الرواية السكندرية .. نماذج مختارة (2 / 3)

مواقف مأسوية انتهت بها الرواية

* دوامات الغياب

من الروايات التى تحتوى المكان السكندري وفضاءاته المتدنية والمهمشة رواية "دوامات الغياب" للكاتب محمد عطية محمود وهي الرواية الأولى له، وقد فازت هذه الرواية بجائزة اتحاد الكتّاب في مجال الرواية.

اشتغل الكاتب فيها على نفس التيمة القائمة على المناخات المهمشة في المكان السكندري وبالتحديد على نفس المنطقة التي اشتغل عليها العديد من الكتّاب السكندريين أمثال إدوار الخراط، ومحمد الصاوي، وإبراهيم عبدالمجيد، ومصطفى نصر وغيرهم من الكتّاب والروائيين الذين وجدوا في المدينة محطات سردية وبؤر روائية متنوعة يتبارون في ردف أحوالها وإشكاليات قضاياها.

والمنطقة التي اشتغل عليها هؤلاء الكتاب هي منطقة كرموز وغربال والبياصة وهي المناطق المجاورة لمنطقة عامود السواري، ومنطقة الساعة التي تضم في جنباتها نفس المكان الذي اشتغل عليه الكاتب ليقدم من خلاله روايته، هذا المكان هو منطقة (الكرنتينة) الشهيرة التي تحتوي على مخازن وشون وشركات القطن ومخازن شركات المواد الغذائية وغيرها من المهن التي تبصم المكان ببصمتها الاقتصادية الخاصة.

وهي منطقة يقال عنها إنها – أثناء الحرب العالمية الثانية - كانت في الأصل مكان إسطبلات لتجميع الخيل التي كانوا يجلبون لها مخدر الكوكايين حتى تنشط وتكتمل عافيتها وتستطيع أن تشارك بقوة في المجهود الحربي للحلفاء، وبمرور الوقت تحولت المنطقة إلى مكان يحجز فيه الجنود المصابون بأمراض مستعصية والميئوس من علاجهم، ثم استخدمت كمنطقة عزل للمرضى المصابين بأمراض وبائية ويحتاجون لفترة كافية حتى يتم شفاؤهم، ثم "تحوّلت إلى عشش من الصفيح، يقطنها اللصوص وقطاع الطرق، إلى جانب أصحاب الحرف البالية، ومن لا مأوى له، وتخللتها أوكار لتعاطي المخدرات وبيعها، وتجارة الجسد". في هذا المكان تبرز الشونة التي تعمل فيها شخصيات الرواية.

• الشخصيات

اشتغل الكاتب على صوغ تجربة تكون فيها الشخصية الروائية هي وحدها القادرة على بناء الحدث وتطوير خطابه. وتأويلات الشخصية تكمن في دقائق وعلامات تشكلها كما يصوغها الكاتب، لذا تبدو الشخصيات بتكوينها وعلامات تشكلها في رواية "دوامات الغياب" جزءا مهما في المكان هي الموجودة فيه والفاعلة في طبيعته والمتعايشة مع زمنه ودقائق مكوناته هي تنبت في تربة أعماق النص، وتخرج إلى الوجود في عملية مخاض يبثه الكاتب في تجاويف النص الروائي ليحدد من خلاله رؤيته تجاه الواقع وما يعتريه من تغيرات وتحولات وممارسات، كما يستطرد في وصف الشخصية، من أين جاءت وظروف تكوينها وطبيعة ما يكتنف حياتها وعملها من دقائق وممارسات وعلامات وإشارات تشير إلى وصفها الجسدي وتاريخها الاجتماعي، بدءا من شخصية (مستورة) رئيسة عمال التعبئة في الشونة والشخصية المحورية في الرواية و(عسرانة) زميلتها المقربة إلى قلبها، و(سنية البربرية) وعلاقتها الجنسية برشدي السايح داخل الشونة، وسميكة الصياد الذي فشل في مهنة الصيد لسمنته المفرطة فترك قاربيه لأخيه يعمل عليهما والتحق للعمل بالشونة كحارس، والحارس فرج الذي يطارد مستورة في الرايحة والجاية ولا تسلم النساء من لسانه لشبقيته المعروفة، وصقر كبير الخفراء العجوز الذي اتهم مرة في واقعة سرقة بالشونة وتم تحويله ليحرس الباب المغلق من الشونة، وأمل الموظفة بالشونة وابنة أحد صانعي العطور فى الإسكندرية.

