

جاء في تحليل لوكالة فرانس برس: على قادة ليبيا الجدد اعادة اعمار بلاد اكتسحتها ثمانية اشهر من الحرب وتشهد انقسامات قبلية وسياسية حادة.

ومع تقدم الثورة، تراجعت سلطة المجلس الوطني الانتقالي الذي انبثق من الثورة على الارض مع تشكيل الفصائل المسلحة الخارجة عن السيطرة و"المجالس المحلية" ولا سيما في المدن المحررة من سيطرة أنصار القذافي.

وتكمن احدى اضخم المهام في نزع السلاح واقناع الفصائل المختلفة المنتشرة في المدن والاحياء بذلك، لا سيما تلك التي لعبت دورا مهما في سقوط النظام القذافي.

فكل من قبائل شرق ليبيا ومصراتة والامازيغ يطالب بالاعتراف بوقوفه في الصف الأمامي ضد قوات القذافي.

وتطالب قبائل الشرق الاعتراف بدورها في انطلاق الانتفاضة.

كما ينبغي اجراء مصالحة مع مدن معروفة بكونها معاقل للنظام السابق على غرار سرت وبني وليد والرياينة وغيرها إلى جانب بناء الاقتصاد واستئناف انتاج وتصدير النفط.

لكن في غياب المؤسسات والاحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني يبدو الاسلاميون هم الاكثر تنظيما ويمكن ان يحظوا بثقل ملحوظ في المرحلة التالية.

فإلى جانب جماعة الاخوان المسلمين يحتل عناصر وقادة سابقون في المجموعة الاسلامية للقتال الليبية التي كانت موالية للقاعدة مناصب رفيعة في الاجهزة العسكرية والأمنية على غرار عبد الكريم بلحاج الذي يرأس حاليا المجلس العسكري في طرابلس.

وظهرت بوادر توتر بين الليبراليين والاسلاميين بعد عجز القادة الجدد عن الاتفاق في سبتمبر 2011 على تشكيل حكومة جديدة فارجئت الى ما بعد اعلان تحرير ليبيا بالكامل.

واعرب الرجل الثاني في المجلس الوطني الانتقالي، رئيس المكتب التنفيذي محمود جبريل عن مخاوفه من "فوضى" قد تنتج من "معركة سياسية" مبكرة.

ونبه الى ان "احد السيناريوات المخيفة هو ان ننتقل من حرب وطنية الى الفوضى".

من جانبه ذكر خبير الشرق الاوسط خوان كول لصحيفة "ذي غارديان" البريطانية: من الغباء ان ننفي احتمال قيام تمرد للقوات الموالية للقذافي على مستوى متدن في لحظة ما.

وهناك احتمالات أكبر وهزة اشد قد تنشأ عن الصراع المحتمل بين الميلشيات المتنافسة وعلية القوم الاقليميين مع تزايد حدة التسابق نحو السلطة في ليبيا الجديدة.

وكان المجلس الوطني الانتقالي قد نشر في مطلع سبتمبر "اعلانا دستوريا" يشكل خارطة طريق الى "ليبيا حرة" جديدة.

ويقضي النص بانشاء حكومة انتقالية بعد شهر على الاكثر من اعلان تحرير البلاد، تكلف تنظيم انتخابات عامة في غضون ثمانية اشهر من اجل تسليم السلطة الى مجلس منتخب.

وستكون مهمة الحكومة المؤقتة أيضاً الحيلولة دون قيام القوات الموالية للقذافي بشن أي هجمات من مناطق الريف، من شأنها أن تزعزع الاستقرار في الدولة العضو في "أوبك"، أو تهدد استئناف نشاط الصناعة النفطية.

ويبدو أن سيف الإسلام، أحد أكثر أبناء القذافي نفوذاً، ورئيس مخابراته عبد الله السنوسي ما زالا مطلقي السراح، وقد يكون بإمكانهما تجنيد أتباع مسلحين.

وقال القيادي في المجلس الانتقالي الليبي عبد المجيد مليقطة إن سيف الإسلام يتحرك في قافلة من ثلاث سيارات مصفحة في محاولة للفرار باتجاه النيجر.وأضاف أنه خلال الأيام القليلة الماضية كان عبد الله السنوسي، الذي يعتقد انه مختبئ في النيجر، يحاول تنظيم ممر آمن لحاشية القذافي للفرار من سرت.

