الرجل هو المشكلة، المرأة هي الحل<br>(لمناسبة صدور تقرير التنمية البشرية لعام 2006)

المشكلة بدأت في الأصل، منذ أن بدأ الرجل في القول انه الأقوى والأكمل والأفضل والأجمل والأطهر والأحسن والأجدى والأقدر... الخ. وما أن تحول هذا الاعتقاد الى "عقيدة" اجتماعية، وبالتالي سياسية واقتصادية، حتى أصبحت المرأة تابعاً ومُستعبَدا من قبل الرجل.
لا شك أن التبعية والاستعباد كانا شرطين اقتصاديين لا مفر منهما للمجتمعات الإنسانية الأولى التي نشأت بين الكهوف والبراري قبل بضعة ملايين من السنين، وكان من الطبيعي لهذين الشَرطين أن يُنتجا، تدريجيا، ثقافتهما الخاصة، التي "ترفع" موقع المرأة المتدني الى مقام العقيدة، التي لا يؤمن بها الرجل وحده، بل والمرأة أيضاً. وكان الإيمان المشترك بأولوية الرجل وتفوقه، اعترافاً بالواقع الاقتصادي من ناحية، وشرطاً لا بد منه من شروط السلام الاجتماعي نفسه، من ناحية أخرى.
المؤكد في كل هذا، هو أن المرأة كانت بحاجة الى الرجل، بمقدار ما كان الرجل بحاجة الى المرأة. ولئن كان السلام بينهما هو سلام الغالب على المغلوب، إلا أن حكمة الحياة، هي نفسها، ساعدت على دفع المرأة الى القبول، لملايين السنين، بهذه النتيجة والتعايش معها، بل وفي الكثير من الاحيان، اعتبارها مُسلّمةً من مسلمات القدر الذي لا راد له.
ومثل كل سلطة أخرى، فان الرجل ما كان مستعدا للتخلي عن سلطته على المرأة، سواء بزعم تفوقه عليها، أو برفع هذا الزعم الى مصاف العقيدة التي لا بد من القبول بها تحت طائلة التهديد بالكفر والتجديف.
ولو كان ذوو السلطة يتخلون عن سلطتهم طوعاً، لما كانت البشرية بحاجة الى المئات من الثورات والانتفاضات الغاضبة.
ولا يبدو الرجل، في عالمنا الثقافي الخاص، مستعداً للتنازل عن سلطته (قوامته)، التي ظل يضفي عليها طابعا "مقدساً" رغم ان هذا الطابع ظل مشروطاً بـ"...ما أنفقوا وبما فضّل الله بعضهم على بعض". وظل يدعمه في ذلك شيوخ إفتاء لا يكفّون عن النظر الى النص الديني بروحية "ولا تقربوا الصلاة" كلما تعلق الأمر بحقوق ومساواة المرأة.
وعلى الرغم من أن تاريخ العلاقة بين الرجل والمرأة، وفقا للقواعد الشرعية، لم يكن ظالما كما هو عليه الحال اليوم (حيث أصبح حق المرأة في التعليم مشكلة، على غرار حقها في اختيار الزوج، او العمل، او السفر او مجرد قيادة سيارة)، وعلى الرغم من أن الإسلام كان بالنسبة للمرأة دين إنصاف وعدالة، بل دين ثورة تقدمية، في بيئة اجتماعية كانت تئد البنات وتبيح سبي النساء وبيعهن في أسواق النخاسة، وعلى الرغم من أن امرأة (عائشة) رفعت السيف على خليفة (علي بن أبي طالب)، للدلالة على موقع المرأة ومكانتها، إلا ان الكثير من شيوخ العورات الفقهية، ظلوا ينظرون الى المرأة لا كإنسان، ولا ككائن اجتماعي، ولا حتى كحيوان، بل كمجرد عورة تقتضي الستر لا إتاحة الفرصة للتعلم والعمل والمشاركة في الحياة كسائر خلق الله. وهم حتى اذا أتاحوا ذلك، بحدود ضيقة، فانهم ظلوا يشترطون ستر العورة أولاً، أي تغليف المرأة بكيس أسود، على اعتبار أنها عارٌ مُسبق، قبل أن ترتكب أي معصية. فاذا ارتكبت، كان عقابها الموت فوراً، وفي الكثير من الأحيان على مجرد الشبهات والظن (بينما كل عقاب "اللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم"، حسب القرآن الكريم، هو -بعد شهادة أربعة شهود- "امسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا").