وخليل الذي شاع فى الشونة عن افتتانه بزميلته لوزة وهياجه العصبي المفاجئ والمستمر. وموفق موظف الشونة المنوط به تحرير سراكي عمال الشونة، والذين يطلقون عليه موفق المقص، للخصومات التي يقوم بها كثيرا للعمال. وعلاقته الشائكة الصامتة بزملائه والتي كثيرا ما تشعره بالتضاؤل والإساءة إلى مشاعره. حتى سرحان ماسح الأحذية الذي يلمع أحذية موظفي الشونة والقابع بصندوقه بمحاذاة سور الإدارة والذي يتواجد في أكثر من مكان من أمكنة الكرنتينة لتلميع أحذية قاطنيها والحاضر من الصعيد الجواني مخلفا وراءه ثأرا، لا يريد أن يقتص له.

جميع هذه الشخصيات الكامنة في جنبات الشونة والتي تتجمع مجريات أحوالها وطبائعها وممارساتها الاجتماعية والحسية والنفسية لتقيم دعائم مجريات الرواية والتي تطبع المكان وتبصمه بطبائعها ووقائع أحوالها وتحدد ملامح بيئتها.

كذلك شخصية كامل الديروطي المقاول الذي صعد السلم وحقق ثروة في أعمال متصلة بالميناء والتجارة، تلك كانت شخصيات الرواية وما تحمله من انعكاس لطبيعة المكان على تشكلها ورسم أحوالها الخاصة والعامة.

• الشكل وبناء النص

استخدم الكاتب أسلوب التقطيع السينمائي في الانتقال بالمشاهد تجاه أمكنة ومشاهد وأحداث ومواقف وشخصيات فاعلة يسرد تاريخها الذاتي في استطرادات ووقفات دالة على مكونات الشخصية ومحددات طبيعتها وجذور حلولها في المكان، وما يتفاعل مع همومها وأوجاعها وآلامها من تأزمات نجد ذلك متجذرا أحيانا في نفسها وناتجا عن حياتها، كما أستخدم أيضا أسلوب السرد المباشر، والمونولوج الداخلي في تداعي خواطر وهواجس الشخصية كمعادل موضوعي لما يدور داخل النفس من تأزمات وطرح ما يعتمل داخل العقل الباطن واللاوعي والتماهي في أحداث الماضي وهو ما يطرح كثيرا من أحداث النفس مع ذاتها، ويستدعي ما يعتمل داخلها من منغصات وتأزمات خاصة نتيجة لما حدث معها في يوم من الأيام والإحساس بعقدة الذنب الدائمة المستمرة.

والمونولوج الداخلي في النص الروائي هو بديل الحلم يلجأ إليه الكاتب لتتحدث الشخصية لغة أخرى وتغوص داخل نفسها كنوع من التطهير وتعميق الموقف. وقد وردت المونولوجات الداخلية المتناثرة في نسيج النص مكتوبة على نسق البنط المائل، حتى تتم المفارقة الشكلية في الكتابة بين السرد القائم على الحكي والسرد المباشر وبين تداعى خواطر الشخصيات والمستخدمة من داخل هواجس الشخصية.

