'الروح' .. بحث محموم عن الهوية وأمة تشكلها الأسطورة

رام الله ـ من توفيق العيسى
نحن لسنا أصحاب القضية الوحيدين

لعل الأسطورة إن لم تكن دافعا رئيسيا في تشكيل حاضر أمة، إلا أنها بلا شك، تستطيع أن تشكل نهايتها، إن هم صدقوها، واستسلموا لنداءاتها وغنائها. في روايته الأولى "روح" يحاكي عبدالرحيم زايد واقعا فلسطينيا عبر البحث عن جذور مشكلته في مكان آخر، محذرا من ذوبانه عبر محاكة للتاريخ وليس محاكمته، وعن روايته التقيناه بهذا الحديث.

- اعلاميا قرأنا أن رواية الروح تحكي قصة خيبات امل لدى جيل من الفلسطينيين، ولكن بقراءتنا لها نجد أن خيبات الأمل هي مرتبطة بشخصية أحد أبطال الرواية "أديب العرقوبي" وجاء كبطل رواية في نهاياتها.

* على هذا الصعيد تعتبر شخصية أديب العرقوبي، معبرة عن أزمة جيل وقع بين جيلين، وتحديدا جيلنا نحن، الذي وقع بين جيل الأحلام الكبرى وجيل آخر جاء بعد أديب العرقوبي بدا وكأنه مغيب لولا الربيع العربي الأخير، والرواية كمعمار فني تتحدث عن هذه الرؤية، وهي ليست خيبة أمل بالمعنى الحرفي ولكن احدى الصحف تحدثت عن الرواية من هذا الباب، فالرواية اذا أردت أن استشهد بآراء غيري فيها تبدأ وتنتهي في جسر النور شرقي الأردن كما كتب الناقد سامح كعوش، وكأن الفلسطينيين هم "نور" القرن العشرين، وأتفق معه بهذه القراءة إلى حد ما.

بلغتي أنا أقول نحن لسنا أصحاب القضية الوحيدين، حاولت من خلال الاختزالات لبشر عديدين مثل البدو والنور والشركس والدروز وغيرهم أن أوضح هذه النقطة وأنه كحراك اجتماعي كل شيء مبني على أسس اقتصادية اجتماعية بالدرجة الأولى، وحاولت أن أناقش مفهوم الأمة والدولة والوطن، والفروقات بينهم، أدعي انني حاولت أن أتطرق لموضوعات لم تطرق، ويجب أن يتطرق لها الأدب ولكن ليس بالصيغ التي كتبت في نهاية الستينيات وبداية السبعينيات، تحدثت عن هزيمة يونيو/حزيران ومعركة الكرامة وحرب أيلول من زاوية تسليط الضوء على بداية انحراف الثورة، وأن الفلسطيني الموجد في مكان ما يصبح جزءا من هذا المكان، وتتكون شخصيته وأمته في ذلك المكان.

- لذلك على لسان "نصري النجدي" أحد أبطال الرواية والذي قد نعتبره موقفا للحزب الشيوعي الأردني في ذلك الوقت - وربما أردت أن تشير إلى شخصية "فائق وراد" بالنجدي الذي رفض المشاركة في الثورة وسماها فقاعة صابون؟

* نعم .. وذلك بمعنى أنه كان يرى أن الثورة لن تغير اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا وانما هي وكأنها حرب عصابات لا أكثر.

– لكن اذا تحدثنا عن موقفك الشخصي، يبدو أنك ومن خلال السرد الروائي كنت متقمصا أو مؤيدا تماما لشخصية نصري النجدي / فائق وراد، وبذلك تكون لم تعرض القضية بقدر ما تبنيتها.

- يمكن للروائي أن يوجه مسار الأحداث، وهي في كثير منها حقيقية، ولكن لم يكن هدف الرواية هو التسجيل أو التأريخ، لكن تقديم فنا روائيا خالصا، ولذلك لا يجب على الروائي أن يتبنى وجهة نظر سياسية، بل أن يكون على مسافة واحدة من كل الشخصيات والآراء.

