الرواية فعل مقاومي

بقلم: السيد نجم

لقد شاركت القصة(القصة القصيرة والرواية) في التعبير عن الذات الجمعية المقاومة منذ أن عرفتها العربية بشكلها المعاصر (الشكل الأوروبي).
وقد أدعى أن نشأة الفن الروائي تحديدا لم ينضح (وربما لم ينشأ أصلا في بعض البلدان العربية) إلا بوازع "المقاومة".
وقد يبدو الأمر جليا بمتابعة نشأة الرواية في الشمال الأفريقي ومتابعة الروايات المصرية خلال النصف الأول من القرن العشرين..حتى أن "جورجى زيدان" لم يكتب إلا من هذا المنطلق في كل أعماله (وبصرف النظر عن البعد الفني للرواية بالمفهوم الحالي) وغيره كثر من الروايات التي تابعت الأحداث الوطنية والبحث عن الهوية وغير ذلك..منها "روايتا فرح أنطون "الدين والعلم والمال" و" أورشليم الجديدة"..و"رواية "فتاة الثورة العرابية" ليوسف أفندى حسن صبرى ورواية "عذراء دنشواى لمحمود طاهر حقي .. وغيرها.
لقد عبرت الرواية العربية عن مفردات المقاومة طوال تاريخها (القصير) . كان ذلك من خلال فكرة "الأرض" ذلك التعيين المكاني والتي تكتسب الدلالات والمعاني بما يتجاوز ملامحها المادية فتكتسب بعدا روحيا وقيما عليا حتى أن التحقق الإنساني ذاته لا وجود له ولا معنى دون ذلك الحضور الباقي دوما للأرض. مثل روايات: "الأرض لعبد الرحمن الشرقاوى""الوباء لهانى الراهب" "قدرون لاحمد رفيق عوض"..الخ.
كما كان البعد التراثي والتأريخي دوره في تشكيل الملمح المقاومي للرواية العربية . فاختيار الموضوع التراثي أو التاريخي (بصرف النظر عن الخلاف التنظيري للتفريق بينهما) من حيث تفاعله مع عناصر تشكل الواقع/ الحاضر .. يعد ملمحا مقاوما استفاد منه الروائي في إطار البحث عن "الهوية" و"الخلاص من مأزق الحاضر". مثل الروايات: "الزينى بركات لجمال الغيطانى" "حدث أبو هريرة ..قال لمحمود المسعدى" "العودة إلى المنفى لأبو المعاطي أبو النجا"..بالإضافة إلى الكثير من كتابات "محمد فريد أبو حديد" "على أحمد باكثير" "أمين معلوف"، وغير تلك المحاور حرص الروائي العربي على تناولها واعيا أو على غير وعى بمصطلح "أدب المقاومة" أصلا. المقاومة بين الأنا والآخر: منذ بداية انفتاح الإنسان العربي على الحضارة الغربية و "الآخر" محل البحث و السؤال. فبدأ الروائي وكأنه المنوط بالبحث أكثر من غيره مع نضج جنس الرواية بالقرن العشرين. لم يهمل "الآخر" والصراع معه من حيث هو المستعمر العسكري و السياسي و الثقافي بل من حيث هو داخلنا يعبث في عقولنا.. فكانت جملة الأعمال الروائية التي تتصف بالنضج الفني و الفكري معا.
سوف نتخير بعض الأعمال الروائية التي يبدو وكأن كاتبها وضع الآخر أمامه بعدا فنيا لصياغة روايته.
