الزار.. تراث يرفض رفع الراية البيضاء

القاهرة ـ من وكالة الصحافة العربية
جزء من الموروث الثقافي المصري الأفريقي

رغم غرابة طقوسه واعتراض البعض عليها من الناحية الدينية ـ ومن ناحية جدواه العلمية بالطبع ـ لكنه بلا جدال يظل ـ بكل ما به من مظاهر فنية وشعبية ـ جزءا من التراث الشعبي والفني الذي كاد يندثر. إنه «الزار»، هذا الطقس الشعبي الفني الذي ربما لم يتح لمعظمنا حضوره قط، إلا أنه اليوم وجد من يهتم به فنيا لينظم له حفلات دورية يتعرف منها الجمهوران المصري والأجنبي على الوجه الفني له.

بسمة حبيب مساعد مدير مركز «مكان» الثقافي بالقاهرة، والذي اشتهر بإقامة حفلات الزار بصورة دورية، قالت: إن الزار يمثل جزءا من الموروث الثقافي المصري الأفريقي قارب على الانقراض، وفي ظل سعينا لحماية كل ما هو تراثي قررنا إقامة حفلات الزار بشكل يغلب عليه الطابع الفني، ونعتبر نحن المكان الوحيد الذي يقدمه كعرض ثابت.

وأوضحت: أن المركز يستهدف تعريف الناس بثقافة غير معروفة إلا بصورتها النمطية، فكل من يأتي يتوقع أن يكون الزار بشكله التقليدي المقدم من قبل وسائل الإعلام المختلفة، أي أن يتضمن ذبحا للحيوانات وما إلى ذلك من طقوس، وإنما الحقيقة أنه يتناول الزار بشكل روحاني فني وتقديمه بألوانه الثلاثة المعروفة وهي: اللون المصري، والسوداني، والحبشي، حيث يتضمن العرض مزيجا من الألوان الثلاثة.

وعن الأدوات المستخدمة في العرض لاسيما غير المعروفة منها، قالت "بسمة": هناك «الطنجور»، وهو مثل الحزام يلبسه أحد أعضاء الفرقة حول وسطه ومكون من حوافر الأبقار والدواب، و«الطنبورة» وهي آلة عزف تصنع يدويا شبيهة بالقيثارة، وهاتان الأداتان تعدان من المكونات الأساسية التي لا غنى عنها في الزار.

فن أفريقي

ويحرص على الحضور أسبوعيا بصحبة فوج من الطلبة الدكتور "سيد صادق"، أستاذ علم الاجتماع السياسي بالجامعة الأميركية، معللا ذلك بأن مركز «مكان» يرعى الفنون التي أوشكت على الانقراض فلا يوجد مكان سواه يقوم بتقديم الزار تحديدا، كما أنه من المواقع الثقافية القليلة التي تقدم الزار على الطريقة السودانية، ويحرص على أن يتعرف طلابه على الثقافات والفنون الأصيلة خاصة الأفريقية منها.

وأضاف: أن الزار هنا ليس بعيدا عن الزار بشكله القديم غير أنه لا يتضمن بالطبع الطقس المتعلق بالذبح، فالأغاني التي تغنى بالزار لها إيقاع معين تبدو فيه الموسيقى هادئة في البداية مع كلمات غزل في الجن المتلبس بالمرأة لتهدئته، ثم تعلو الموسيقى وتدق الدفوف وتقرع الطبول بقوة لإخراجه منها.

بينما عبرت الطالبة "مها طنطاوي"، أحد الحضور، عن تمتعها بالحفل وتحديدا الموسيقى المصاحبة للإنشاد خاصة أنها المرة الأولى التي تحضر فيها حفلا للزار، بالإضافة لكون المكان ـ بهيئته العتيقة ـ يتناسب مع ما يقدم مما يجعلها تشعر كأنها في زار حقيقي.

وعن مدى مطابقة ما شهدته من زار لتوقعاتها قالت "مها": لم يختلف كثيرا عن الصورة التي توقعتها لأني أعلم أن الإعلام يقدمه بشكل مبالغ فيه، بالإضافة إلى أن المكان يعد مركزا ثقافيا، وبالتالي توقعت أنه سيقدم بشكل أقرب للفن.

وأبدت "سيرينا بيلكاست"، سائحة إيطالية، إعجابها بالزار للغاية، حيث إنها أول مرة ترى شيئا كهذا خصوصا أنه بالنسبة لها يمثل جانبا لم تره من قبل في الثقافة المصرية حتى وإن لم تفهم معنى الكلمات فالموسيقى وحدها تكفي.

وشددت "بيلكاست" على دهشتها بالطريقة التي يتم بها عزف الموسيقى والدفوف، حيث تبدأ بطيئة ثم تتسارع مصحوبة بالتصفيق، موضحة أنها عرفت أن هذه الموسيقى كانت تستخدم من قبل لطرد الأرواح.

وتقول "باني"، سائحة أميركية، إنها قرأت عن الزار المصري عن طريق الإنترنت، وتخيلت قبل الحضور أنها على وشك رؤية طقس لطرد الأرواح، إلا أنها وجدت أنه ركز على الجانب الفني للزار والأغاني فقط، موضحة أنها على الرغم من أنها لم تستطع فهم كلمات الأغاني لكنها استمتعت كثيرا بالموسيقى وأصوات المغنيين.

وأكدت "مديحة"، مغنية بفرقة الزار: أنها انضمت للفرقة عند بداية تأسيسها منذ 10 سنوات، وأنها ورثت عملها كـ «كودية زار» أما عن جدة، غير أنهم كانوا يمارسون طقوس الزار كاملة وبهدف طرد الجن، إلا أن المركز يقدم الزار سماعيا فقط، ومن الأغاني التي يستخدمونها في الزار «حكيم باشا»، و«أسمر يا حليوة »، وكلها موروثات شعبية تغنى للتغزل في الجن محاولة لتهدئته.

وأضافت "مديحة": أن الفرقة تقوم بعمل حفلات خارج مصر، محاولة منها للتعريف بجزء أصيل من ثقافة فنية مصرية، وأنها سافرت مع الفرقة إلى فرنسا 7 مرات، وأنهم يطلبوننا لإحياء حفلات هناك كل عام تقريبا.

يذكر أن الزار هو مجموعة من الطقوس الشعبية لطرد الجن الذي يعتقد البعض أنه يتلبس الناس، لذلك فالزار يقوم عند معتقديه بوظيفة علاجية، وهذا الطقس له كلمات ورقصات خاصة تصاحبها دقات معينة صاخبة على الدفوف.

والزار كلمة مستعارة على الأرجح من اللغة الأمهرية، ويذهب بعض الباحثين إلى أن أصل كلمة الزار عربي، وهي من زائر النحس وقيل إن لفظ زار محرف من إله وثني عند الحبشيين.

وجرت العادة بأن يقوم بهذه الطقوس الخاصة بطرد العفاريت واستحضارها امرأة هي الشيخة، وعند عامة مصر تسمى «الكودية»، وتختلف معالجتهن للعفاريت باختلاف المكان الذي جاءت منه، وذلك لأنهن يفرقن بين عفاريت مصر، وعفاريت الصعيد، والسودان، كما يفرقن أحيانا بين عقائد العفاريت ومهنها.