وكان الرسول الكريم قال حول أكبر المعاصي في "خطبة الوداع": "أما بعد، أيها الناس، إن لنسائكم عليكم حقاً ولكم عليهن حق. لكم أن لا يواطنن فرشكم غيركم، ولا يدخلن أحدا تكرهونه بيوتكم إلا بإذنكم ولا يأتين بفاحشة، فإن فعلن، فان الله قد أذن لكم أن تعضلوهن وتهجروهن في المضاجع وتضربوهن ضرباً غير مبرح، فإن إنتهين وأطعنكم، فعليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف".
هذا كل ما في الأمر.
وستر العورة، هو بمعنى آخر، مانعٌ للتمرد، وعائقٌ للثورة، ودليلُ قبولٍ، لا نقاش فيه، بالتبعية والاستعباد وبسلطة الرجل المطلقة.
ولكن الحياة تغيرت. ونحن لم نعد نعيش في البراري والكهوف. ولعل المفارقة الأبرز، هي ان العنصر الأهم في هذا التغيير، هو نفسه الشرط الاقتصادي الذي قام عليه الاعتقاد بتفوق الرجل وكماله. فما كان سببا لانتاج ثقافة التبعية والاستعباد، صار هو نفسه يتطلب إجراء مراجعة جدية لكل عناصر هذه الثقافة، وذلك سعيا الى قبول الحقيقة (غير المُرة، بل الجميلة الى الأبد) وهي أن المرأة تلعب دوراً اقتصاديا متزايدا، ومتساوياً، في مجتمع ما تزال غالبيته العظمى تؤمن بأنه لا غنى للرجل عن المرأة، مثلما انه لا غنى للمرأة عن الرجل، ليس في إطار أداء الوظائف الطبيعية (داخل الأسرة) فحسب، بل وفي الإطار الاجتماعي والاقتصادي الشامل أيضا.
فاذا كانت القوامة (السلطة) مشروطةً بـ:"بما أنفقوا.."، فان من حق المرأة الطبيعي ان تكسب المشاركة في هذه السلطة، بما أنها صارت تُنفق أيضا، وبما انه صار من الضروري لها ولأسرتها وللمجتمع أن تعمل وتُنفق. أعداد متزايدة من البشر، وفي المجتمعات العربية المختلفة أيضا، صارت تدرك بوضوح ان التقدم الاجتماعي والازدهار الاقتصادي لا يمكن أن يتحقق من دون مشاركة فعالة لذلك النصف المعطل من المجتمع. وبما أن دور المرأة مطلوب في الحياة الاقتصادية، لتكون طبيبة ومعلمة وباحثة ومربية وسيدة أعمال ومديرة مؤسسة وشرطية ونائبة برلمانية وعالمة فيزياء وكيمياء وبيولوجيا بل وقاضية أيضا، كتتمة لدورها "الطبيعي" كأم وزوجة، فان الثقافة الاجتماعية نفسها كان يجب ان تتغير. وهي قطعت بالفعل أشواطا طويلة في معترك النضال من اجل المساواة والتخلي عن المعتقدات الثقافية التي تبرر تبعية واستعبادا صارا من "لزوم ما لا يلزم"، وفقدا القاعدة الاقتصادية التي كانا يقفان عليها.
الدور الذي تؤديه المرأة في الحياة العامة أثبت، في المجتمعات المتقدمة كما في المتجمعات التي تنوي التقدم، ان مشاركة المرأة ونهضتها ومساواتها هي الحل. فيما اثبت تمسك الرجل بنظرية تفوقه وسيادته وكماله وجماله، في المجتمعات التي لا تنوي التقدم أبدا، انه هو المشكلة، ليس لانه يدافع عن سلطة لم يعد لها معنى فحسب، بل لانه يدافع عن سلطة ضارة أيضا. وهي تضر به وبأسرته وبمحيطه الاجتماعي المباشر، مثلما تضر بالمجتمع وبالاقتصاد بأسره.
لا شك أن الرجل ما يزال يحتفظ بعضلات قوية، ولكن أحدا لا يدري، بحق الشياطين الزرق، ما نفع هذه العضلات عندما يكون المرء عالم رياضيات أو مهندسا أو طبيبا أو معلما أو مفكرا او مؤلفا إبداعيا...
إذا كانت العضلات هي الشيء الوحيد الذي ما يزال صحيحا في نظرية الكمال والجمال والأفضلية، فالحقيقة التي لا مراء فيها هي أن ثلاثة أرباع النشاط الاقتصادي الحديث لم تعد تتطلب عضلات قوية.
وبمقدار ما يتعلق الأمر بالأفضليات الأخلاقية، فان الحقائق تشير الى أن "حصة" الرجل من ارتكاب الجرائم ومن ارتياد السجون ربما تصل الى عشرة أضعاف "حصة" المرأة.
ثم أنها هي "الأكمل" من الناحية البيولوجية. وهي الأساس من ناحية المسؤولية عن وجود النوع الإنساني نفسه. وما من رجل، على وجه الأرض، الا وخرج من رحم إمرأة. (على الأقل حتى يصبح أطفال الأنابيب هم العنصر الغالب).
