الرسم على الجدران: فن الشباب الساخطين

برلين - من صدقي حمدان‏
الشباب يشعرون بالعجز عن تغيير واقعهم، فيلجأون للفرشاة والالوان

من الظواهر الملفتة للنظر في المدن والقرى الالمانية مشاهدة رسومات وصور وتوقيعات على جدران المنازل وواجهاتها لتبدو ‏وكأنها خرابيش تتميز بالخطوط العريضة ويطغو عليها اللون الاسود وفي بعض الاحيان ‏خطوط ملونة.‏
ولكل شخص ميوله وفهمه لهذه الظاهرة والتي اول ما شوهدت على جدران جسور ‏القطارات في المناطق الريفية. فبعض الناس يرون في فن الغرافيتي، او فن الرسم على الحوائط، عملا تخريبيا او ‏ ‏فنيا او احتجاجيا او عملا لشغل اوقات الفراغ او ابراز هوية الشباب المعاصر عبر ‏ ‏صور ورسومات تبدو كخربشة يمتعض منها الكثيرون، خاصة اصحاب المنازل، وتشغل شاغل ‏المحاكم وسلطات الامن.‏
وقال رئيس دائرة شرطة مدينة برلين ماركو موريتس ان "الامر في هذه الرسومات يدور حول مخالفة قانونية. انها ‏حقا مخالفة وخصوصية من خصائص مخالفات الشباب، كما انها مخالفة ترتكب بصورة ‏جماعية ويتراوح عمر مرتكبيها بين 14 و20 عاما".
واضاف "ان الشباب يتوقفون يوما ما عن ارتكاب مثل هذه المخالفات بحكم نضجهم ‏وتحملهم لمسؤولية اعمالهم ويبتعدون عن العلب البخاخة التي يستخدمونها في بخ الحبر ‏لصنع خربشتهم على واجهات المنازل او الجسور او حافلات النقل العام ليتم تولي تلك الاعمال من قبل جيل جديد وهكذا تدور هذه الاعمال في حلقة لانهاية لها فهي ظاهرة ‏ ‏يتوارثها جيل عن جيل".‏
واشار الى "ان وقتا يمر في حياة الشباب يعمل على وقف هذه الهواية لديهم لانهم لا يستطيعون من بعد مزاولة البخ والرسم خلال ساعات الليل بحكم حاجتهم الى النوم الكافي قبل البدء بالعمل".‏
وأضاف بأنهم "اذا وصلوا مرحلة معينة من العمر اصبحوا في حاجة الى الراحة ‏استعدادا للعمل ولم يعد لديهم وقت كافي لصرفه في صنع الصور والرسومات في واجهات ‏المنازل" مشيرا الى "ان غالبية الشباب يختارون عند نضوجهم مهنة مفيدة بدلا من الغرافيتي".‏
واوضح موريتس ان الشرطة تسعى دائما خلال مكافحتها لاعمال الغرافيتي ‏الى ان تكون فورا امام عين المكان للحيلولة دون الحاق اضرار بهذا المكان او ذاك ‏المنزل مشيرا الى أن رجال الامن يكونون دائما بمنتهى الحيطة والانتباه واليقظة ‏والاسراع من اجل منع اعمال الغرافيتي.‏
ونبه الى ان الشباب الذين يمارسون اعمال الغرافيتي يمتلكون غالبا نظاما خاصا ‏وجهاز انذار مبكر ولاسيما عبر صفحات الانترنت لتبادل المعلومات وخاصة فيما يتعلق ‏بتواجد رجال الامن وما اذا قدروا انجاز اعمالهم او الكف عنها ولو لفترة قصيرة حتى ‏تغيب عنهم انظار رجال الامن.‏
واوضح ان بعض اصحاب المنازل والمباني اضطروا الى شراء اغطية خاصة ‏للصقها في الواجهات لوقاية الجدران من "الغرافيتي" مقدرا الاضرار المادية التي ‏تصيب اصحاب المباني سنويا جراء الغرافيتي باكثر من 25 مليون يورو.