- هل تعتقد فعلا انك كنت على مسافة واحدة بين "الأكرش" و"النجدي" أو "العرقوبي" و"النجدي" أعتقد أنك انحزت للنجدي أكثر من غيره، في روايتك ذكرت لنا موقف النجدي وبعد ذلك مباشرة تفاجئنا بـ "الأكرش، "سفير جهنم" ينظم صفوف الثوار على باب المغارة، أي أنك حاكمت الثورة دون أن تقص علينا حكايتها، وذات الشيء فعلت عندما انتقلت إلى رام الله.

* لا ليس كذلك، فمثلا عندما تحدثت عن معركة الكرامة تحدثت عن الفئة المتعلمة والمثقفة في الثورة كالمهندسين والمعلمين ومحامين، هذه النوعية التي عرضتها، وانتقلت فيما بعد إلى نوعية أخرى فيما بعد لانعكاس الثورة، فهي لم تستطع أن تستوعب المثقفين ولكنها استطاعت أن تستوعب عينات "كسفير جهنم" فأصبح هو من ينظم الصفوف، وهذه حقيقة يراها الجميع، لكن المعمار الفني للرواية أن فلسطين تبدأ من "جسر النور" وتنتهي فيه، كانت محاسبة ومحاكمة لمغارات "جسر النور" كما هي محاكمة لمغارات رام الله، فمثلا في رام الله تظهر شخصية "سنية" المومس، لو كانت الثورة الفلسطينية كانطلاقتها فلن تكون قادرة على استيعابها؟ ولكننا بعد 63 عاما من النضال غير قادرين على استيعاب الكثير من القضايا الاجتماعية، والثورة تركض خلف الأحداث ولا تقودها كطليعة.

- هناك قضية يبدو أنها موجودة في اللاوعي لديك، وهي مسألة الأمة والتعبير دائما عن الأمة وكيف تتشكل في "جسر النور" وفي "المعتقل" وغيرها وهنا يقودنا الحديث إلى آراء حزب العمال الشيوعي، غير ذلك ماركس عرف الأمة أنها سوق، بينما الأسطورة في روايتك هي التي شكلت أمة في "جسر النور"، كل تجمع كانت له قصة وأسطورة مع المغارة وكلهم سكنوا قربها.

_ دعني أبدأ من السؤال الثاني، كفن روائي كان علي أن أنزل بالأسطورة إلى أساسها الواقعي والشعبي، كيف تتشكل الأسطورة في الذهنية الشعبية، وحتى تصبح حقيقة تصدق، فحين يصاغ التاريخ يشوبه الكثير من الأساطير، معركة الكرامة واقعية ولكن من وكيف صيغت، الحديث عنها حاليا هو حديث عن أسطورة، الرواية قائمة على الـ" لو" لو أن الشعب الفلسطيني بتاريخه الذي أخرج من أرضه وانتشر في العالم لم يقاتل ولم يناضل للعودة وتثبيت هويته لصار به الأمر كـ "النور"، وسينسى من أين جاء هذا الشعب، ولذلك كان وجود "النور" في الرواية عدا عن كون وجودهم في "جسر النور" هو حقيقي طبعا، وهم يعيشون في قلب المأساة ولكن لا يدركونها، لذلك في الرواية عندما تسألهم عن سبب غنائهم الحزين يضحكون منك ويقولون وهل صدقتنا؟ ونحن كشعب فلسطيني يمكن أن نكون بعد الفي عام كذلك.

- لذلك عندما دخل "العرندس" على ابنته وهي تزرع الورد في البيت عاقبها وقال لها النور لا يزرعون، لأنهم أذا زرعوا ارتبطوا روحيا في المكان وانتهت أسطورتهم.

