الربيع العربي بعيون مهدويي الكويت

بقلم: فاروق عيتاني

لم يكن ينقص الربيع العربي الا دخول ايران عبر "محبيها" على خط الربيع والثورة مذ شعرت بالقلق للإطاحة بحليفها ومزودها بالصواريخ لضرب بغداد، معمر القذافي. فمع تقدم الربيع العربي عبر الثورة السورية لإسقاط نظام بشار الاسد، ابن ابيه، شعرت ايران أنّ مجرى نهرها الاسود في الوصلة السورية صار مرشحا للإنقطاع مما يعني فقدانها لمصبها على الضفة الشرقية لبحر المتوسط جنوبي بيروت مع فقدانها للورقة الفلسطينية وما سيترتب على نهاية حليفها السوري من تعرض حضورها في العراق لبداية الاقتلاع.

وفي الواقع فإن ايران التي لم تتورع عن الضغط على روسيا لحماية مجرى النهر الأسود واعادة سيناريو احتلال السفارات بطهران، فتحت ما تتوهمه معركة في دول الخليج العربي عسى أن تقايضها بحماية نهرها المقطوع. لم تكتف ايران ببعض عملائها في البحرين ولا بمحاولة اغتيال سفير السعودية في واشنطن ولا بمحاولة تحريك لبقايا ما يسمى بحزب الله الحجاز، فإن ايران وبعد فشلها في البلدين السابقين، تحركت باتجاه ما تراه من الممكن التهويل عليه وهو دولة الكويت.

واتخاذا من مناسبة مقدسة عند الإمامية الإثنى عشرية، أصدرت المجموعات الشيعية الكويتية بيانا اليوم تحت مسمى" تجمع العدالة والسلام" والمبرّز فيه النائب الكويتي صالح احمد عاشور وغيره ومما جاء فيه: "إن ما تشهده المنطقة بعالميها الإسلامي والعربي من ثورات شعبية لاستعادة الكرامة الإنسانية التي استباحتها أنظمة لا تعمل بما شرعه المولى ـ عز وجل ـ، ما كانت لتتم لولا أن استلهمت من ثورة الحسين عليه السلام التصدي للظالم وجوره والتسلح بالقوة والعنفوان، فالحركة الإصلاحية ضد الأنظمة المستبدة حسينية المنشأ، وكيف لا يكون سيد الشهداء ملهمها وهو المنادي في ظهيرة عاشوراء (هيهات منا الذلة)".

وسبق بيان التجمع المذكور، تصريح للنائب عاشور قال فيه: "ان الربيع الاسلامي وليس العربي هو القادم للمنطقه بدعم اميركي ومباركة تركية وبعد سوريا لتستعد دول الخليج لملكيات دستورية على غرار هولندا والنرويج والدنمارك."

واكمل قائلا "ولتستعد المنطقة من الان لحكومات شعبية منتخبة فمن غير المقبول الديمقراطية بجميع الدول العربية والعالم اجمع وتظل دول الخليج بدون تغير."

واضاف "بأن من غير المنطقي والمقبول تدخل دول الخليج لتغير الانظمة في ليبيا واليمن وسوريا وتظل هي كما هي وراثية ومتسلطة وفاسدة والبذخ المالي لا ينقذها من التغير."!

المتأمل في بيان التجمع وتصريح عاشور يدرك أنّ ثمة مغالطات وتصورات واهمة جرى الارتكاز عليها:

1-إنّ حركات التغيير الجماهيرية هي حركات لا تتحقق الا بعد تحول الأكثرية الحاكمة إلى أقلية. هكذا صار في كربلاء وكذا صار في نهاية الأمويين والعباسيين والفاطميين أو العبيديين وهو ما حاصل اليوم. فإذا كان عاشور يتوقع اسقاط النظام في دول الخليج على أساس الأقلية الشيعية في البحرين أو الكويت أو السعودية، فهو ينطلق من مغالطة تاريخية، هذا بصرف النظر عن أن شيعة البلاد هذه ولتجاربها التاريخية القريبة والبعيدة ولمرجعية معظمها الرافضة لمفهوم الولاية المطلقة والتكوينية لا تمشي في هذا الموضوع.

