'الراية البيضا' ونظرية المؤامرة

"الراية البيضا"، مسلسل من زمن المسلسلات الهادفة والرؤية المستقبلية التي صاغها المبدع الراحل أسامة أنور عكاشة، نهاية ثمانينات القرن الماضي. وكأنه كان ينظر في بلورته لما سيقع في القرن الواحد والعشرين.

يفتتح المخرج محمد فاضل حلقات المسلسل بأصوات الانفجارات ودوي القنابل وطلقات الرصاص. ومقدمة صوتية تؤكد على أنها ليست حربا عالمية جديدة ولكنها، "فَضَّة".

"فَضَّة"، سيدة تحتكر ثروة السمك في الإسكندرية أرادت بثروتها شراء قصر تراثي أصيل لهدمه وبناء عمارة جامدة بدله. وهذا ما نعيشه الآن في زمن "فَضَّة" الجديد المستمر في الجهل والتخلف الذي أنتج دواعش التطرف ودواعش الفساد.

لا فرق. "فضة" القرن الواحد والعشرين تطلق العنان لصوتها المجلجل، ليصمت الجميع أمام إرهابها ورعونتها وتدخلاتها.

ذلك الصوت الجبروتي الدكتاتوري المفزع، لازلنا نسمعه ضد كل ما هو جميل وأصيل من تراث وحضارة بلاد العرب والمسلمين.

حروب دقت طبولها في الشرق الأوسط الذي أراده مقسموه كبيرا. كبيرا في تفتيته إلى مجموعات غبية جاهلة طائفية ومتعصبة لفكرة ضيقة ورأي وحيد وكانتونات غير مؤهلة.

لن تكون ساكس بيكو القديمة سوى ترف بالمقارنة مع ما يتصدره المشهد من سيناريوهات تطال أوطانا تتصدرها طفيليات الزمن الرديء من دعاة الدعوشة والرهبنة والشعبوية في السياسة والفساد في السياسة. وغيرها من عناصر غير مؤهلة للحديث باسم الماضي ولا الإجابة على أسئلة الحاضر والمستقبل.

إنها عناصر مسرطنة أرادت تشويه التاريخ والحضارة والركوب على الامتداد الجغرافي لمحو كل أبجديات اكبر موحد لدول المشرق والمغرب، مخاطرة سيئة ترك الساحة لمثل هؤلاء لتكريس التجزئة والانقسام بين اجزاء الوطن العربي.

كان التصدي الفكري في مؤتمر الصخيرات قرب الرباط العاصمة المغربية، والذي نظمته مؤسسة الفكر العربي برعاية العاهل المغربي الملك محمد السادس، ما بين 3 و5 ديسمبر تحت عنوان "التكامل العربي: حلم الوحدة وواقع التقسيم، مؤتمر أراد منظموه والمشاركون في فعالياته كشف العوامل وطرح البدائل واقتراح بعض الحلول لهذه الظاهرة.

هل التكامل العربي حلم؟ هل الوحدة بعيدة المنال في ظل هذا التشرذم واللامنطق والعنف والجنون الارهابي والطائفي والاثني؟ العاهل المغربي في رسالته للمؤتمر، أجاب بأن الوحدة العربية ليست حلماً صعب المنال، بل هي مشروع قابل للتحقيق، وضرورة استراتيجية على الجميع تجسيدها.

لكن الملك نبه إلى أن التكامل العربي لا يعني الانغلاق والانعزال عن العالم، بل ينبغي أن يشكل حافزاً لتوطيد العمق الأفريقي والآسيوي للعالم العربي، وتوسيع علاقاته مع مختلف القوى والتكتلات الجهوية والدولية، ولا يجوز بالتالي أن يبقى تفعيله شعاراً مؤجلاً.

إلى هنا يبقى الطريق سالكا دون رفع الراية البيضا، أمام كل معوقات التقدم والارتقاء. لكن الطريق يبقى مليئا بكل الأسلاك الشائكة والمتاريس والألغام المتفجرة. التي زرعتها أيادي من لا يعترف سوى بلغة العنف والتطرف والإرهاب.

الانقسام واقع في الفكر والسلوك لدى أنظمة دأبت على تغييب كل أشكال الديمقراطية والمشاركة السياسية وارتضاء التداول على السلطة. إذا غابت أفكار الوحدة الحقيقية داخل حدود الدولة ذاتها، فلن ننتظر منها سوى وضع عراقيل تحقيقها مع محيطها.

