السامرائي يكتب عن تجربة الأسر في قصور آيات الله

أدب الأسر

عمان ـ صدر عن دار فضاءات للنشر والتوزيع في عمَّان كتاب (في قصور "آيات الله") للكاتب العراقي نزار السامرائي، وجاء في 532 صفحة من القطع المتوسط، صمم غلافه الفنان نضال جمهور.
ويستعرض الكتاب بلغة شيقة، أقرب ما تكون إلى لغة الرواية، عشرين عاما إلا شهرين من الأسر قضاها المؤلف في السجون الإيرانية، ولا نغالي إذ نقول إن الكتاب يكاد يكون وثيقة تاريخية على مرحلة من أهم المراحل التي مرت بها المنطقة.
وعبر الدكتور جاسر علي العناني عن ذلك في تقديمه للكتاب فقال:
"إذا جاز لي أن أسمي هذا الكتاب الذي كتبه الأستاذ نزار السامرائي، وأصنفه تحت عنوان (أدب الأسر)، فإننا نرى فيه ما هو أكثر من الأدب، وأكثر من مذكرات شخصية. إنه بانوراما هائلة من المخزون الإنساني في مناحٍ عديدة من الحياة، فرغم تنويه الكاتب في بداية الكتاب إلى أنه لا يؤرخ لمرحلة تاريخية، بل يكتب مذكرات إنسان رمت به الأقدار في سجون الأسر الإيرانية، فإن التاريخ والجغرافيا، والتحليل السياسي، وتصوير المشاعر الإنسانية بقوتها وضعفها، عناصر تتزاحم في الكتاب، مما يجعل القارئ يحار في تصنيفه بين التاريخ والجغرافيا، والأدب، وعلم النفس، والمذكرات الشخصية."
ويضيف العناني قائلا "وما أشبه هذا الكتاب بمسرحية بطلها شخص واحد، لكنه يستطيع أن يستولي على إيقاع التشويق في نفس القارئ والمشاهدين حتى النهاية دون كلل أو ملل، بحيث يجعلك تقرأ مجريات هذه (المذكرات/ التاريخ) بنهم شديد حتى تنتقل من واقعة إلى أخرى مدفوعاً بحب الفضول متسائلاً (ماذا سيحدث؟ ماذا بعد؟...)".
ويستطرد د. جاسر العناني فيقول: أما في الجانب الإنساني فقد استطاع الكاتب أن يقدم صوراً تعجز أجهزة التكنولوجيا الحديثة عن التقاطها، لأنها صور من داخل النفس الإنسانية، تسبر أغوارها، وتصف بدقة وشفافية كل انفعالاتها في ضعفها وقوتها.
ولا نستطيع أن نقفز على قضية وظفتها هذه المذكرات بشكل واضح، وهي الوطن بوصفه قيمة إنسانية متغلغلة في شخصية الفرد، لا مكاناً فقط ذا معالم جغرافية محددة، توجه آماله وتصرفاته حيال الآخرين، وخصوصاً عندما يكون هذا الإنسان في وضع حرج تطبق عليه الهموم والرزايا بأنيابها، فيتشبث بهذه القيمة العالية وكأنها حبل النجاة الوحيد الذي يمتد إليه في هذه الظروف العصبية.
بهذا الزخم الهائل ينقلنا الأستاذ السامرائي بين سجون الأسر والمنافي الإيرانية، فنرى الحقد بأبشع صوره، والوفاء في أجمل تجلياته. ونرى الوفاء جلياً بين زملاء ورفاق السلاح، فرغم أن مصيبتهم واحدة نجدهم يشدون أزر بعضهم، يساعد القوي الضعيف، والمعافى السقيم، ويبقون على العهد حتى آخر اللحظات في هذا الأسر المظلم والظالم.
وبإزاء هذه المأساة الإنسانية فإننا لا نملك إلاّ أن نردد بيت أبي الطيب المتنبي: إذا كانت النفوس كباراً ** تعبت في مرادها الأجسام أسئلة كثيرة وملحة يطرحها الكاتب في كتابه ويناقشها في محاولة منه للوصول إلى حلول موضوعية وحقيقة، فيبدأ بسؤاله عن الحرب العراقية – الإيرانية، هل كان بالإمكان تجنبها والركون إلى حل يرضي الطرفين؟
ومن هو القادر على أنْ يفعل ذلك؟ وكيف يستطيع إنجاز مثل هذه المهمة؟
وهل كان بالإمكان تجنب المآسي الإنسانية والمادية التي رافقتها ونجمت عنها؟ ثم أضافت إلى المجتمع العراقي كما المجتمع الإيراني، أمراضاً وعقداً هي الإفراز الطبيعي لأية حرب، خاصة إذا كانت بحجم حرب الثماني سنوات والنيران التي أشعلتها، والتي أتت على كل شيء مرت عليه أو بقربه، ودمرت ركائز اقتصادية كانت قائمة، أو مشاريع في طريقها أنْ تصبح شواهد في كلا البلدين، وعطلت برامج التنمية فيهما على حد سواء. وغيرها الكثير الكثير من الأسئلة.
إنه كتاب صاغه الألم وأنجزته المعاناة التي استمرت عشرين عاما إلا شهرين، وكم سيذهل القارئ أمام كم الادعاءات التي يميط الكاتب عنها اللثام ويعري زيفها، وسنترك مجاهيل الكتاب وعوالمه للقارئ ليرى إلى أي مدى سيكون وجها لوجه مع الحقيقة المؤلمة.