الريحاني يكتب عن قوة الكتابة وكتابة القوة

بقلم: محمد سعيد الريحاني
الكتابة مرآة

1 ـ الكتابة مرآة كاتبها كما لا يمكن للممثل أن يمثل غير نفسه، على طول مشواره الفني، سواء كانت الأدوار هزلية أو درامية؛ كذلك لا يمكن للقاص أن يكتب غير ذاته بواقعها وتطلعاتها مُسْقطَيْنِ على الآخر وعلى المجتمع وعلى الإنسانية جمعاء.
إن القصة القصيرة هي مرآة كاتبها، ومن خلاله تصبح القصة القصيرة مرآة للحياة الإنسانية أيضا. 2 ـ لماذا الكتابة؟ القاعدة هي أن الكاتب يكتب ليغير العالم، كما قال جون جونيه ذات مرة. لكن عندما يفشل الكاتب في ذلك التغيير، فإنه يتحول للكتابة كي لا يموت ذلك التغيير في أعماق ذاته.
ولذلك يلجأ للكتابة عن عالم آخر من صنع مخيلته، ويبقي بذلك باب الحلم بغد أفضل مشرعا أمام الأجيال القادمة كتابا وقراء، ساسة ومواطنين. 3 ـ الكتابة لمن؟ القارئ هو شريك الكاتب في عمله. فالكتابة والقراءة، بهذا المعنى، هما وجهان لعملة إبداعية واحدة: الشراكة الإبداعية. لكن لهذه الشراكة أصولها وأهمها: التكافؤ، الثقة، الحرية، الانفتاح.
فإذا كان كل كاتب يرسم صورة للقارئ الذي سيكتب له، فأنا أعترف بأنني لا أكتب لقارئ مجرد خارج التاريخ. إنني أكتب لقارئ خاص في شروط تاريخية محددة. ومن خلال هذا القارئ المحلي أخاطب كل قراء العالم. فكلما كان جمهور القراء أقل كان الأثر والتأثير أعمق.
لقد كتب جون بول سارتر مرة "علاقة الكاتب بالقارئ شبيهة بعلاقة الذكر والأنثى."
وتأسيسا عليه، فالتكامل بينهما هو الطريق الأوحد لضمان النسل والتناسل. أما غياب أحد طرفي هذه العلاقة فكفيل بإنهائها. فلا وجود لكتابة إلا بوجود قارئ إذ لا يمكن تصور كتابة إلا وكانت القراءة ملازمة لها.
هذا التعاون بين الكتابة والقراءة هو جوهر العملية الإبداعية. لكن هذا التعاون لا يصبح تعاونا إلا إذا قاربت صورة القارئ صورة الكاتب ذاته. أي أن تبدو الكتابة مرآة يجد فيها الكاتب والقارئ صورتيها. آنذاك فقط تصبح تجربة الكاتب تجربة لعموم القراء ويصبح موقف الكاتب من الوجود موقفا عاما لدى أوساط القراء. 4 ـ شكل الكتابة طريقتي في الكتابة تختلف عن طريقة غيري من المبدعين. فأنا لا أكتب سطرا بسطر، فقرة بفقرة، نصا بنص. أنا أكتب بالمجموعة القصصية وليس بالنصوص الفردية المتفرقة. الأمر يتعلق بثلاث مراحل.
في المرحلة الأولى، أحدد التيمة المحورية للمجموعة القصصية أو المبحث الدي ستدور حوله كل النصوص القصصية المفترضة. بعد ذلك تأتي النصوص اتباعا بشكل قد يبدو للقارئ، بعد اكتمال العمل، كما لو كانت المجموعة القصصية كلها نصا واحد يتكرر بأساليب مختلفة وعناوين متجددة.
المرحلة الثانية، مرحلة تحديد المحاور ومواضيع الكتابة، وهي مرحلة جمع المادة القصصية وتدوينها من خلال مشاهدات عابرة أو خواطر رفيعة أو تجارب حية.
