الرجال في المغرب يتعرضون لعنف 'ناعم'

تعتيم خجول

الرباط - في الوقت الذي تنكب فيه الحكومة المغربية على وضع قوانين جديدة تحمي النساء المغربيات من عنف الرجال بدأ بعض الرجال يخرجون عن صمتهم ليعلنوا مطالبتهم بنفس الحماية القانونية من عنف زوجاتهم.

قد تبدو هذه المطالب الرجالية غريبة، وقد تصدم نظرة المجتمع عادة "للجنس اللطيف" لكن أقسام الطوارئ بالمستشفيات ومراكز الاستماع لضحايا العنف تؤكد وجود حالات من ضحايا عنف النساء من عالم الرجال، رغم أن العدد الحقيقي للرجال الذين يتعرضون للعنف النسائي غير معروف بسبب عوامل ثقافية واجتماعية تمنع الرجال من البوح بما تعرضوا له على أيدي زوجاتهم.

وفي هذا الصدد تؤكد مصادر من قسم الفحص والاستماع بمركز الطب الشرعي بمدينة الدارالبيضاء تسجيل أكثر من 200 حالة عنف متبادل بين الأزواج سنويا، ومن بينها عشرات الحالات لأزواج ضربوا على أيدي زوجاتهم، كما تقول مصادر أخرى من المركز الاستشفائي بالرباط أن حالات العنف الزوجي تصل إلى 150 حالة سنويا.

أما عدد ضحايا عنف الزوجات الذين لا يصلون إلى المستشفيات، أو ينكرون مصدر الجراح الغائرة لأسباب تتعلق "بمنطق الرجولة" فيتجاوز الأرقام المعلنة بكثير.
وفي هذا الصدد أكدت دراسة ميدانية أجريت بمدينة أغادير أن 23 في المائة من الأزواج يتعرضون للعنف الزوجي.

عنف لطيف

وسبب عدم وصول صدى عنف الزوجات ضد أزواجهن إلى قاعات المحاكم بنفس الحدة التي يصل بها صدى عنف الأزواج ضد زوجاتهم، إلى عدة عوامل حسب ما يؤكده أهل الاختصاص، فبالإضافة إلى تكتم بعض الرجال الذين يفضلون أن يفسروا سبب وجود جروح غائرة أو كدمات ملونة على أجسادهم على السقوط من السلم، أو الشجار مع اللصوص عند عودتهم مساء إلى بيوتهم أو إلى حادث في الشغل، هناك أنواع من العنف النسائي "اللطيف"، حيث تكتفي الزوجة برسم خرائط على جسد زوجها بأظافرها مما لا يستدعي التوجه إلى أقسام المستعجلات، بل يتطلب فقط ارتداء قمصان تستر الصدر والعنق إلى أن تندمل الجراح، حسب ما أكدته الباحثة نزهة الراضي التي قامت ببحث ميداني حول الخلافات الزوجية وأثرها على المستوى الدراسي للأبناء.

وأغرب حالة سجلها قسم الفحص والاستماع بمركز الطب الشرعي بالمستشفى الجامعي ابن رشد حسب الطبيبة المتخصصة نوال حمدونة كانت لزوج قصد المركز لعلاج جرح غائر في الرأس بعد أن ضربته زوجته بطنجرة الضغط ليلة العيد لأنه لم يدخل إلى البيت محملا بالهدايا اللازمة للمناسبة.

وآخر ضحايا العنف النسائي كان زوجا تعرض للاحتجاز مدة أسبوع كامل في بيت الزوجية من طرف زوجته بمدينة الدارالبيضاء. وحسب يومية "الأحداث المغربية" في عددها الصادر الخميس فقد أقدمت زوجة على حجز زوجها البالغ من العمر 46 سنة لمدة ثمانية أيام الأسبوع الماضي بمنزلهما، الذي كان شاهدا على الأحلام التي زرعاها معا في كل ركن من أركانه منذ زواجهما الذي أثمر طفلين.

وحسب مصادر مطلعة، فإن الزوج العليل بقي محتجزا أسبوعا كاملا، بعد أن أعطى لزوجته كل ما كان يملكه من مال لتنقله إلى المستشفى، لكنها اختفت بعد أن أغلقت وراءها الباب، وتركته يصارع الموت لولا تدخل الجيران بعد أسبوع ليتم نقل الزوج إلى المستشفى، حيث أجريت له عملية جراحية وخضع للعناية المركزة بسبب ما تعرض له من جوع وعطش، إضافة إلى مرضه.

تمييز غير مفهوم

وفي الوقت الذي ارتفعت فيه منذ سنوات أصوات نسائية مطالبة برفع الظلم عن النساء وحمايتهن من العنف الزوجي وهو ما استجابت له الحكومة مؤخرا بإصدار قانون جديد في هذا الصدد، بدأت ترتفع مؤخرا أصوات نسائية أخرى معلنة "لا للعنف ضد الرجال"، حيث أطلقت فاطمة مستغفر القيادية بحزب الحركة الشعبية اليميني صرختها، مؤكدة أن "السيدات اللواتي كتب الله عليهن ممارسة مهنة المحاماة أو الطب أو الصحافة أو مارسن وظيفة القضاء وغيرها من الوظائف الإنسانية الاجتماعية" يعلمن بوجود عنف نسائي ضد الرجال.

وتساءلت على صدر صحيفة "الحركة" اليومية "هل من العدل أن تطالب الجمعيات الحقوقية النسائية التي تنشد المساواة بسن قانون يميز بين العنف الواقع على المرأة والعنف الواقع على الرجل؟ وهل يمكننا أن نعتبر هذا التميز تمييزا ايجابيا كما يحلو القول؟".

واعترفت فاطمة مستغفر التي أعلنت رفضها لعقد مناظرة وطنية لمناهضة العنف ضد النساء أن "أغلبية الرجال المعنفين نفسيا وجسمانيا من طرف النساء يتعرضون للسخرية والضحك فلا يشتكون، وإذا ما فعلوا فإن ذلك لا يتجاوز نطاق الأسرة والأهل، ثم إن أغلبية الرجال تمنعهم الأعراف والتقاليد والكبرياء من اللجوء إلى القضاء إلا في حالات نادرة حسب خطورة الموقف"، وانطلاقا من هذا الواقع ترفض استمرار التمييز لصالح النساء وغض الطرف عن ما ترتكبه النساء في حق الرجال.

وللإشارة فإن الحكومة المغربية تستعد لطرح قانون جديد في البرلمان يقضي بالحكم بالسجن الذي قد يصل إلى المؤبد في حق الرجال الذين يرتكبون عنفا ضد النساء سواء كانوا أزواجا أو أقارب أو مشغلين أو حتى رجال شرطة، كما أن القانون الجديد يقضي بالحكم بأداء غرامة مالية على "كل من ثبت في حقه ممارسة التحرش الجنسي ضد امرأة في الأماكن العامة".

وحسب نفس المشروع القانوني فستحكم النيابة العامة بالإبعاد من منطقة تواجد الزوجة والأبناء على الزوج الذي يعنف زوجته في انتظار صدور الحكم، وقد تحوله إلى مصحات للعلاج النفسي. (قدس برس)