هذا لا يعنى وجود العديد من الروايات غيرها سواء من الناحية الزمنية وما نشر قبلها..أو بعدها خصوصا مع أعمال جيل أدباء الستينيات من القرن العشرين حيث أصبح للآخر دلالة البحث في الواقع المعاش القريب ليس ذاك القاطن خلف البحار. بل ومن الناحية التقنية التي سعى البعض في التمرد على الآخر صاحب الشكل الروائي المميز لذاك الجنس بالبحث عن شكل و تناول بديل كما في الروايات التي اتخذت من التراث النثري العربي إطارا لبث الأفكار المختارة الجديدة..وغير ذلك من الجوانب. أولا: الآخر ..في عقولنا. (رواية قنديل أم هاشم ليحيى حقي) تعد تلك الرواية من أولى الروايات الناضجة فنيا التي جعلت من الآخر هما يجب البحث في حقيقته.
وقد أصبحت مصر والعالم العربي على أعتاب معطيات ومفاهيم جديدة نظرا للتوجه العام و الخاص بالتعرف على الحضارة و الثقافة الغربية عمدا.
انقسم المثقفون خلال العقود الأولى من القرن العشرين إلى فريقين..مجموعة ترى أن الأخذ بمفاهيم و قيم وسلوكيات أصحاب الحضارة الغالبة(الأوروبيون) هو الخلاص الفردي و الجمعي..بينما ترى مجموعة أخرى بضرورة التمسك بكل ما هو سلفى قديم إسلامي أو عربي.. فيما رأت مجموعة ثالثة(الأقل عددا) الأخذ بما في الجانبين من فاضل وصالح.وكانت تلك الرواية التي تعبر عن رأى العامة و الخاصة .
عندما عاد "إسماعيل" من أوروبا متعاليا بعلمه (في الطب) على بيئته البسيطة الفقيرة..أعلن تمرده وزاد من غضبته حتى أنه ذهب إلى مسجد "السيدة زينب" وكسر قنديل المقام.. بينما العامة تأخذ من زيت القنديل وتستخدمه في علاج مرضاهم.
ومنهم "فاطمة" قريبته والتي تربت في بيت أبيه. فتولت الجيران مهمة الانتقام بعدم الذهاب إلى عيادته. فلجأ الطبيب إلى "العلاج الشعبي" وينجح فيما فشل العلاج الأوروبي فيه وشفيت فاطمة.
يبدو أن الروائي يتبنى فكرة..لا خلاص بدون البحث في أنفسنا وعقولنا نحن أولا وليس أخيرا على كل حال فقد كتب الروائي في سيرته الذاتية يقول:" ..واسم إسماعيل أخذته من اسم صديق لي كان يمثل في نظري محاولة المزاوجة بين الشرق و الغرب". ثانيا: الآخر..المستعمر بكل أشكاله (رواية عصفور من الشرق لتوفيق الحكيم) كتبت تلك الرواية عام1938 وهى قريبة من زمن كتابة الرواية السابقة مما يشير إلى سخونة وحيوية القضية في تلك الفترة.
عالج الحكيم أفكاره برومانسية بسيطة وقد عرض فيها كذلك العديد من المذاهب السياسية و الاقتصادية حتى ظهور التيارات الفاشية والنازية الجديدة هناك.. فكانت دعوته الرافضة للغرب بكل أشكاله..أما البديل فهو الإنساني الروحي و المتمثل في التراث الشرقي بديلا.
من الطريف أن يكون "الإهداء" ( إلى حامينى الطاهرة السيدة زينب) وهو نفس "المكان" بالرواية السابقة
وان كانت الرؤية الدينية هي الأساس فلا يعنى ذلك الاعتراف الصريح من الروائي بجملة الطقوس التي تمارسها العامة..أي أن الكاتب يتبنى الجانب الفكري في التناول بالأخذ بجوهر الروح و الجوهر دون الشكل البسيط المباشر.
صحيح كان "محسن" حائرا (حيرة الشرقي في تلك الفترة) وتأكيد ذلك الجانب عرض الروائي العديد من الآراء و الأفكار من خلال الصديق الروسي "ايفانوفتش" الذي وجده يقرأ في التوراة و الإنجيل و القرآن.
وقد اعترف الروسي له قائلا:"أريد أن أعرف..كيف استطاعت هذه الكتب الثلاثة أن تعطى للبشرية راحة النفس".