ولأن الأمر لا يعدو كونه تدوينا، فقد أشرع في التحرير وأنا مستلق على فراشي أو تحت شجرة، أو على متن قطار أو واقفا في طابور أو مترجلا في الشارع. المهم هو تدوين الملاحظات والأفكار والأحاسيس الهاربة من دون رجعة والتي لن يكون بإمكاني الإمساك بها في يوم من الأيام.
أما المرحلة الثالثة، فهي مرحلة تدوين النصوص على ضوء التيمة المحورية المحددة لكل النصوص القصصية، وهذا اعتمادا على خطاطات المشاهدات والخواطر المراكمة في المرحلة السابقة. 5 ـ توقيت الكتابة الكتابة كفعل يومي ترتبط بتدوين الأفكار الهاربة والأحاسيس العابرة والرؤى المنفلتة في أي مكان وفي أي وقت. أما الكتابة التي تعنى بتدوين المدون استعدادا للنشر النهائي للنص، فأعترف أنني لا أكتب إلا أيام العطل. ذلك أن فكرة الكتابة في "الوقت الميت" لاتستهويني إذ لا يمكن لكتابة لا تتوافر حتى على الوقت الكافي أن تحقق تماسكها الداخلي أولا ثم تحدث أثرا مرسوما سلفا على جمهور القراء.
أنا أكتب أيام العطل، وأبدأ تحرير مسوداتي عموما بعد منتصف الليل، زمن السكينة والهدوء، وقد لا أنتهي من تدوين النص الواحد إلا مع شروق اليوم الموالي. لكن الطقوس المصاحبة لعملية التحرير هذه والإجراءات المحركة لعملية التدوين والمنشطة له هي ما يضفي على النص "قوة" يفتر أثرها ويبهت في نصوص كُتَّابِ "الوقت الميت". 6 ـ كتابة القوة وقوة الكتابة ثمة مرحلتان تتحكمان في مسار النصوص التي تتقصد "القوة" كغاية فنية. ففي مرحلة ما قبل الشروع في كتابة أية مسودة، أقرأ هذه التعويذة:
"أريد كتابة نص قوي يرفع القارئ إلى أعالي الحرية والإبداع والمتعة."
ثم أشرع في قراءة القصاصات وتصور السيناريوهات الممكنة: طرائق السرد المناسبة، حضور الحوار أو غيابه، نوع الشخوص، الزمن، الفضاء.
أما في المرحلة الثانية، مرحلة الكتابة، فأردد تعويذة ثانية:
"أنا الآن أمسك بخيوط القوة في النص ولا ينبغي لي التوقف أو حتى خفض الإيقاع حتى نقطة النهاية."
وذاك ما يكون: لا أتوقف عن الكتابة حتى آخر نقطة في آخر فقرة، نقطة النهاية.
أما في المرحلة الثالثة والأخيرة، مرحلة ما بعد الكتابة، فلها تعويذة ثالثة:
"لم أكتب في يوم من الأيام نصا قويا كهذا: اعتصرني بقوة واعتصرته بقوة."
ثم أعود لقراءته ثانية باحثا بين ثناياه عن عناصر القوة ومشذبا إياه من عناصر الضعف والخلل. وهذه العملية، عملية تثبيت القوة داخل النص وتشذيبه من الشوائب، تتطلب أياما وأسابيع وشهورا وأحيانا سنوات قبل نشر النص بصفة نهائية.
إن كل نص لا يحمل في ثناياه قوة يستشعرها القارئ هو "نص زائف" لـ "كاتب زائف". إن الكاتب الحقيقي هو من أدرك طبيعة قدره كجسر تعبر فوقه "قوة الإبداع" نحو القارئ لتحقق نبوَّتها. والكاتب، في سبيل تحقيق وظيفته التاريخية، مدعو للوعي بقنوات التصريف الناجح لقدراته. لكنه لن يصل إلى تلك الحقائق إلا داخل محراب خلوته. محمد سعيد الريحاني
باحث وقاص ومترجم مغربي