هناك تجارب في هذا المضمار قطعت أشواطا في اتجاه التكامل وهناك تجارب أخرى دخلت غرفة الإنعاش قبل ان تبدأ ملامح النهوض. ومنها الاتحاد المغاربي الذي قال عنه العاهل المغربي انه يعرف جمودا مرفوضا على خلفية توجهات لن تخدم أية مصلحة، ولن تؤدي إلا إلى تكريس الحالة الراهنة وإطالة أمدها. شيء محبط فعلا.

بالصخيرات ناقش المشاركون موضوع "العقل العربي ونظرية المؤامرة". وليس غريبا أن يشك البعض في مساعي دول بعينها في اختراق كيان العرب والعبث بمستقبلهم. حقيقة لابد من الوقوف عندها مليا. والأمر له وجهان الأول، متعلق بمساعي تلك الدول الخارجية للسيطرة على مركز القرار العربي والإسلامي، والثاني مدى استعداد بيئة الدول العربية لهذا الاختراق في البنية السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

لتجاوز هذا الأمر هناك من قال بان"الكثير من المؤامرات تأتي نتيجة الإقصاء أو الجريمة السياسية".، وأن "نظرية المؤامرة تبرير للإخفاقات الداخلية، ومحاولة تحميلها للآخر".

الشيء الذي أرجعه باحث مغربي إلى ظروف داخلية تتعلق بـ"الجهل والتخلف السياسي والاجتماعي والقهر، نتيجة لغياب الديمقراطية التي هي من أهم روافد الاستقرار والتنمية الشاملة".

تشخيص المسألة داخل الوطن العربي أرجعها ضاحي خلفان، نائب رئيس الشرطة والأمن العام في مدينة دبي، الى ظواهر متفشية كالبطالة والفساد والفشل المالي والإداري والتناحر القبلي والحزبي والطائفي. لتحقيق الأمن الداخلي ضد أية مؤامرة تحاك خارجيا وداخليا، لابد من تظافر جهود الجميع من مؤسسات الدولة ومجتمع مدني وتأهيل الأحزاب السياسية لتحمل المسؤولية بجدية وشفافية.

مسألة غاية في الأهمية أضافها ضاحي خلفان، عندما ربط بين القانون وتوفير رغيف العيش وتطوير التعليم. لتحقيق الأمن في الوطن العربي. وهذا مرهون بالانتباه غالى مسألة "التدخل الأجنبي وفرض أجنداته"، وإلى الفقر وسوء التدبير، والاتكالية.

حصان طروادة يمكن أن يكون عبارة عن أفكار براقة. وما أكثرها بدأت بمبرر الحماية ولازالت. لتجعل التدخل الخارجي سهلا وممنهجا ولا يلفت الانتباه إلى الهدايا المسمومة.

في "قم" مركز إيران الديني، انعقد مؤتمرا بين 23 و24 نوفمبر الماضي تحت عنوان "آراء علماء الإسلام في التيارات المتطرفة والتكفيرية". إنها الظاهرة التي يركب عليها حماتها لتبييض الوجه الذي اسود بمكررات الإرهاب.

إيران حاولت الانحشار داخل حصان المؤتمرات الإسلامية لتغليف تدخلاتها. لقد أعلنت الحرب على كل من يخالف عقيدتها، واعتبرته كتب فقهائها كافرا، وفي المؤتمر قال أحد آياتها، أن المؤتمر يسعى لتخفيف المعاناة من مخاطر الجماعات التكفيرية حول العالم. وهذا تناقض واضح.

لا يمكن أن يستغفلنا مثل هذا الكلام وغيره. فالذي يجارب بالفعل ظاهرة الإرهاب يبدأ من الابتعاد عن صناعة مشاتله خارج حدود بيئته لأجل التحكم في مخرجاته.

لقد دأبت إيران على مناهضة كل من ينافح عن حقه في السيادة الوطنية. وحروبها المباشرة أو بالوكالة في المنطقة كلها كانت طائفية وبوسائل إرهابية، والدواعش عثروا على تربة خصبة بالعراق وسوريا وغيرها بفضل الحواضن التي نشرتها إيران.

مختبرات إرهابية، هدفها سلخ دول المنطقة من كل ما يربطها بأرضها وتاريخها وثقافتها وحضارتها. إذن لا يمكن فهم المؤتمر بمركز العمائم السوداء، إلا كحصان طروادة آخر يريد الولوج داخل أسوار بالكاد تقف على أسسها.

رفع الراية البيضا، أمام الفكر التكفيري التخريبي الذي لا يعترف بحدود التاريخ والجغرافيا والحضارة، ولإملاءات بعض الدوائر الغربية بدعوة حماية حقوق الأقليات والمضطهدين. نعتبرها مؤامرة وإحدى حيل جيل آخر من المتدخلين في الشؤون واستنزاف الطاقات والثروات.