'الراقصة' .. فراشة متدثرة بالحرير تخلق بهجة فرجوية

مسكرة وعوالم ميتافيزيقية

الفيلم معالجة حرة لرواية جيوفاني ليستا وبطولة سوكو وليلي روز ديب، ولعل الميزة الأولى هي أنه فيلم عن السيرة الذاتية لشخصية فنية عبقرية وراقصة أميركية توصف بالجنية الساحرة، ولكن المخرجة الشابة تمكنت من خلق مناخات حساسة تفوح بالدهشة المفرطة والناعمة فتسكر العيون وتناجي الروح ولم تنزلق في تفاصيل لم تخدم هذا التوجه، كما أن الفيلم يؤكد على موهبة وممثلة سينمائية هي سوكو والتي سيفتح لها هذا المنجز الكثير من الأبواب إلى النجومية.

لوا فولر لم تجد حظها في بلدها لتكون راقصة، حيث ولدت وترعرعت في الغرب الأميركي كفلاحة لا تتقن سوى التقاط روث الماشية وبعد موت والدها السكير، تسافر إلى أمها التي ترهبنت وتسكن في دير الراهبات، تحلم الفتاة أن تكون ممثلة فتصطدم بواقع بائس ومزري، فتفر إلى باريس لتصبح نجمة مضيئة في زمن حقبة جميلة، مخبئة تحت أمتار من الحرير تروض الضوء وتنحت من أجنحتها الحريرية قصائد وترانيم غير خائفة من قوة الضوء وسعير حرارته التي تحرق عينيها وظلت مصممة لتصل وترقص في أوبرا باريس والتي كانت تصنف كقمة للمجد الفني في العالم.

فيلم "الراقصة" يعيد في أذهاننا نحت شخصية فنية تظهر في أوج مجدها والتي غرقت في بحور ظلمة النسيان، وهنا يحسب للمخرجة إحياء هذه الشخصية فهي لم تكن ممثلة بل راقصة مختلفة تخلق من الرقص أهازيج نورانية لترقص الأرواح في بحيرة فردوسية نجحت التقنية في خلق هذه اللوحات دون الإعتماد على الخدع البصرية، كما أن رقصات المشاهد الخارجية لا تقل سحرا ودهشة عن تلك الممسرحة وربما حدث نوعا من التماسك لنظل في نفس الطقوس ونظل على صلة بالراقصة والرقص كفن لديه ما يقوله وليس مجرد معطرات ترش بالقطارة.

كما أن الفيلم يبحر محاولا كشف تفاصيل صورة غامضة للفنانة المعذبة، والإضطراب النفسي وارتباك الهوية والفوضى الجنسية، فهي لم تشعر بلذة الجنس وحين تناديها الرغبة لممارسة الجنس مع صديقتها ايزادورا دنكان (ليلي روز ديب) هذا الجسد المتفجر بالرغبة والأنوثة كانت بمثابة ملاك الشر لتدمير لوا فولر التي وقعت أسيرة في حبها معتقدة أنها وجدت نعمة الحب الذي لم تعرفه أو تحسّ به وكانت تبحث عنه ولكن عندما وجدته كان عنيفا ومدمرا فبدلا من التقلب في حدائق اللذة والسعادة صار مأزقا جديدا وألما موجعا. لذلك تسعى لتتجاوز نفسها بتدمير العاطفي من أجل المهني، كما أننا نتابع مسارات العلاقة بين الراقصة ولويس (جاسبارد أوليه)، فهي الصداقة الصافية والعشق المعقد وهذه الشخصية الرجالية فيها ما فيها من العبث والقلق والإضطراب النفسي وقد منحت الفيلم تنوعا فهو ليس مغلقا على شخصية نسائية واحدة فقط وليس عرضا فسيفسائيا لشخصيات نسائية متعددة خاض الفيلم ليتعمق بحذر ليلتقط الجوهر دون الإسراف في شكليات ساذجة، كما أن الفيلم منح بعض الأمكن المهمة روحها الفني وعبيرها المتدفق بالروعة فحلق بنا في دهاليز أوبرا باريس.

تشرح المخرجة طريقة عملها وتكشف في عدة أحاديث صحفية أن في بدايتها تعاملت مع الموضوع كوثائقية، وكانت النقطة الأولى صورة فواتوغرافية أبيض وأسود للراقصة عثرت عليها المخرجة فجذبتها وسحرتها لذا قررت كشف سر هذه الشخصية وخلقها من جديد وقامت بالبحث وقراءة عشرات الكتب ثم سعت للبحث عن شخصيات لديها حكايات عن الراقصة وتلك الحقبة ثم قررت أن تكون قريبة إلى بطلتها، تصوير الجسد والحركة، لخلق طاقة قوية وجبارة مصدرها الروح وما يفعله الجسد ما هو إلا ترجمة مخلصة لرغبة الفؤاد في التحرر وفك القيود، وتضيف المخرجة أنها عملت لثلاث سنوات للحصول والقبول لمعالجة مرضية لحكاية فيها تعقيدات مختلفة.

هذه الفراشة المتدثرة بعشرات الأمتار من الحرير الذي يتشكل ويتلون بتفاعله مع الضوء كان وسيلة مدروسة سعت المخرجة لتوظيف هذه الصور المرئية النابضة بالحياة لإحياء لوا فولر كنموذج فريد لفنانة وضعت بصمتها في الحركة الفنية الطليعية ولعهد فني كان له تأثيراته القوية على ما بعده، توظيف الجسد خلال مشاهد الرقص الرائع خلق نوعا من التأملات الخالدة وكانت مشاعل جمالية، فنحن نحسّ بالجمال الفائق وكذلك القسوة، فالراقصة قبلت بتدمير جسدها وكيانها العاطفي والجنسي في سبيل خلق فنها، فلم تكن راقصة مسرح ولا كباريهات ولم يكن الرقص مهنة لكسب المال والشهرة، بل كان الرقص حياتها ولذة روحية وفيه الكثير من النقاء ليكون تباشير التجديد، فالتلاعب بالألوان يغوص بنا ليرسم ما يشبه بحيرة من البجع كما وصفه بعض النقاد وهذه النتائج كانت ثمرة جهد مخرجة ذكية وكادر تمثيلي وتقني صبور وجاد، كون النتائج المدهشة لا تأتي من فراغ.

سوكو هذه الممثلة الشابة تظهر في حلة مثيرة للدهشة، في مشاهد الرقص نحسّ بنبضاتها ومخاوفها ووجعها فلم يكن الرقص عرضا مجانيا لجسد أنثوي ليثير شهوتنا الحيوانية بل كان طرقات صافعة على بوابات أرواحنا وهمسا موجعا يداعب دواخلنا وبهجة فرجوية مسكرة تبحر بنا في طقوس الخيال وتقذف بنا في عوالم ميتافيزيقية فيها الكثير من الفرح والألم معا.

*سينمائي يمني مقيم في فرنسا