الرهان على الشعب التونسي

يصعب على الاخوان المسلمين ممثلين بحركة "النهضة" اخضاع تونس والتونسيين. بدأ العد العكسي لسقوط نظام الاخوان في تونس، تماما كما حصل في مصر حيث كانت ثورة شعبية يوم الثلاثين من حزيران- يونيو الماضي. المسألة مسألة وقت لا أكثر.

هناك مؤشّر الى ذلك. قبل أيّام انضم قضاة تونس الى المعارضين لـ"النهضة" والمعترضين عليها وعلى حكومتها ونفّذوا اضرابا احتجاجا على سعي الحركة الى التدخل في شؤون القضاء. عندما يحتجّ القضاة في بلد مثل تونس، هناك بالفعل ما يشير الى امتعاض ذي جذور عميقة من سعي السلطة التنفيذية الى الهيمنة على الدولة عموما والسلطة القضائية خصوصا. فالسلطة القضائية يفترض أن تكون في نهاية المطاف سلطة مستقلة، بل الركيزة الاساسية لكلّ مؤسسات الدولة والضمانة الاولى والاخيرة لحسن سيرها.

تماما كما حصل في مصر، هناك سعي أخواني للتمدد في كل الاتجاهات والسيطرة على مؤسسات الدولة بدءا بالتحكّم بالقضاء والاجهزة الامنية. كان السقوط الاوّل لاخوان مصر أمام القضاء المصري الذي رفض الرضوخ لاملاءات السلطة التنفيذية مؤكّدا بالملموس تمسّكه باستقلاليته.

في النهاية، شئنا أم ابينا، يظل استقلال القضاء الدليل الاوّل والاخير على وجود مؤسسات الدولة واستمراريتها وحيادها في التعاطي مع المواطنين. فالدولة اللبنانية سقطت عندما سقط القضاء تحت ضغط الاجهزة السورية التي كانت تعيّن وزير العدل وتجعله قادرا على التأثير على القضاء. كان وزير العدل اللبناني في مرحلة ما قبل العام 2005، تاريخ الانسحاب العسكري السوري من لبنان، يسيطر على القضاء خلافا للقوانين المعمول بها. كان هناك اعتداء صارخ على الدستور الذي يفرّق بين السلطات ويؤمن الاستقلال التام للسلطة القضائية.

قاوم قضاة مصر سلطة الاخوان. الآن، يقاوم قضاة تونس "النهضة". أسقط المصريون سلطة الاخوان. ليس بعيدا اليوم الذي سيسقط فيه التونسيون سلطة "النهضة" التي لا تمتلك أي مشروع من أي نوع كان لتونس.

هناك نقطة تتوقف عندها المقارنة بين مصر وتونس نظرا الى وجود فارق أساسي بين البلدين لا يعود فقط الى عدد سكان مصر ومساحتها. يتمثّل هذا الفارق في وجود مؤسسة عسكرية مصرية تحرّكت في الوقت المناسب ودعمت الثورة الشعبية التي انتهت باقالة محمد مرسي من الرئاسة ووضعت حدا لعملية السيطرة على مرافق الدولة الواحد تلو آخر.

الاهمّ من ذلك كلّه أنّ وضع حدّ لحكم الاخوان أدى الى كشف دورهم في مجال تشجيع الارهاب في سيناء بالاعتماد على حركة "حماس" التي أقامت امارتها "الطالبانية" في قطاع غزّة.

في تونس، لا وجود لمؤسسة عسكرية قويّة تستطيع لعب دور في دعم الثورة الشعبية المستمرّة منذ عامين، أي منذ كشف الاخوان عن وجههم الحقيقي وأكّدوا أنهم يريدون استخدام القوى الاخرى غطاء للهيمنة على كلّ السلطات وكلّ المؤسسات مستعينين بالاغتيالات والعمليات الارهابية... متى تدعو الحاجة الى ذلك.

ولكن في تونس أيضا طبقة متوسطة متجذّرة في المدن. هذه الطبقة استفادت من القوانين العصرية التي جاء بها الحبيب بورقيبة، خصوصا في مجال حماية حقوق المرأة ووضعها في الموقع الذي يليق بها في المجتمع. كذلك استفادت هذه الطبقة، نسبيا، من الفورة الاقتصادية في عهد زين العابدين بن علي. بين عهدي بورقيبة وبن علي، اللذين داما ما يزيد على نصف قرن، حصلت تحولات على الصعيد الاجتماعي في تونس.

سيكون صعبا على الاخوان المسلمين شطب هذه التحولات ذات الطابع الايجابي، وهي تحولّات يبدو المجتمع التونسي بقواه الفاعلة على استعداد للذهاب بعيدا في الدفاع عنها. ما يمكن ان يساعد الشعب التونسي في المحافظة على الانجازات التي تحققت في عهد بورقيبة خصوصا وبن علي لاحقا، أنّ ليس لدى "النهضة" أي قدرة على تطوير التجربة التونسية. ليس لدى الاخوان المسلمين غير شبق ليس بعده شبق الى السلطة.

صحيح أن أخطاء كثيرة ارتكبت في عهد بورقيبة، خصوصا عندما تمسّك الرئيس العجوز بالسلطة بدل الانسحاب في الوقت المناسب، أي عندما كان لا يزال يمتلك كلّ قواه العقلية، لكنّ الصحيح أيضا أن في الامكان البناء على ما تحقّق في تونس بين 1956 و1987. امتلك بن علي ما يكفي من الشجاعة للاعتراف بذلك. لم يتنكّر كلّيا لسلفه. حافظ على الكثير من الانجازات التي تحققت منذ الاستقلال. حافظ، في الحدّ الادنى، على مستوى البرامج التعليمية وأقام بنية تحتية لا بأس بها في كلّ تونس. لكنه سقط حيث سقط بورقيبة، عندما أصرّ على أن يكون رئيسا لمدى الحياة في وقت نخر الفساد مؤسسات الدولة بسبب نفوذ العائلة الحاكمة بقيادة "السيّدة الاولى" ليلى طرابلسي بن علي.

ليس سرّا أن "النهضة" لا تعترف بارث بورقيبة وبن علي. بدل البناء على ما تحقّق، تبدو مستعدة حتى لنسف ضريح بورقيبة وكأنّها لا تزال تخشى ظلّه. ربّما كانت على حقّ في ذلك نظرا الى أن ليس ما تقدّمه للتونسيين سوى الوعود المبنية على شعارات خاوية. ليس لديها، أي ليس لدى الاخوان المسلمين، أي جواب عن أي سؤال متعلّق بالاقتصاد وتطويره والاستجابة لمطالب الطبقة الوسطى الموجودة فعلا. كيف يمكن تطوير الاقتصاد التونسي من دون التفكير في ضمان اقامة قاعدة آمنة للصناعات التحويلية. كيف السبيل لخلق فرص عمل جديدة من دون اهتمام بالسياحة؟

هناك ثلاثة أعمدة للاقتصاد التونسي. هناك الصناعات التحويلية والسياحة والزراعة. وهناك أيضا الخدمات. ولكن في اساس كلّ شيء، هناك المجتمع التونسي الذي تعوّد على نمط معيّن من الحياة المنفتحة على كلّ ما هو حضاري في العالم. من هذا المنطلق، يمكن الرهان على أن تونس لن تسقط في الفخّ الذي يحاول الاخوان جرّها اليه. اذا فعلت ذلك، سيكون الفضل الاوّل والاخير لشعبها الذي لم يثر على نظام زين العابدين بن علي كي يجد نفسه في وضع النادم على ما قام به...