• المفارقة والنص

كمما تبدو المفارقة بارزة أيضا في أنحاء النص بين ما يقع على مستوى الواقع وبين ما تجسده الحالة النفسية والميتافزيقية للشخصيات. كذلك تبرز من خلال تعدد الأزمنة مع معايشة كل شخصية على حدة في تاريخها الاجتماعي الخاص، ومزية هذه السمات أن الكاتب يقوم بتعديل مسار السرد من موقف إلى آخر ومن شخصية إلى أخرى ليعيد ترتيب الأحداث مما يخالف توقعات القارئ الذي يحس لدى كل توقّف للراوي وتغيير الاتجاه بتوق شديد لمعرفة الجديد واستكمال مراحل التحوّل في الموقف والمشهد ليعيد ترتيبه في ذهنية التلقى وإدراكه.

ولعل الإحساس الذي يعتمل في نفس مستورة كلما تذكرت علاقتها القديمة بكامل الديروطي، وتكرار هذه العلاقة بين بطة وخلف، تجعل المفارقة بينهما شبه متكاملة فنفس المأزق الذي عاشته مستورة وهي فتاة صغيرة يتكرر مع بطة، الفرق بين الموقفين أن مستورة وجدت من خالتها خير سند ومعين في مشكلتها التي حدثت وكانت الظروف هي المسئولة عنها، فعندما غاب عنها كامل عندما سافر إلى بلده وعاد مرة أخرى وجدها قد تزوجت من عبده سائق الكارو، وقد عالجت خالتها هذا الموقف بتزويجها من هذا الرجل المستكين حتى تتستر على مشكلة ابنة أختها حين اكتشفت أن فعلتها، بينما تحاول مستورة أن تعثر على خلف حتى تعالج الموقف بطريقة موضوعية بالزواج الشرعي.

وتكتشف بطة أن خلف كان يتلاعب بها وأنه قد دس سرحان ماسح الأحذية عند بوابة الشونة حتى ينقل إليه الأخبار وحتى يطمئن وهو يعد عدته للسفر إلى ليبيا للعمل هناك، ويترك فريسته نهبا للأقدار.

وتتزامن هذه المفارقة مع مفارقة أخرى تنتظر مستورة في نهاية النص حينما تقع في دوامة كبرى للغياب بعودة صبري جثة هامدة من حرب الكويت.

وينتهى النص بنفس الاستهلال اللغوي الأولي الذي بدأ به الكاتب نصه الروائي حين: "تسللت أشعة الشمس تخترق حجب الضباب، الفارد جناحيه الكثيفين على ربوع "الشونة" تستقبل بوادر الناقلات المخترقة صمت الصباح المتحفز، بعوادمها الخانقة، المنطلقة من ممراتها المشتعلة برائحة ثمار الموالح، مختلطة برائحة صناديقها الكرتونية، الموشومة جوانبها بقرص الشمس البرتقالي المتوهج... تنهب العجلات أرض الساحة الخالية إلا من بعض النسوة.. تنكسن أنطرافها حول حواف (الجمالونات)، المرتفعة قيد شبر عن مستوى الأرض، بعد أن هيأن الممرات الداخلية مبكرا".

مع مفارقة لغوية بسيطة لها دلالتها هي أن المكان بدلا من أن يستقبل الناقلات المخترقة صمت الصباح المتحفز، جاءت في نهاية النص بأن المكان يحتضن الناقلات المخترقة صمت الصباح المتحفز، وكأنه يحنو عليها ويواسيها فيما يحدث على أرض الواقع من مواقف مأسوية انتهت بها الرواية وغلفت المكان بدوامات الغياب التي سحبت الجميع إلى بؤرة المأساة والوجع والألم الذي لف الجميع بجوانبه وعبرت عن المقطع الأخير الذي انتهت به الرواية والذي هو نفس المقطع الذي استهل به الكاتب روايته.

* من أبحاث مؤتمر "إبداعات الشباب السكندري" دورة الأديب الراحل خالد السروجي، مؤتمر اليوم الواحد لفرع ثقافة الإسكندرية 2016.