فإذا كان الحال كذلك، فان الثقافة الاجتماعية، بكل محمولاتها وتبعاتها ونتائجها، هي ما يجب ان يتغير، لتحتل المرأة المكان الذي منحته لها متغيرات الحياة نفسها. وهذه الثقافة تتغير اليوم بالفعل، من ناحية بفضل رواد عظماء في الفكر والثقافة والفقه (الطاهر الحداد، قاسم أمين، سلامة موسى...) استشرفوا متغيرات المستقبل وأدركوا معانيها مبكرا، ومن ناحية أخرى، بفضل ما أثبتته المرأة نفسها من جدارة وعقلانية وحكمة وثقة بالنفس.
اليوم يقول تقرير التنمية الإنسانية العربية الجديد، إن النساء يحرزن مكتسبات ويحققن تقدما، ولو جزئيا، نحو المساواة بين الجنسين، ولكنهن لم يحققن إمكاناتهن الكاملة في المساهمة في ازدهار الدول العربية وقوتها. ولكن التقرير يقول أيضا: "إن النساء في العالم العربي لم يحققن كامل إمكاناتهن، وما زلن محرومات من المساواة في الفرص... وهذا الأمر لا ينحصر في أنه مشكلة للنساء، بل هو عائق أمام التقدم والازدهار للمجتمعات العربية بمجملها".
ويلاحظ التقرير، على نحو ملفت أكثر، ان الحركات الإسلامية التي عادة ما توصف في الغرب بأنها، ودون استثناء، قوى سيئة الطوية، كانت "في العديد من الحالات في طليعة حركة تمكين المرأة". ويوضح التقرير ذلك بالقول "أن هذه التيارات الوسط قد حققت تطوراً مهماً عبر العقود الخمسة الماضية فيما يتصل بموقفها من بعض القضايا المجتمعية المصيرية، تجاه احترام حقوق الإنسان والحكم الصالح/الديمقراطية... وشهدت معظم التيارات الإسلامية الوسط، نموا ملحوظا في القيادة المتنورة ضمن الأجيال الأصغر سنا نسبيا. إضافة إلى ذلك، ثمة مطالبة متنامية من الأوساط الشعبية باتباع نهج ديمقراطي داخلي أوسع. ومع ذلك، فإن تلك التطورات الإيجابية لم تتمكن من تحييد التيارات الأخرى الواقعة خارج التيار العام للمجتمع العربي، والتي يمكن لها أن تسعى لتقييد الحريات والديمقراطية فيما إذا تسنى لها الوصول إلى السلطة، وخصوصا ما يتعلق بالمرأة".
والحال، فمن دون المرأة، لن يتحقق أي تقدم، ولن نخرج من أي معضلة، لا اقتصادية (لضمان عائدات أفضل) ولا سياسية (لتحقيق الديمقراطية) ولا اجتماعية (لبناء ثقافة متوازنة ومتحضرة).
ولئن كان مشروع تحرر المرأة واحداً من أوجه النهضة التي كان يبتغيها التنويريون الأوائل، في مسالك السياسة والتعليم والفقه والاقتصاد، فالحقيقة التي لا مفر منها هي ان تحرير المرأة، بتعقيداته الاجتماعية والثقافية كلها، كان بمثابة حجر الزاوية لهذا المشروع برمته.
كان من المستحيل، بطبيعة الحال، تقديم رؤية تنويرية للسياسة من دون تقديم رؤية مماثلة للمجتمع، وبرغم ان النزعة الانتقائية في الإصلاحات سعت، في أماكن شتى، الى تحاشي التورط في مواجهات ثقافية مباشرة مع القواعد والأعراف والمفاهيم التشريعية البالية في مواضع حساسة مثل الموقف من حرية المرأة، فقد أثبتت الوقائع ان تلك النزعة لم تثمر سوى عن محاولات إصلاحية عرجاء، وفرت، بحد ذاتها، أرضية كافية لارتدادات كثيرة حتى فيما يتصل بأوجه الإصلاح الأقل مساسا بالمفاهيم الشرعية التقليدية.
ما نريد قوله هو انه مثلما شكل تحرير المرأة حجر زاوية لمشروع التنوير، فان الانتصار في معترك التنوير، وبالتالي معترك التحديث، كان بصورة من الصور انعكاسا لما يحدث في معترك تحرير المرأة. والحال، فلا نصر حقيقياً يمكن أن يتحقق هنا، من دون نصرٍ حقيقي هناك.
فإذا كانت سلطة الرجل وثقافته هي المشكلة، فان مساواة المرأة وسيادتها وحريتها، هي الحل. علي الصراف alialsarraf@hotmail.com