الروس قادمون: هذه المرة بثورة ثقافية شاملة

موسكو
المسرح شهد انطلاقة جديدة

تشهد الحياة الثقافية في روسيا اليوم نموا من الصعب عدم ملاحظته. فالسينما والمسرح اللذان كانا على قدر قليل من التجارة انتعشا وبدآ بمضاعفة قواهما.

ولم يكن في روسيا في اي وقت من الاوقات ذلك العدد من المسارح الموجودة اليوم. ففي موسكو وحدها هناك 138 مسرحا من بينها 62 مسرحا محترفا وهذا الرقم يزيد بمرتين عما كان فيها في مطلع التسعينات. وتعد مسارح العاصمة سنويا اكثر من 100 مسرحية وربما كان ذلك بفضل سلطات المدينة التي تأخذ على عاتقها دفع 85 بالمائة من التكاليف.

والى جانب مسرحي البولشوي والمالي الكلاسيكيين، اللذين يبلغان من العمر 250 سنة، يقف في افيش مسرح العاصمة العشرات من مسارح الاطفال ومن ضمنها مسرح الدمى والمسرح الموسيقي ومسرح كتاب الطفل ومسرح القطط الفريد من نوعه في العالم.

ومن بين المسارح الفولكلورية والقومية هناك مسرح الغجر "رومان" الذي احتفل بسنويته الـ70. وفرض نفسه ايضا المسرح الروحاني "غلاس" بمسرحيته الدرامية "كيتيج" كما ويعتبر فريدا من نوعه مسرح الشعر والغناء لايلينا كامبوروفا. ويقام العديد من المهرجانات والمباريات والمعارض.

وحصل فنانو العمارة الروس من المدينة على امكانيات هائلة للعمل لدرجة انهم يصممون احياء مسرحية بكاملها كما نرى ذلك على شارع"بولشايا نيكيتسكايا" القريب من الكرملين، فهنا يجري العمل على تأسيس 3 مبان مسرحية دفعة واحدة باستخدام مبان تعود في فنها المعماري للقرن الثامن عشر.

ويتم في موسكو تشييد مبنى حديث بالمعنى الهندسي والتجهيزي، وهو عبارة عن صالة حديثة الا انها ستبنى تحت الارض وذلك حسب مصممي المشروع "للحفاظ على الطابع القديم لموسكو".

وبالرغم من ان البلاد تضم اكثر من 2500 متحف و1450 صالة سينما و550 حديقة عامة و514 مسرحا و68 سيركا و50 مؤسسة تعليمية ثقافية وفنية عالية و15 مؤسسة علمية فان ذلك غير كاف ربما لارضاء المتطلبات الروحية.

ولذلك عادت الى روسيا مؤخرا نسبيا موضة الصالونات الفنية التي كانت معروفة في القرون السابع عشر والثامن عشر والتاسع عشر.

وهذه الفورة يشهدها ايضا مجال نشر الكتب الذي هدم سد المعوقات الايديولوجية واغنى البلاد بمختلف الانواع الادبية بما فيها تلك النادرة التي كانت محفوظة لعشرات السنين في الاقبية.

والى جانب العديد من معارض المبيع الغنية يشهد المعرض الدائم للكتب المقام في الطابق السادس من المجمع الاولمبي آلاف الزائرين يوميا.

كما ان انتشار تقنيات النسخ التي كان الوصول اليها محدودا في السابق اتاحت الفرصة لكل من يكتب الشعر والنثر والمقالات العلمية الشعبية ان يصدر مؤلفات له من امواله الخاصة.

عندما انهار "الستار الحديدي" نهائيا بدا ان ثقافة التفكير في روسيا عالية في كل مكان. وهذا ما اظهرته معارض الابتكارات الدولية في بروكسل وجنيف وغيرها من المدن التي وصل اليها المخترعون الروس في مطلع التسعينات. وهؤلاء اذ كانوا يعرضون هناك ابتكارات لا مثيل لها في العالم كانوا يعودون الى الوطن محملين بالجوائز الذهبية والفضية.

والنخبة الفكرية الدولية والطلاب والاختصاصيون اذ سمعوا عن التقنية الروسية الخاصة بالقراءة السريعة والتذكر يسعون للالتحاق بدورات تدريبية ولقد تم في موسكو مع ذلك اصدار كتب تعليمية باللغات الاوروبية الاساسية.

اما انواع الطعام الروسية الحديثة فاصبحت تنافس سلسلة المطاعم العالمية الشهيرة مثل "ماكدونالدز" و"باسكين روبنز" و"روستيكس" و"دانكين دوناتس" و"ديلي فرانس" و"مترو اكسبرس" وغيرها وذلك بوضع نظام للاكل السريع بأطعمة قومية.

وبالرغم من ان علاقات السوق الجديدة احدثت تغييرات في آلية الانتاج السينمائي الا ان صناعة السينما المحلية ابتعدت عن النماذج التي تقدمها هوليوود بالتزامها بالقيم التقليدية مؤكدة على اننا مستمرون "بالحب بالروسية" ومعاهدة الجمهور بان "كل شيء سيكون على ما يرام".

ولقد جمع فيلم نيكيتا ميخالكوف الجديد "حلاق سيبيريا" جمهورا اكبر مما جمعه فيلم "تيتانيك".

ومن النظرة الاولى يبدو ان عملية التحديث الجارية تتكامل بشكل غريب مع النزعة الى التقاليد الماضية كما تعكس ذلك عملية اعادة بناء كاتدرائية المسيح المخلص التي شيدت بقرار من القيصر الكسندر الاول بعد الانتصار على جيش نابوليون في حرب العام 1812.

والان من الممكن كما في السابق رؤية جرسها الذهبي من خارج موسكو وهو جرس يذكر بخوذة الفارس القديم الذي صعد الى هذا المكان في وسط موسكو وهو المكان الذي اختاره القيصر الكسندر الاول شخصيا وكان يملك خبرة هندسية.

"موسكو"، كم في هذه الكلمة من معان انسكبت في قلب الروسي". كتب بوشكين الذي كان لديه شعور خاص نحو المدينة التي ولد وتعمد فيها وتزوج فيها من الحسناء الاولى في روسيا. والكنيسة التي تزوجا فيها والتي اعيد ترميمها والمنزل على الاربات حيث امضيا "شهر العسل" كما وحديقة نيسكوشني المخضرة الممتدة على ضفاف نهر موسكو كل ذلك من المعالم الموسكوفية الرائعة التي تصدت لعمليات البناء الحديث. ولقد كانت موسكو الاولى التي وضعت له تمثالا في العام 1880 وهو تمثال بالنسبة لموسكو على نفس الدرجة من الاهمية، كما تقول الصحف، لبرج ايفل بالنسبة لباريس.