الساسة... الدعاة!

إن الإصرار على إستغلال المنابر من قبل جماعة الإخوان المسلمين وأحزاب التيار الإسلامي بصفة عامة في كل مناسبة سانحة يثير بعض الإشكاليات حول مضامين محددة بشأن الخلط بين ما هو دعوي وما هو سياسي بطريقة توضح إصرار تلك الجماعات على تبني فكرة هذا الخلط.

وقد سبق أن حدث ذلك الخلط بصور متعددة في عدة مناسبات كان أخرها بالأمس، عندما قرر أعضاء جماعة الإخوان إحتلال منابر المساجد والساحات لتعليق اللافتات المؤيدة للجماعة، وتوزيع المنشورات التي تبرز إنجازات الرئيس في الفترة الماضية، كذلك الترويج لمسودة الدستور التي تم طرحها للنقاش مؤخراً تمهيداً لدعاية واسعة النطاق التي تحضر لها الجماعة للحث على الموافقة على الدستور الجديد في الاستفتاء الشعبي عليه.

والحقيقة أن تلك التصرفات – على الجانب الأخر – تعد بمثابة إرهاصات أولية حول حجم الاستعدادات التي تقوم بها الجماعة الأن لخوض الانتخابات البرلمانية التي سوف تأتي مباشرة بعد إقرار الدستور الجديد والموافقة عليه.

يثير أيضا النظر إلى المساجد ودور العبادة كأداة للتواصل سياسياً مع جماهير الناخبين بعض الملاحظات حول التناقض الذي يظهر في تصريحات قادة الإخوان حول الإخفاقات الفعلية لعدد من وسائل الإعلام، وإيمان هؤلاء القادة بنظرية المؤامرة بشكل مبالغ فيه تجاه جميع وسائل الإعلام المتعددة، ذلك التناقض يطرح العديد من التساؤلات حول إستغلال المنابر وساحات الدعوة والعمل الخيري كوسائل إعلام من نوع أخر إختار ياسر عبدالعزيز الخبير الإعلامي المعروف أن يطلق عليه "إعلام المنابر".

لا تقف تلك الممارسات عند هذا الحد وحسب، بل أيضا تطرح الكثير من الشكوك فيما يتعلق بترسخ فكرة الديمقراطية وملحقاتها من حرية تعبير وحق إبداء الرأي وتوجيه النقض إلى جانب حق الاختيار بإرادة حرة دون التعرض إلى محاولات التوجيه أو الإثناء أو التضليل بين أولويات أتباع ذلك التيار.

نعود لقضية الدستور، ففي وجود جمعية تأسيسية تحوم حولها الشكوك القانونية والإجرائية، وتعاني من انعدام التوافق بين القوى السياسية والحزبية للدرجة التي أوصلتها إلى تخلي غالبية القوى المدنية وحتى الإسلامية عن تبني مسودة الدستور المطروحة، ولك أن تتخيل شكل وصياغة ومضمون ذلك الدستور الذي قد يخرج عن تلك الجمعية بتشكيلها الحالي وتأثيره المباشر على الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية في مصر!

ومن ثم فإن استعداد القوى المدنية لما سوف يحدث من قبل الجماعة لتمرير ذلك الدستور عبر الاستفتاء الشعبي مهما كلفها الأمر، والمنهج الذي قد تتبناه في سبيل ذلك يعد أهم التحديات التي يجب أن تتم دراستها من قبل قوى المعارضة بداية من الآن وحتى تاريخ الاستفتاء لمجابهة تلك الأساليب التي إعتادت على إنتهاجها جماعات الإسلام السياسي لتمرير الأفكار التي تؤمن بها، ولتحقيق مصالحها من خلال توجيه العقل الجمعي للجماهير البسيطة في إتجاه الوصول إلى أهدافها!

أحمد أبودوح