'الرطيان' بين الليبرالية وأهلها!

بقلم: محمد الصادق

حفلة التعرية الصاخبة التي تقيمها الليبرالية السعودية بحق السلفية تستحق الدراسة. فالسلفية قبل عقدين كانت كل المشهد، وكانت الآمر الناهي إعلامياً، وكانت تجلد المخالفين لها في وضح النهار دون وجل، قبل أن يتبدل الحال، ودوام الحال من المحال كما يقولون، إن شئت قل هو التاريخ الذي لا يرحم يحاسب كل من أخطأ بحق الشعوب.
التاريخ لا يرحم، من منا بإمكانه استشراف مستقبل الليبرالية السعودية بعد عقدين من الزمان؟! لا أحد طبعاً. الليبرالية اليوم في صعود، لكن بعد حين قد نشهد تبدلاً في المواقع، فتعود السلفية إلى مكانتها وتعود الليبرالية طريدة من جديد، إنها مشيئة السياسة، تُعَلي من أقوام وتنال من آخرين.
الليبرالية اليوم تتحكم بالمشهد الإعلامي السعودي تقريباً، ويومياً نقرأ مقالات تمارس عملية نزع ما بقي من ساتر يغطي عورة السلفية، مع إن هذه الأقلام تؤمن بنظرية «تمرير الفكرة» كما يؤمن الشيخ النجيمي بحرمة الاختلاط في السعودية فقط!. تقوم فلسفة «تمرير الفكرة»، وهي فلسفة فريدة من نوعها وتستحق التدريس كنظرية سعودية الابتكار: إن الكاتب لكي يمرر أفكاره من بين أصابع رقيب يعمل بنظام «ساهر» المروري عليه أن يفتتح مقالته بمدح من يفترض أن فكرة المقال قائمة على نقد سلوكه وسياساته؛ كأن تُبجل وزير الإعلام عبدالعزيز خوجه وسياسته الحكيمة ثم تختم: بأن إيقاف الكاتب محمد الرطيان خطيئة ووصمة عار لوزارة الإعلام وليس مجرد خطأ عادي، وإن إيقاف أو منع أي كاتب سعودي آخر يندرج ضمن نفس التصنيف مهما كانت خلفيته الفكرية أو الدينية.
في حقيقة الأمر، إن ما استوقفني ليس إيقاف الكاتب الرطيان فقط، فهو في النهاية كاتب يعي سلفاً ضريبة عدم تطبيق نظرية «تمرير الفكرة»، الرطيان نفسه يقول: «لا أعرف شيئاً اسمه خطوط حمراء ولن أستجدي أحداً كي أكتب في صحيفته»، وهو بذلك يكون قد اتخذ قرار فرار قلمه إلى الخارج مفضلاً النفي على الإقامة الجبرية!
الكاتبة السعودية نادين البدير في صحيفة «الرأي» الكويتية ساقت جملة اتهامات بحق الليبراليين السعوديين، ففي مقالة الأسبوع الماضي بعنوان «الليبرالية وأهلها» تقول: «إن عدداً من مرتادي جلسات الليبرالية قد انضموا إليها نفاقاً كون الوضع العام في البلاد صار ميالاً للتعددية، ولأن اتجاه السياسة الداخلية اليوم بات نحو الاعتراف بالآخر وبحرية الآخر، ولو أن السياسي يصدر خطاباً يلوح فيه برفضه للتجديد وإنكاره للقائلين بالحريات، لوجدت ذات الشخص الذي يستشهد بداروين يحكي اليوم عن الصحابة والتابعين، ووجوده في أي تنظيم أو انضمامه لأي فكر أو تيار هو وجود مؤقت ينتهي مع بداية عهد أفول المصلحة الذاتية».
بغض النظر عن مدى دقة الاتهام الخطير الذي ساقته البدير لبعض الليبراليين السعوديين، وبعيداً عن تأييد أو رفض تلك الادعاءات، نطرح هنا تساؤلاً مشروعاً، ألا يُثير صمت الليبراليين السعوديين عن كثير من القضايا التي هي من صميم مبادئ الليبرالية الأصلية قلقاً وتشكيكاً في مصداقيتهم؟ أم إننا صدقنا هذيان شاكر النابلسي بأن لليبرالية السعودية خصوصيتها! كيف نفهم عدم وجود مقال واحد ينتصر للرطيان ويرفض إيقافه الظالم؟ بل كيف نفسر غياباً كاملاً لصحيفة الوطن قلعة الليبرالية السعودية في الدفاع عنه؟!
إذا كانت الليبرالية السعودية خائفة من خسارة موقعها الجديد أو على ضياع بعض المكتسبات الرمزية في معركة كسر التابو، والتي تعتبرها انجازات قيمة، وهي في الأساس لم تستطع حماية كاتب تم إقصاؤه، فكيف ستقوم بحماية شعب أعزل مما هو اكبر من ذلك؟ محمد الصادق Mohamed.Alsadiq@gmail.com