2- إنّ التجربة العراقية بعد الاطاحة بنظام بعث العراق وبمساعدة اميركية، سحبت الثقة بامكانية قيام الشيعة بتحقيق الديمقراطية او العدالة أو حالة تنويرية في حال توليهم السلطة في بلد ما بالإضافة الى الفساد المتلمظ به الذي يمارسونه.

3- ان افكار الجماهير العربية لجهة اعادة إكتشاف العدو الفعلي وهو السلطان الغشوم، لم تعد تنظر الى الغرب تلك النظرة التي امتدت منذ سقوط الدولة العثمانية الى اليوم.

4-إنّ العقل السنّي في مفهومة للسلطة يختلف اختلافا كليا عن العقل الشيعي، فلا معصوم عنده ولا نص امامة ولا مرجعية دينية فعّالة او غير فعّالة تستطيع قيادة حراكه كما هو العقل الشيعي والذي بواسطة الخمس يعمل لإستدامة مثل هذه المؤسسات البديلة عن الدولة، ومن هنا القول ان اركان الاسلام عند السنّة لا تتفق او تتطابق مع أصول الشيعة التي تنص على كون الامامة اصلا من اصولها. وحتى ما يقال عن الماوردي، و"سلطة المتغلب" فهي إحالة الى موقف لم يمثل فعليا توجها عند الناس بدليل ان الـ1400 سنة لم تخل من ثورات وتغيرات انخرط الناس او العامة في قيامها كما اوضحت اولا.

5- إنّ العقل السنّي في تحلله من سلطة نص شكل الإمامة، انما تعامل مع مفهوم السلطة بما كان متداولا وشائعا في منطقته وزمانه. كما أنّ مفهوم التوريث اوّل من ارتأه هو الإمام علي بن ابي طالب كرم الله وجهة عندما ولىّ إبنه الحسن الخلافة، وبالتالي فهو (الفكر السنّي) قابل لإستدخال مختلف المفاهيم المعاصرة والنافعة للسلطة والدولة. بينما لو اخذنا النموذج الايراني لوجدناه لم يتعرف بعد الى مفهوم الجمهورية بل إنتقل من الملكية الى سلطة "ولي الفقيه" صاحب الولاية التكوينية، أي ما يقوله الولي هو شرع مقدس في حين أنّ النموذج الملكي السنّي لا يجرؤ مهما تطاول، على التقدم الى المفهوم البابوي.

5- إنّ عاشوراء عامة في العقل السنّي هي حالة فتنة عمل العقل السنّي على تجاوزها كما تجاوز حركة ابن الزبير وكما تجاوز بدر الكبرى على اهميتها لصالح اليرموك والقادسية وذلك لأنه عقل توحيدي وليس تفتيتيا. كما إنّ الربط بين الحسين وبين الثورية في زمن لاهوت التحرير مع فلسفة الوجودية، قد فقد وهجه بمشاهدة خواتيم كل تلك الثورات وصيرورتها جمهوريات أشد فتكا من الملكيات، لقد كانت جمهوريات توريثية وقائمة على زراعة الخوف متوسلة بإسقاط الاخلاق.

6-إن التناقض فاضح في تصريح عاشور، فتارة عنده هذه الثورة أميركية وبدعم تركي فيغمز من قناتها وهي في نفس التصريح ديمقراطية! فإن كانت الثورات أميركية كما يتوهم في نفسه، فلماذا يدعوها لدخول دول الخليج؟ ألتزداد أميركية، أم لإنّ الربيع العربي ثورة حين يتناول مصر مبارك أو تونس بن علي وينقلب إلى عمالة حين يدق ابواب القتلة حلفائه من القذافي الى بشار الاسد!

إن هذا الربيع العربي هو ضد لكل المفاهيم الإمامية للسلطة. فلا غرابة أنه مكروه وممقوت من كل الذهنيات المهدوية الشيعية.

فاروق عيتاني

بيروت