الرسائل الخارجية للانتخابات المصرية

مع أن الرئيس عبدالفتاح السيسي حسم الجدل حول انتخابات البرلمان، وقرر عدم تأجيلها، احتراما للدستور، إلا أن هناك نفرا من السياسيين ما زالوا مصرين على المطالبة بالتأجيل، بزعم أنه ينطوي على مصلحة وطنية، وكأن التعجيل فيه اضرار بهذه المصلحة، واعتبروا حسم الرئيس مناورة سياسية قبيل سفره لنيويورك، فقد أراد، على حد زعمهم، توصيل رسالة خارجية "زائفة".

الحقيقة عندما سمعت هذا التقدير من بعض الأصدقاء تألمت كثيرا، وحزنت على المستوى الذي وصلنا إليه، من تشكيك وصل إلى حد عدم الثقة فى تصريحات الرئيس، الذى أعتقد أنه الوحيد القادر على وقف سيل التكهنات والتخمينات بشأن مصير الانتخابات وقد فعلها، وأنا لا أعلم هل قرأ ما سطرته في هذا المكان منذ ثلاثة أسابيع أم لا، تحت عنوان "ورطة تأجيل الانتخابات"، وحذرت فيه من مغبة التأجيل، والمهم في النهاية أصبحنا أمام واقع يستحق الامعان فيه، والتعامل مع مقتضياته بدقة. لكن لأن البعض يرتاح لعدم مواجهة الأمر بكل تعقيداته، ويهرب من واجباته، يريد أن يواصل التحريض على التأجيل، بصرف النظر عن النتائج، وانعكاساتها السلبية على مصداقية الخطاب السياسي للدولة.

هنا يستحق الشق الخارجي في القضية المزيد من التركيز، فإذا كنا قادرون على احتواء وتطويق التداعيات السلبية للتأجيل في الداخل، فإننا على المستوى الخارجي، ربما نواجه مشكلات جسيمة، تمنح من شككوا في نوايا الحكومة فرصة للاستمرار في طريق الزيف والعنف، وتجعل عددا ممن غيروا رأيهم وساندونا من الشرق والغرب، والشمال والجنوب، يراجعون مواقفهم مرة ثانية. فالرسالة الأساسية التي ظهرت في اجتماعات وحوارات الرئيس في نيويورك، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وفي الخطاب الذي ألقاه أمس (الأربعاء) أمامها أن مصر ماضية في التأسيس لديمقراطية حقيقية، وأنجزت خطوتين في خارطة الطريق، وعلى وشك الانتهاء من الثالثة.

كما أن الدولة التى استطاعت كبح جماح الارهاب، وكسر شوكة داعميه، وأصبحت مثلا يحتذى به فى دول العالم، وأجبرت الخصوم على اعادة الاعتبار إليها، والتسليم برؤيتها فى مجالات كثيرة، كيف تتراجع وتناور في عملية اجراء الانتخابات؟

لقد أخطأ الأصدقاء الذين تصوروا أن هناك كلاما جديدا حول مصير الانتخابات. وخطأهم يتركز أساسا في نقطتين، الأولى، عدم ادراك أهمية البعد الخارجي في التعجيل. فقد وصلت رسالة الرئيس بعدم التأجيل، وبالتالي فأي تراجع عن هذا الوعد سوف يسىء للدولة، التى اكتسبت قيادتها مصداقية بالتزامها الكبير بتطبيق خطة خارطة الطريق. والثاني، التصميم على أن التعجيل، وهو في الواقع التزام بالمواعيد المتفق عليها، يضاعف من فرص عودة فلول الحزب الوطني، وفلول الإخوان للسيطرة على البرلمان، الأمر الذي يتسبب في مزيد من ارباك المشهد الحالي.

هذه المغالطة خاطئة، وقد تكون كاشفة لقدرة هؤلاء الأصدقاء السياسية، على الاجتهاد والعمل الدءوب. فقد تصور أصحاب هذه الرؤية أن الفلول بكل أنواعهم، سوف تقل فرصتهم في الحصول على عدد من مقاعد البرلمان، إذا أجريت الانتخابات بعد عام أو عامين، وتجاهلوا أن العكس يمكن أن يكون صحيحا. فالملاحظ أنهم كل يوم يزدادون انخراطا في المجتمع، ويكتسبون أرضا جديدة في الشارع، بقدرتهم التنظيمية، وبضعف منافسيهم من القوى والأحزاب السياسية، الذين ارتكنوا للهجوم على الفلول، وتكسير عظاهم، ونسوا أن أجساد غالبية القيادات الحزبية مثخنة بالجروح السياسية، ولم تجد من يداويها، على الرغم من الادراك الكبير لأسباب المرض وتشخيص العرض، وعدم فقدان الأمل فى امكانية الوصول للعلاج، وهي الثغرة الأساسية التى سوف تسمح لإعادة تكرار مشاهد هزلية سابقة.

في تقديري، يجب أن تسرع الحكومة المصرية بالانتهاء من الأمور التنفيذية لقانون الانتخابات، وتعجل بتحديد مواعيده، حتى يسكت نهائيا أنصار التأجيل. وأخشى أن يخرج علينا بعضهم، بكلام من نوعية "لا توجد مواعيد مقدسة"، ويتعمدوا توجيه انتقادات بالحق والباطل للخطوات التنظيمية. ولأن عددا من هذا الفريق يبدو أعلى صوتا، يساورني قلق أن تستجيب الحكومة لإرادته غير المنطقية، ويستغرقنا الوقت في تفاصيل ثورية بديهية، ونجد الانتخابات بدأت تطرق الأبواب، ولا يزال أنصار هذا الفريق غارقون في التأجيل، ومن تخوفوا منهم تمكنوا من السيطرة على مفاصل رئيسية تقودهم للجلوس تحت قبة البرلمان بأعداد وفيرة.

تعلمنا أن السياسة فن الممكن، والآن على القوى التي ترفع شعار الثورية أن تستعد لمجابهة هذا التحدي، وتشرع فى اتخاذ تحركات عملية للاقتراب من الناس في الشوارع والحواري، والمدن والقرى والنجوع، ولا تستكين لمفردات المظلومية، وتتخلى عن الخطاب "الحنجوري" الذى عرقل المسيرة. وتواجه الواقع بكل ملابساته، بدلا من الهروب للأمام، وتستعد لدخول معركة انتخابات لواحد من أهم البرلمانات في تاريخ مصر الحديث، بعد أسابيع قليلة. ولدى الشعب الذى قام بثورتين خلال أقل من ثلاثة أعوام، قدرة عالية على الفرز، ومعرفة الغث من الثمين، لأن تلبية مطالب أصحاب التأجيل لا تحتاج لعام أو عامين، بل تحتاج إلى عقود طويلة، وبإجراء هذه الانتخابات تكون رسائل مصر الخارجية قد اكتملت.