بالرغم من المعطيات الأوروبية الثقافية و الحضارية في الآداب و الموسيقى و العمارة و غيرها بقى الحكيم (أو محسن بطل الرواية) رافضا له لأنه المستعمر. ثالثا: الآخر .. والعودة إلى الأنا/الواقع (رواية موسم الهجرة إلى الشمال للطيب صالح) أبرزت تلك الرواية المواجهة مع "الآخر" على محورين :الشرق الأفريقي في مقابل الغرب الأوروبي وكذلك الإنسان الأسود في مقابل الإنسان الأبيض بكل الدلالات الإنسانية و الثقافية.
فلم يكن الشكل الدائري للتقنية الفنية للرواية إلا البحث عن هدف فكرى ممزوج بطريقة التناول .
سافر "مصطفى" للحصول على الدكتوراه من بلاد الغرب, ويعيش الحياة هناك بكل أبعادها الإنسانية.. وكان "الجنس" هو الشكل الغالب على علاقات البطل حيث تزوج من أربع فتيات انتحر ثلاث منهن و قتلت الرابعة.
لم يكن الجنس سويا كما علاقة الأزواج ولم يكن البطل يمارسه إلا من أجل تأكيد دلالة السيطرة والمقدرة فأصبح لاستخدام الجنس توظيف فني عالي.
لم تنته الرواية بعد تنفيذ حكم السجن على القاتل "مصطفى" لم يغضب بل اتجه إلى قريته تحديدا كي يلتقط أنفاسه و يبدأ من جديد بالزواج من ابنة القرية "حسنة بنت محمود". فلما مات البطل غريقا وحمله النهر(رمز إيزيس الأسطوري) رفضت الزوجة الزواج من العجوز "ود الريس" بل قتلته, وقتلت فيه كل القديم من عادات و تقاليد.
تشارك تلك الرواية الروايتين السابقتين في مسألة العودة إلى الوطن وأضافت الرفض الواضح و الصريح للآخر..وللقديم البالي أيضا.

رابعا: الآخر.. سؤال متجدد (رواية نيويورك 80/ يوسف إدريس)

وهى رواية حوارية نشرت بجريدة الأهرام عام 1980 وقد غلب الحوار عليها بحيث عبرت عن قدر التساؤل والحيرة التي لم يحسمها الروائي في النصف الثاني من القرن العشرين.
الحوار بين "هي" التي تعمل معالجة نفسية و "هو" العربي الذي يزور المدينة الأمريكية للسياحة.
كلاهما مجهول الاسم لا يهم الاسم المهم أنه يعبر عن رفضه لاقتحام "هي"له ومطاردتها له في المطعم و الفندق كي تمارس الجنس معه..هكذا.
ومن خلال رفضه حيث يقول: "خلاص انتهت عندكم القيمة تماما في نيويورك حتى لم يبق إلا الدولار قيمة والمتعة الأنانية الذاتية هدف...".
"هي" ترفض المنطق الشرقي ليبدأ الحوار وتقدم الأسعار التي تناسبها تماما كما تفعل "اللاتي يحملن السم في حقيبتهن لابتلاعه إذا ما تعرضن لهجمة من شرطة الآداب".
تتهمه بأنه معقد نفسيا ولا تفقد الأمل في تحقيق هدفهالأنها تعتقد أن السبب الحقيقي لرفضه المال المطلوب فيعلق "هو" قائلا:" متى يا إلهي تعطى بعض الرجال شجاعة البغايا".
تبدو وجهة نظر الروائي للغرب (الآخر) وكأنه لا يرفضه تماما فيبدو متعاطفا مع قباحة ما تقدمه بقدر أطلق عليه صفة الموضوعية والعقلانية..وليبقى الآخر عنده محل متابعة وقابل للقبول على درجة ما.
الرواية إذن قدمت توجها آخر ليبق "الآخر" محل السؤال متجددا.