* نعم، هم شعب صدق اسطورته، وصدق أن هناك غناءً سرمديا يأتي من داخلها، وأيضا كان هناك تحذير آخر في الرواية عندما انتهى "جسر النور" فعندما بات كل سكانه في شقق متشابهة أردت أن أحذر من أننا قد نستوعب في أي مجتمع آخر، وقد نبلع كأمة فلسطينية في المجتمعات التي نكون فيها، وننقرض ونصبح جزءا من الاختزال الحضاري لأي شعب او مجتمع آخر، وهنا أقول إن الدولة شيء والوطن شيء آخر، وهي فكرة ماركسية بالمناسبة، فالدولة هي أداة اضطهاد طبقي، وهي انتقال من حالة قبلية إلى حالة متقدمة، لذلك عندما ذهب "أديب العرقوبي" لزيارة أقاربه في الداخل المحتل الـ "48" تساءل لماذا نركز على الدولة وننسى الوطن؟ ونحن وقعنا في هذا الفخ، ونحن هنا نتحدث عن البعد السياسي فقط للرواية، وعودة لملاحظتك حول حزب العمال لا أنكر أن هذا التفكير بشكل رئيسي بتأثر من حزب العمال وهو مكون رئيسي لشخصيتي ولكني لم أنتمِ إليهم يوما.

- المغارة وقصة الوصول، عندما سأل أديب الشيخ شامل الحارثي الصوفي عن سر الوصول قال له الحارثي كل من جاء إلى المغارة وصل، ما ارتباط اسم الرواية "روح" بالجو الصوفي للحارثي وقصة الوصول بعموم الرواية؟

* كتب أحد النقاد عن الرواية وعن هذه الجزئية خاصة – وأنا اتفق معه تماما - أن الشعب الفلسطيني لم يصل بل يحاول الوصول دائما، على لسان "نشوان" الغجرية تقول لأديب النوريات لسن خائنات ولكنهن لا يعترفن بالتاريخ فقط، ونحن كذلك لا نعترف بالتاريخ ولا نسجله ولكننا نحاوله.

- ارتبط الحارثي بالرواية بهذه القصة وارتبط أيضا بشكل رمزي في التعبير عن حالة في "جسر النور" ولكن ارتباط مقتله بانتهاء الحي كان غريبا، فمن قتل الحارثي؟

* ومن قتل جمال عبدالناصر؟ وأبو عمار؟ وهل قتلوا؟ قتلتهم المرحلة، والشيخ الحارثي قتلته المرحلة أيضا، انتهى وجوده بانتهاء "جسر النور".

- عند الحديث عن الخيبات، وبالتالي عن شخصية "أديب" الذي مر بمراحل مختلفة بلورت شخصيته من حياته مع أبويه إلى رعاية الشيخ الصوفي له ومن ثم مرحلة اليتم وانتسابه للحزب، وحاول أن يستفيد من كل هذا بتوليفة فكرية ثورية، تجمع بين الدين والاشتراكية، ألا يعتبر ذلك أحد الاسباب التي أدت إلى خيبة الأمل؟

* المسألة منذ البداية بحث محموم عن الاهل عند أديب، ودخوله فيما بعد المعترك الحزبي والنضالي ومحاولة الوصول إلى توليفة تصلح لكل زمان ومكان، أديب هو الفكر والرؤية الفلسطينية ككل، وهو البحث عن الهوية، والسؤال هل نحن مسلمون؟ أم قوميون؟ أم ماركسيون؟ ليبراليون؟ نحن لسنا أيا من هذا وخليط من كل هذا، والخيبة هنا أزمة الهوية، فلكل حزب لدينا له مشروعه الاسلامي والليبرالي واليساري، ولكن بالنهاية كلنا فلسطينيون نعيش هذا الزحام الفكري ولم نصل بعد للاجابة عن سؤال الهوية، وهي لا تكمن في التاريخ، فالهوية ما أورث لا ما أرث كما قال درويش، وهي تكمن في المستقبل، وأديب هو الشخصية المعبرة عن الخيبة التي تنعكس على الحاضر و المستقبل.