وكان وزير خارجية النيجر قال انه علم من دول غربية أن السنوسي فر عبر الحدود الى أقصى شمال النيجر.

مهمة صعبة

يؤكد محللون غربيون وشرقيون إن ليبيا مشكلة من مجتمع قبلي والتحول نحو نظام حزبي قد لا يكون مجديا لأنه سيقوم على القبلية كذلك.

نظام القذافي رغم كل المآخذ المسجلة عليه نجح خلال 42 سنة في إبقاء هذه الفسيفساء تحت السيطرة.

وتوجد في البلاد اكثر من 140 قبيلة وعشيرة مختلفة تمثل اساس المنظومة الاجتماعية.

عملية إحلال الاستقرار مهمة تزداد صعوبة مع انتشار السلاح في ايدي الليبيين.

وقال خبراء "ان وجود هذا الكم من الاسلحة والذخائر بين ايدي مواطنين عاديين يعني ان أي خلاف سياسي قد ينقلب إلى مواجهة عنيفة".

زيادة على ذلك لم تعد في ليبيا قوة مسلحة مركزية تستطيع فرض سلطة الحكام الجدد، فقد تمت تصفية القوات المسلحة الليبية بشكل شبه تام والتي كان تعداد جنودها يقدر بحوالي 76000، منهم 59.2 في المائة يَنتمون للجيش و30.3 في المائة لسلاح الجو و10.5 في المائة للبحرية، وذلك على يد قوات حلف الأطلسي والمعارضة.

ودمرت طائرات ووحدات الكوماندو التابعة للحلف الأطلسي كل أسلحة الجيش الليبي الثقيلة وكل طائراته الحربية بالاضافة إلى نظام راداراته واتصالاته.

وقدرت أوساط الحلف الغربي أنه تم خلال الأسابيع الأولى من الحرب تدمير 273 طائرة مقاتلة، و41 طائرة عمودية مسلحة.

ويذكر أنه منذ بدء التدخل العسكري الأجنبي في ليبيا اصطلح الاعلام الغربي المهيمن عالميا على استبدال أسم الجيش الليبي بتسمية كتائب القذافي.

إضافة إلى تدمير غالبية السلاح الجوي الليبي ازاحت قوات الأطلسي من الخدمة حوالي 2000 دبابة للجيش الليبي من طرازات مختلفة ابتداء من تي 72 حتى تي 55 الروسية الصنع وآلاف المعدات الأخرى.

خسائر بـ 200 مليار دولار

يقدر خبراء عسكريون أن بناء جيش جديد لليبيا يحتاج على الأقل لثلاث سنوات حتى مع حساب هؤلاء من الجيش النظامي الذين أنضموا إلى المعارضة، وعلى حكومة طرابلس الجديدة أن تنفق عشرات المليارات من الدولارت لتعويض الخسائر في المعدات والقواعد.

وإضافة إلى إعادة بناء القوات المسلحة قدر خبراء خسائر ليبيا نتيجة الحرب بأكثر من 200 مليار دولار، حيث دمر جزء ضخم من البنية التحتية وعدد من المدن مثل سرت وبني وليد دمرت بشكل رهيب أساسا نتيجة القصف الجوي للحلف الأطلسي.

الغربيون وفي مقدمتهم فرنسا والولايات المتحدة وبريطانيا يريدون الاستحواذ على ما يسميه الاقتصاديون الكعكة الليبية وهم لا يخفون هذا.

وزير الدفاع الفرنسي جيرار لونغيه أعلن في حديث نشرته صحيفة لوموند يوم الجمعة 21 أكتوبر ان فرنسا تنوي لعب دور "شريك اساسي" في ليبيا التي يعلم قادتها الجدد انهم "مدينون لها كثيرا".

وتابع لونغيه ان "بلدان التحالف ستتخذ على الارجح مواقف أكثر ثنائية في علاقاتها مع ليبيا وستحاول كل واحدة من الاستفادة من ذلك".

واضاف "لن نكون الاخيرين لم يكن تدخلنا متاخراً ولا رديئاً ولا مشكوكاً فيه، وليس لدينا ما يجب ان نطلب الصفح عنه".

وتابع الوزير الفرنسي ان باريس كانت "شريكاً اساسياً في العملية باستخدام تحالفاتها، الاتحاد الاوروبي وحلف شمال الاطلسي كوسائل وليس كاوصياء".

واضاف ان "فرنسا استمدت من اتفاقها مع بريطانيا موقع قوة سياسياً داخل الاتحاد الاوروبي اتاح لها استصدار قرار في مجلس الامن الدولي ثم تسليم المهمة الى الحلف الاطلسي".

تييري كورتيني المدير العام لاتحاد أرباب العمل الفرنسي "ميديف انترناسيونال" والذي يمثل مصالح كبرى الشركات الفرنسية في الخارج، ذكر أن تكلفة إعادة بناء ليبيا تقدر بنحو 200 مليار دولار على الأقل على مدى عشر سنوات في إشارة إلى تطلع كبرى الشركات الفرنسية الآن للاستفادة وقالها "كورتيني "صريحة "ان هناك سوقا ينبغي الفوز بها.

ودخلت أيضا انكلترا منافسة على الفرصة الذهبية والحصول علي جزء من الكعكة لإفادة اقتصادها الذي اصبح في موقف لاتحسد عليه بعد أزمة منطقة اليورو.

المحلل والكاتب الأميركي استيفن لندمن الذي يراقب التطورات التي تشهدها ليبيا في الأشهر الأخيرة، صرح ان حلف شمال الأطلسي "الناتو" يطمح في الهيمنة على مصادر الثروة في ليبيا.

وأردف قائلاً "ان الأهداف الرئيسية للبلدان الغربية وخاصة الولايات المتحدة الأميركية تتمثل بنهب الثروات والاستغلال وانتهاز الفرصة لتعزيز هيمنتها العسكرية والسياسية على ليبيا".

يذكر أن مندوب موسكو لدى الناتو صرح في بداية صيف 2011: ان هناك حملة صليبية من أجل النفط.

ورأى المندوب وهو "دميتري روغوزين" في حديث لصحيفة "يورو ابسيرفر" الإلكترونية أن عملية الناتو في ليبيا تعني نهاية توسع الحلف نحو الشرق وبدء حملته الصليبية بغية كسب النفط في الشرق الأوسط.

وكانت ليبيا تنتج 6.1 مليون برميل نفط يومياً قبل الحرب في فبراير/شباط وهي سوق تثير اطماع العديد من الدول.

اقرار بالمكاسب

يوم الخميس 1 سبتمبر 2011 وقبل التخلص من القذافي بخمسين يوما افادت صحيفة ليبراسيون الفرنسية ان فرنسا ابرمت اتفاقاً مع المجلس الوطني الانتقالي الليبي في بداية النزاع يمنحها 35 في المئة من النفط الليبي.

ونشرت الصحيفة رسالة تحمل تاريخ 3 ابريل موجهة من المجلس الوطني الانتقالي إلى أمير قطر ويقول فيها المجلس أنه وقع "اتفاقاً يمنح 35 في المائة من اجمالي النفط الخام إلى الفرنسيين مقابل الدعم الكامل والدائم لمجلسنا".

وزير الخارجية الفرنسي الان جوبيه عندما سؤل عن الموضوع أجاب لإذاعة "آر تي ال" ان "لا علم له" بذلك، معتبراً في الوقت نفسه أنه من "المنطقي" ان تحظى الدول التي ساندت الثوار بامتيازات في عملية إعادة الاعمار.

واضاف ان "المجلس الوطني الانتقالي قال بشكل رسمي انه سيعامل الذين ساندوه بافضلية في اعادة الاعمار، وهذا ما يبدو لي امراً منطقياً وعادلاً".

اذا كان هذا جزء من حصة فرنسا من الكعكة الليبية فإن واشنطن لا يمكن أن تقبل بنصيب أقل.

المحلل ستيفن كولينسون كتب لوكالة فرانس برس يوم الجمعة 21 أكتوبر "يبدو ان مقتل الزعيم الليبي القذافي اثبت صحة الاستراتيجية الحذرة لباراك اوباما، لكن المكاسب السياسية للولايات المتحدة تبقى غير اكيدة قبل 13 شهرا من انتخابات رئاسية تبدو صعبة للرئيس الاميركي. ومع نهاية القذافي، يمكن لاوباما ان يفاخر بتصفية ثلاثة من اكبر اعداء بلده بعد اسامة بن لادن في مايو والامام اليمني انور العولقي شهر سبتمبر".

