الرواية في عصر الواقعية

بقلم: صباح علي الشاهر
ظهرت في عصور الأدب المختلفة

مثلما كانت الرومانسيّة ظاهرة أدبيّة مُشخصة ومحددة تأريخيّاً، فكذالك الواقعيّة، والواقعيّة كمنهج أدبي شأنها شأن المدارس الأدبية الأخرى تبلورت ضمن ظروف خاصة بالمجتمعات الأوربيّة، وكما يقول البرفيسور إيفان بُبيفانوف (نظرية الأدب باللغة البلغارية) فإن: "الواقعيّة ليست منهجاً جمالياً عاماً، يظهر خلال كل العصور والمراحل الاجتماعية، باعتباره منهجاً مخالفاً ومعارضاً للمنهج أو المناهج اللاواقعيّة، وإنما هو منهج تأريخي ملموس وظاهرة أدبيّة محددة, إنه مولود في ظروف اجتماعيّة محددة".
أما روجيه غارودي فإنه يضفي على الواقعيّة ثوباً فضفاضاً، فهي عنده "واقعيّة بلا ضفاف"، وهو يرى أن كل فن إبداعي أصيل يُعبر عن شكل من أشكال الوجود الإنساني في العالم، ومن هذا المنطلق يصل إلى أنه لا يوجد أبداً فن غير واقعي، إذ أن كل فن يستند إلى واقع محدد مستقل عنه، وبالتالي فإن الواقعيّة في الفن هي الوعي بالمشاركة في خلق وتجديد الإنسان لنفسه باستمرار، وهذا لا يعني على الإطلاق نقل صورة الواقع بل محاكاة نشاطه، وهو ليس تقديم نسخة منقولة من خلال ورق شفاف أو طبع صورة منه، بل المشاركة في البناء الخلاق لعالم لا يزال في طور التكوين مع اكتشاف إيقاعه الداخلي، وضمن هذا المفهوم يشير إيليا إهرنبورغ إلى أنه ليس ثمة، ولا يمكن أن يكون، فن خارج الواقع، فالواقع الاجتماعي هو الذي يحدد حياة الكاتب وإحساساته، ويضمحل الكاتب ويموت خارج الواقع، خارج المجتمع.
وهناك العديد من الدارسين الذين يقارنون الواقعيّة بالتمثيل للواقع الموضوعي الاجتماعي، وهي بهذا المفهوم وكما يقول د. محمد زكي العشماوي: "لا تعتبر حديثة عهد بالأدب، فقد ظهرت في عصور الأدب المختلفة من قديم الزمان، إلا إنها لم تكتسب هذا المفهوم المحدد إلا في عصرنا الحديث". وكذلك يرى لوكاش أنها حركة مفترضة من أيام هوميروس حتى توماس مان وجوركي.
إن رأي إهرنبورع في كون الفن لا يمكن إلا أن يكون واقعيّاً رأي لا جدال فيه، فالفن ما هو رغم كل شيء سوى انعكاس إبداعي للواقع، بهذه الدرجة أو تلك، وحتى الأساطير والخرافات لا نعدم أن نجد لها أساسها المادي، والخيال مهما جنح فإن له مرتكزات ماديّة واقعيّة تقل أو تكثر بقدر جنوح التخييل، فملحمة جلجامش وهي أقدم الملاحم المعروفة لحد الآن كان محورها وأساسها البحث عن الخلود بمواجهة الموت الذي يواجه البشر، والذي لا يجدون له تفسيراً، وبالتالي فإن الهم واقعي حقيقي، أما البحث فكان ميتافيزيقيّاً، والإنسان مهما كان لا بد له أن يتعامل مع الواقع سواءً تعاملاً ماديّاً أم روحيّاً، وحتى الأديان ما جاءت إلا لسد حاجة روحيّة إنسانيّة هي ليست بمعزل عن ما يفرزه الواقع الموضوعي المحيط بالإنسان القاصر، وقد كانت الأديان حلاً ميتافيزيقياً للقلق المشروع الذي يكتنف الإنسان، ولا نختلف حول شرح غارودي للواقعيّة في الفن، ولا في وجود النزوع الواقعي للعديد من الكتاب القدامى، إنما يكمن الإختلاف حول ضرورة التحديد التأريخي لبروز وتشكل منهج فني كامل ألا وهو المنهج الواقعي في ظرف تأريخي ملموس.
يبين جورج ليفين في "نظرية الرواية": "إن معظم التشويش حول كلمة - الواقعيّة - يأتي من خلط أولي بين منهج أدبي قابل للتعريف من الناحيّة التأريخيّة ومحاولة أكثر شمولاً - ربما لم يكن منها بد - لأن تكون الروايّة أكثر أمانة للواقع". ويضيف أن: "للواقعيّة معنى واحد دقيق نسبياً هو أنها ظاهرة تأريخيّة ومنهج أدبي - أو مناهج - وليست مثالاً أدبياً أو أو ميتافيزيقاً".
ويمكن القول إن الواقعيّة بمعنى تصوير الأشياء كما هي بالفعل، بمعنى تقديم الموضوعي والمحسوس للتفاصيل الملاحظة في الحياة الواقعيّة هي المصطلح الذي يطبق عادة على الحركة الأدبيّة في القرن التاسع عشر، وهي كأي منهج أدبي تعكس أعرافاً موروثة ولا تشكل قطعاً مع الماضي، كما تعكس طريقة في النظر إلى الحياة، إنها بالتأكيد تنطوي على افتراضات معينة عن طبيعة العالم الواقعي، غير أن هذه الإفتراضات لا تحتاج إلى إظهار في أي نص واقعي، وإنما هي مرشدة وموجهة.
