الرد على الاساءات بالفعل لا الانفعالات

بقلم: د. خليل حسين

من تفاهات آيات سلمان رشدي الشيطانية في بريطانيا، وصولا إلى فيلم براءة المسلمين في الولايات المتحدة الاميركية، مرورا بالصور الكاريكاتورية في الدانمرك، سلسلة من محاولات الاهانة قام بها أشخاص، يجمع بينهم صفة المغمورين وشبهة طالبي الشهرة علاوة على أشياء أخرى. في المقابل ما جمعنا نحن العرب والمسلمين في شرق الأرض ومغربها، سرعة الانفعال لا الفعل، وضخامة التداعيات غير محسوبة النتائج وغياب الرد بالمنطق الذي يسفه القائم والداعي والمحرض والممول لمثل تلك المحاولات.

ثمة علم قائم نجهله تماما في مثل تلك الظروف، وهي الحروب النفسية التي تُخاض ضدنا بهدف استنزافنا بوسائل يمكن مواجهتها بكل بساطة وبأكلاف لا تذكر. ومثال ذلك آيات سلمان رشدي الشيطانية في اواخر ثمانينات القرن الماضي، حيث صرف الكثير من الوقت والمال والتحركات فكانت النتيجة ان اخذ ما اراده من شهرة وبيع من نسخ كتابه آلاف الأضعاف بفضل سوء التعامل مع تلك الظاهرة، فبدلا من رصد الملايين لقتله مثلا يمكن انتاج مواد دعائية فكرية وثقافية تفتح عيون وآذان من يسمع وينظر لأفكاره باتجاهات صحيحة وهادفة، وتكون مساهمة فاعلة لإمكانية تلافي ما يمكن ان يثار بعدها من محاولات الاساءة. ولأن كانت الطريقة في التعاطي مع تلك المظاهر التي لا تشكل حيثيات وازنة، تكررت الصور نفسها في الدانمرك وبعدها في أميركا فكانت النتيجة من محاولات الاهانة كتابيا ورسما، إلى المحاولات بالصورة وبالصوت، وهي من بين الوسائل الأكثر انتشارا والأكثر تأثيرا وهذا ما هدف اليه من قام بها.

في المبدأ وكما هو معروف لدى علماء الاجتماع السياسي بمختلف مدارسهم، ان الاستفزازات الدينية والمذهبية هي الأكثر فتكا وسرعة انتشار بين المجتمعات، وهذا ما اثبتته الوقائع عبر التاريخ في مختلف الجماعات البشرية، وبصرف النظر عن الخلفيات التي تقف وراء تلك الموجات المتجددة من الاهانات التي نعتقد انها غير بريئة، وليست بالضرورة ان لا تكون أيضا من صنف المؤامرات التي يمتعض البعض من تسميتها أو توصيفها، إلا ان الظروف التي أحاطت بانطلاقتها حاليا تدفعنا إلى القول بوجوب التعامل معها بطرق غير انفعالية أو تقليدية كما اعتدنا عليها.

ما جرى حاليا مع الفيلم الاميركي الطويل اذا جاز التعبير، ترافق مع الذكرى الحادية عشر لأحداث 11 ايلول، علما انه كان منجزا قبل عام تقريبا لكن الترويج له بهذه الضخامة اتى ليؤدي صورة رمزية مرسومة بدقة لعلاقة المسلمين مع الغرب، كما ترافقت مع الزيارة البابوية للبنان وإطلاقه الارشاد الرسولي للشرق الأوسط بما يحمل في طياته من معاني السلام بين المسيحيين والمسلمين في الشرق وهي المنطقة المستهدفة بهذا الاستفزاز الذي اريد له عدم القدرة على تحمله أو تجاوزه أو الرد عليه بطرق هادفة.

ان أفضل الطرق لقتل فكرة أو ظاهرة في مهدها هي تجاهلها وعدم اعطائها الفرصة للظهور والانتشار المجاني، وهذا ما لم نتمكن من فعله، فبالتفكير السليم وعدم الانجرار وراء الانفعال العاطفي كفيلان بالوصول إلى سلوك قادر على الرد المفيد. فعلى سبيل المثال لماذا لا يتم اللجوء لتوكيل منظمة المؤتمر الاسلامي بمتابعة التداعيات ومكافحتها وابتداع الطرق لمواجهتها، كما فعلت مثلا بعد احراق المسجد الاقصى في العام 1969، وكذلك تكليف هيئات من المجتمع المدني في الولايات المتحدة بمتابعة الموضوع قانونيا وكشف خلفياتها.

ولماذا لا يتم مثلا اعادة احياء مؤتمرات حوار الاديان والحضارات والثقافات كمدخل لتعريف الآخر بما في الاسلام من معاني السلام والتسامح وغيره من القيم التي يجهلها أو حتى يتجاهلها بعض من في الغرب. لقد بات ذلك ضرورة واجبة، بعدما برع الكثير من وسائل الاعلام وخبراء الحروب النفسية من استفزاز المسلمين في عقائدهم، فهل يجب الانجرار وراء مخططاتهم.ام ينبغي التعامل معها بوسائل مختلفة؟ عندما قرَّر تيري جونز حرق المصحف الشريف، تم الرد بتوزيع مليون نسخة من ترجمة القرآن الكريم باللغة الإنكليزية في الولايات المتحدة، بدلا من الانشغال بالشد والجذب مع متعصب بحث عن الشهرة بالتشهير.

ثمة مسؤولية كبرى على من وصل إلى الحكم في غير بلد عربي لمواجهة تلك المحاولات من الإساءات، كما ينبغي عدم التلطي وراء العلاقات التي تسمى جيدة بين تلك القوى والولايات المتحدة الاميركية بهدف التساهل مع الموضوع، ثمة مسؤوليات وواجبات ينبغي التعامل معها بجدية، لأنها لن تكون الأخيرة، ومن الممكن ان تتكرر في سياقات وظروف مختلفة وتكون تداعياتها أشد أذى وإيلاما.

د. خليل حسين

استاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية