الربع الخالي لم يعد خاليا

التراث باق والوسيلة تغيرت

لندن – حين يكون هاجس الحفاظ على التراث متملكا على تفكير أبنائه، فإن المهمة لن تكون صعبة كثيرا حتى لو كان مسرحها صحراء قاحلة بمساحة تقارب 600 ألف كيلومتر مربع.

وحلت سياراتهم المكيفة بالهواء وذات الدفع الرباعي محل الإبل، وتعززت قدراتهم على الارتحال في الصحراء، ضمن تقليد تتوارثه الأجيال، عبر أجهزة تحديد المواقع الجغرافية.

واليوم، فإن البدو الذين كانوا يجتازون الربع الخالي بقوافلهم التجارية أصبحوا أدلاء سياحيين ناجحين في الصحراء العمانية.

وتترامى أطراف الربع الخالي فوق اربعة بلدان (عمان، الإمارات، السعودية واليمن) وتغطي ما مساحته 585 الف كيلومتر مربع من الكثبان الرملية الذهبية التي تحمل بين ثناياها كنزا من الحياة البرية وتمنح سكونا فريدا لمرتاديها.

لدى أحمد العبراوي، الذي يسكن مدينة عبري (450 كلم شمال غرب مسقط)، ست سيارات دفع رباعي يستخدمها في عمله القائم على الارشاد السياحي في الصحراء، في مقابل 24 جملا امتلكها والده قبل وفاته في 2002.

يرى العبراوي في هذه السيارات وسيلته للمحافظة على تراث الاجداد من كرم الضيافة العربية ومساعدة الزائرين في الصحراء ويريد نقله إلى الأبناء والأحفاد.

قال العبراوي متحدثا الى صحيفة ذي ناشونال الظبيانية "لو كان جدي على قيد الحياة لانزعج من استبدالي الابل بالسيارات".

لكن الأرباح المتزايدة التي يجنيها من عمله تعتبر ضرورية له ولأسرته في وقت لم يعد في مقدور أبناء البادية ان يكسبوا رزقهم من تجارة قاربت على الانقراض بعد ان كانت قوافل الإبل تحمل جلود الحيوانات والتمر والصوف والأواني الفخارية بين البلدان.

من جانبه قال سليم بوسعيدي، صاحب شركة الرمال الذهبية للسياحة متحدثا الى الصحيفة الظبيانية الناطقة بالانكليزية "ربما تعتقد انك الوحيد الذي يخيم هنا، لكن ثمة آخرين في أماكن أخرى بين الاف الكثبان التي تحيط بك. انها تجعلك تظن ان هذا المكان لك وحدك".

ولا يستطيع جان كلود لا شو، وهو متقاعد فرنسي سبعيني، ان يحصي عدد المرات التي زار فيها الربع الخالي حتى اليوم.

وقال لا شو "الصمت المطبق والسكون والرمال التي لا نهاية لها، جميعها تجعلك تتصالح مع متاعبك. النجوم تلفت نظرك الى عجيب خلق الله، حتى لأولئك الذين لا يؤمنون بالله".

لم يسكن البدو قط الربع الخالي، حتى انهم يتمازحون بأن هذه الرقعة الفسيحة هي المكان الذي اختاره الله لـ"الجحيم الأبدي".

وتختفي آثار خفوف الجمال بسرعة على الكثبان، لكن ما يمكن للزائر ان يلاحظه هو الممرات التي تصنعها سيارات الدفع الرباعي بإطاراتها.

ولم يكن البدو في الماضي القريب بحاجة الى معدات للاستدلال على الطرق وإرشاد المهندسين في مسوحاتهم للبحث عن النفط والغاز.

وعن ذلك قال العبراوي بضحكة مكتومة "كان جدي ليعتبرني عارا عليه لأنني أستخدم معدات الملاحة الجغرافية. جمال هذا المكان يكمن في استخدام حواسك وغرائزك التي ولدت معك".