يرى البرفيسور البلغاري إيفان بُبيفانوف أنه لا يمكن أن يُثار سؤال حول وجود واقعيّة حقيقيّة في العصور القديمة، ولكن يمكن أن يجري الحديث حول عناصر واقعيّة محددة، وهي خصائص عامة، ذلك لأن المنهج الواقعي ليس منهجاً عاماً يبرز في كل العصور البشريّة.
تشكلت الواقعيّة، كما يؤكد الكثير من الباحثين، كمنهج خلال عصر الإصلاح والنهضة، لقد تمثلت الواقعيّة في عصر النهضة بشكسبير وسرفانتس اللذين صورا الإنسان ككائن اجتماعي يرتبط بعالم الواقع. وأوليا الأهميّة للدوافع الإنسانيّة، وأكدا على ضرورة اهتمام الفن بأبسط ظواهر الحياة الواقعيّة وقضاياها وكل ما يهم ويمس الإنسان، أما في القرن الثامن عشر فقد كان التجسيد الفني للوسط الاجتماعي وتأثيره على شخصيات الناس وتصوير تبعيّة الإنسان للظروف المتعلقة بوضعه الاجتماعي مأثرة الرواية الإنكليزيّة والدراما البرجوازيّة في القرن الثامن عشر في المقام الأول، فيرسم فيلدينغ، سمولت، وديدرو، وبومارشيه أبطالهم كممثلي محيط اجتماعي معين، ويصورون تأثير الأخلاق والأعراف السائدة على عالم الشخصيّة الداخلي. بذلك تجد البسيكولوجيا الإنسانيّة أساسها ومصدرها الاجتماعي.
لقد حملت نظرية الواقعيّة التي صاغها ديدرو طابعها الديمقراطي، حيث رفضت بشدة الوعظيّة المبتذلة، ودعت إلى ضرورة التصوير الصادق والموضوعي للحياة، كما انتقد ليسنغ التكلف والإفتعال وتزييف الأحاسيس الإنسانيّة.
لقد أصبحت الواقعيّة، وبفضل جهود منظريها، تعني في المقام الأول تصوير الأشياء كما هي بالفعل، أي تقديم الموضوعي المحسوس للتفاصيل الملاحظة في الحياة الواقعيّة، وهي كمنهج أدبي تعكس أعرافاً موروثة ولا تشكل قطعاً مع الماضي، كما تعكس طريقة في النظر إلى الحياة.
والواقعيّة، التي هي وريثة الكلاسيكيّة والرومانتيكيّة، تهتم بالدرجة الأولى بالإنسان بذاته ولذاته، ولذا فهي إنسانيّة حصراً، ولما كانت وريثة للمنهجين لذا فهي تحتضن الإيجابي من إنجازاتهما. وقد كشف جوهر الواقعية في مقولة إنجلز المشهورة: "الواقعية في رأيي عدا كونها تفترض الصدق في التفاصيل، تتطلب التصوير الصادق لشخصيات نمطيّة في ظروف نمطية"، وهنا في هذه المقولة يكمن جوهر الواقعيّة.
والنمطي ليس هو (النموذجي) كما يترجم البعض، النمطي كما أشار ماركس وإنجلز، ليس هو التجريد الأجوف لواحدة من سمات الشخصيّة، ولا هو الوسطي، ولا المثالي الشيلري، بل هو الوحدة الديالكتيكيّة للسمات الجوهريّة. إنه وحدة عضوية تجمع بين الحتمي والقائم الملموس، الإنساني الشامل والزائل تأريخيّاً، الشامل اجتماعيّاً والفردي.
إن الأساس الفلسفي للواقعيّة هو الإعتراف بالواقع الموضوعي القائم بمعزل عنا، والمتطور وفق قوانينه الخاصة، وإن هذا الواقع ممكن معرفته واستيعابه، كما يمكن اكتشافه فنيّاً. يمتاز الإسلوب الواقعي بوضوحه، وهو مثقل بتفصيلات العالم الخارجي وعالم الإنسان الداخلي بكل غناه وعمقه، بحيث يبدو التصوير الفني والواقع الموضوعي متقاربان إلى حدٍ بعيد والشخصيات المبدعة ليست محلّقة تماماً فهي مبدعة بكثير من الخصوصيّة، تتشكل سيرورتها بسببيّة تأريخيّة واجتماعيّة.
الواقعيّة لا تنشد البطل الجاهز، المكتمل الأوصاف، بل الإنسان المختلط بصفاته العديدة المتناقضة، الإنسان الذي ينمو ويتطور مع الأحداث والوقائع، وخلال الفعل، فهو يعيش في المجتمع ويرتبط مصيره بمصيره إلى حدٍ كبير، ومن هنا شعبيّة الأدب الواقعي التي هي واحدة من سماته الجوهريّة.
إن الصدق الموضوعي معكوس في الواقعيّة بصدق فني، والصدق الفني يستلزم المراعاة التامة لمنطق الفن الداخلي، فلا هو كتابة تأريخيّة كما هي الكتابة عند المؤرخ، ولا هو حجج عقليّة منطقيّة كما هو العقل المنطقي عند الفيلسوف أو المفكر.
وبهذا الصدد يقول بليخانوف "لو أن الكاتب بدلا من تصور الشخصية قدم الحجج المنطقيّة، عندها لن يكون فناناً بل مؤلف كراريس".