لقد تردد أوباما بشأن مشاركة القوات الاميركية البرية في حرب مفتوحة في ثالث بلد مسلم بعد العمليات المكلفة والتي اسفرت عن سقوط عدد كبير من القتلى الأميركيين في افغانستان والعراق.

وطبق تكتيكي الحرب الناعمة وعبر الوسطاء، وباختياره اللجوء الى الوسائل الجوية فقط وترك هامش كبير للفرنسيين والبريطانيين، واجه الرئيس الاميركي انتقادات حادة من خصومه الجمهوريين الذين اتهموه "بالقيادة من بعيد" والتضحية بالمكاسب الاقتصادية خاصة النفط، بينما رأى آخرون انه تجاوز صلاحياته الدستورية بشن حرب بدون موافقة الكونغرس.

ولم يكف مسؤولو ادارته عن التأكيد على ان نظام القذافي سينتهي بالانهيار وهي نبوءة تحققت منذ سقوط طرابلس في اغسطس وتناقص المعاقل الموالية لنظام القذافي تدريجياً.

وعلى الرغم من تفوق الفرنسيين والبريطانيين في سماء ليبيا، كان دور الولايات المتحدة حاسماً: فوحدها واشنطن يمكنها تنظيم عملية كهذه نظراً للاحتياجات اللوجستية والاستخباراتية.

وقال ليس غيلب الخبير في المركز الفكري مجلس العلاقات الخارجية في واشنطن ان "الولايات المتحدة قامت بالقيادة عن بعد ولم تقم بالجزء الاكبر من الطلعات الجوية. لكنها كانت المحور الاساسي لهذه العمليات".

الحساب

صحيفة "اندبندنت" البريطانية قالت ان مما يثير القلق هو ان القذافي مات مقاتلا في مدينته سرت مما سيسمح لولادة اسطورة حوله.وذكرت ان المشكلة الاساسية هي سلاح الميليشيات.

واشارت الى سجل المجلس الوطني غير المشجع في مجال حقوق الانسان خاصة ان عمليات الانتقام ضد مؤيدي القذافي قد زادت منذ سقوط طرابلس قبل شهرين. وفي ضوء الفوضى التي تعيشها ليبيا يجب على المجلس الانتقالي ان يثبت نفسه.

وختمت بالقول ان موت القذافي ليس الا بداية النهاية فالجزء الصعب جاء.

من جانبه علق الكاتب روبرت فيسك ساخراً على علاقة الغرب مع القذافي حيث احبه الغرب ثم كرهه ثم احبه وكرهه وهكذا دواليك واضاف في مقاله "علينا ان لا نلوم القذافي اعتقاده ان كان رجلا من الاخيار".

واشار الى خداع الغرب في تصويره للقذافي خاصة بلير الذي اعلن ان العقيد قد تخلى عن اسلحة الدمار ساخراً منه "هذا بلد لا يمكنه اصلاح مرحاض".

ومن هنا فقد ذهب الرجل الذي تخلص من الملك ادريس ثم ارسل أسلحة للجيش الايرلندي الحر ...إلخ، وتساءل هل نلوم الرجل اعتقاده أنه كان طيباً؟ وطرح اسئلة عدة منها ان العواصم الغربية شعرت بالارتياح لانه ذهب ولم يترك اثراً عن تعاونه معها.

وختم مقاله بالقول لا تقلقوا لأن هيلاري كلينتون التي شاهدت صوره يقتل على نقالها "بلاكبيري" سعيدة بمقتله.

يوم السبت اعلن الرئيس الاميركي باراك اوباما ان قرار واشنطن سحب قواتها من العراق بحلول نهاية العام ومقتل الزعيم الليبي القذافي هما بمثابة "تذكير" جديد بالقيادة الاميركية على الصعيد الدولي.

وشدد على "اننا حققنا أهدافنا" من دون ارسال جندي واحد الى ليبيا.

عمر نجيب