واوضح موريتس بانه يوجد هناك عدة انواع من الشباب الغرافيتيين، منهم الذين ‏يريدون ان يجربوا الخربشه لمجرد التجربة، واخرون يدأبون على رسم صور او اشكال بصورة ‏منتظمة وينتقلون بمعدات الرسم من شارع الى شارع ومن حي الى حي وهكذا حتى يقعون في ‏ ‏فخ الشرطة.‏
وحسب موريتس توجد ايضا فئة المحترفين الذين يقومون برسم رسومهم وفقا لخطة ‏مدروسة وانطلاقا من رسم هندسي وتصميمات فنية مدروسة مبينا ان هذه الفئة تنشط في الدرجة الاولى في الانفاق ومحطات القطارات.‏
وحول دوافع الغرافيتيين ذكر المسؤول الامني الولع والشغف في ترك البصمات ‏الشخصية هنا وهناك مشيرا الى ان عدم الافشاء بهوية الغرافيتي تولد نوعا من التحدي ‏ ‏بينه وبين سلطة الامن من هذا المنطلق تفهم اندفاعات ترك البصمات على الجدران ‏ووسائل النقل العام والجسور.‏
وقال انه توجد عصابات من الغرافيتيين بحيث تمتلك كل عصابة حيا معينا لترك اثارها ‏الغرافيتية فيه مبينا بان هذه العصابات تقود ضد بعضها بعضا اشبه ما يكون بالحروب ‏وان لكل عصابة اشكال معينة من الرسم ووضع البصمات فضلا عن ان ادوات الرسم تختلف من عصابة الى اخرى مقدرا عدد العصابات في برلين وحدها باكثر من مائة عصابة وتتكون ‏كل عصابة من خمسة الى ستة اشخاص‏.
‏واشار موريتس الى ان مفهوم الغرافيتيين اكتسب اشكال ومعاني مختلفة اذ ‏ان عصابات الغرافيتيين تحولت منذ منتصف التسعينيات الى الاتجار بالمخدرات وزادت ‏خطورتها يوما بعد يوم لان اعضاءها كثيرا ما يتنازعون ويتحاربون وهم مسلحون.
وبين كذلك بان ظاهرة الغرافيتي لا تظهر فقط في الاحياء ذات الدخل المحدود في ‏برلين بل ايضا في الاحياء الراقية مثل داليم وشارلوتينبورغ وتسيريندورف.‏ ‏واكد رغبة المسؤولين في محاربة هذه الظاهرة مشيرا الى ان كل شخص يقوم بتقديم ‏معلومات حول شخص يترك بصمات الغرافيتي في أي مكان يحصل على مكافاة قدرها نحو 1200 ‏ ‏يورو مقدرا عدد الغرافيتيين في برلين باكثر من 8000 شخص من مختلف الجنسيات.‏
ومن جانبه اكد المتحدث باسم حكومة برلين المحلية هيلموت ليووفيل في تصريح ‏ ‏مماثل ل (كونا) ان الغرافيتي مشكلة كبيرة لمدينته مبينا امتعاض عمدة برلين كلاوس ‏ ‏فوفيرايت من هذه الظاهرة التي قال انها " تعكر مزاجه وتزعجه كثيرا".‏
ومن جانبها عرفت استاذة الادب الالماني في جامعة مدينة برلين اولريكي هوك ‏ ‏تعبير الغرافيتي بانه "فن معاصر يشاهد في الصخر او في واجهات او جدران المنازل ‏على شكل رسوم او على شكل محفور"، مشيرة الى ان هذا الفن " لوحظ اكثر ما لوحظ خلال الستينيات والسبعينيات في ‏جدران ومباني الجامعات وانه كان معروفا كذلك بالنسبة الى العصر الانتيكي".
وقالت ان هذه الظاهرة تطورت حتى شملت عربات القطارات والحافلات والواجهات ‏وكذلك تم فيها استخدام مختلف الالوان والدهان لتصبح تعبيرا عن مفاهيم سياسية ‏واجتماعية. (كونا)