الرافعي في رسائله: أحببت فتاة كأنها قصيدة غزلية في ديوان شعر

والله ما أدري أوصفتها أم وصفت بها

في طبعة جديدة وأنيقة أصدرت وكالة الصحافة العربية بالقاهرة كتاب "رسائل الأحزان في فلسفة الجمال والحبِّ" للأديب الكبير مصطفى صادق الرافعي الذي يقول في مقدمته: كان لي صديق خلطته بنفسي زمنًا طويلًا، وكنت أعرفه معرفة الرأي، ثم وقع فيما ما شاء الله من أمور دنياه حتى نسيني، وطلعت الشمس في غيم يناير من 1924 حتى أتى البريد يحمل إليّ خطه وإذا فيه: يا عزيزي الحبيب أفقدتني زمنًا إن يكن في قلبك منه وخزة ففي قلبي منه كحز السيف. لم أنسك نسيان الجحود، إذ كنت في سجن وأنا الساعة منطلق منه، لاتجزع ولا تحسبنه سجن الحكومة.. إذ هو إلا سجن عينين ذابلتين كان قلبي المسكين يتمزع في أشعة ألحاظها كما يكون المقضى عليه إذا أحاطت به السيوف وجعل بريقها يتخاطف معاني الحياة من روحه كما هي في نفسها وتركتها كما هي في نفسها بل هنا كنفسي. وأرجو عافاك الله ألا تتطلع في قلمي بنقد أو اعتراض أو تعقيب، بل دعني وما أكتبه كما أكتبه، فإن لكل شيء طرفين، وإن طرفي الجمال هما الحب والبغض، ورسائلي هذه ستأتيك بالجمال من طرفيه، فلقد والله أحببت حتى أبغضت، ولقد والله يضجر العمل السامي، إذا أصاب غير موضعه، كما يضجر العمل إذا نزل في موضعه، ومتى انقطع هذا المدد المتلاحق من كبتي، فأجمع الرسائل وقدم لها كلمة بقلمك ثم اطبعها وسمها "رسائل الأحزان". صديقك (……) 21 يناير سنة 1924 .

وفي رسالة أخرى، يقول: لقد أحببت فتاة كأنها قصيدة غزلية في ديوان شعر لاخطبة سياسية في حفل.. فما ثم إلا معنى دقيق لطيف خلاب ساحر كل قولي له: أريد أن أفهمك وكل قوله لي تأمل تفهم.

أقول لك أحببتها لا كهذا الحبِّ الذي تراه وتسمع به في رواية تبتدئ وتنتهي في جزأين من رجل وامرأة ولا كالحبِّ الذي يؤلفه الكتاب والشعراء حين يجمعون عشرين معنى في كلمة أو يرسلون عشرين كلمة لمعنى.. ولا كالحبِّ الذي يُباع ويشترى فتأخذ منه بالدينار أكثر مما تأخذ بالدرهم.. ولا كالذي تجيئه وأنت في الإشراق والنور كزجاجة الخمر فيعيدك وأنت من الظلمة والسواد كزجاجة الحبر.. أحببتها ولا كالحبِّ نفسه.. من ذا الذي قال: "من يهلك نفسه من أجلي يجدها"؟ أظنه المسيح وقد كانت هي تتمثل به كثيرًا.. ويختتم رسالته.. وكل هذه الأساليب شروح وتفاسير أما المعنى الذي تبحث عنه فهو هذا: داء الحبِّ نقد أو الدواء عند السين وسوف.

وعند هذه الجميلة التي هي أكذب ما في الصدق عند محبها وأصدق ما في الكذب على محبها.

وفي رسالة أخرى عبارة عن قصيدة بعنوان "حيلة مرآتها":

مرآة فاتنة النفوس وصفحة ** تتلو بها أرواحنا مالها

لما عجزنا أن نفصل وصفها ** جمعت لنا مرآتها إجمالها

واها لمرآة البخيلة لورثت ** يوما فأهدت في الجفاء خيالها

تتلألأ الصفحات في جنباتها ** فتخال ضوء الشمس هز خصالها

ويتساءل في رسالة أخرى.. تقول أيها العزيز فصفها لي على حقها وصفها على هواك بما يزخرف الهوى من كذبه وانقلها إلى من مرآتها نقلًا ووافني عنها برسالة كليلة من ليالي القمر في الصيف تتنفس كل ساعة فيها براحة الفجر آهٍ ما كان لي ولهذا البلاء الجميل فإن عهدي بهذه النفس أنها مصممة حكيمة إذا فزعت تفزع إلى ضرس حديد وإذا همت أمضت عزيمتها فما يند منها شيء إلا ضبطته وأحكمته، وإن عهدي بهذا الحقل أنه نافذ وهي ذات حرب وسلم في أساليب الحكمة والسياسة هي رشيقة جذابة تأخذك أخذ السحر؛ لأن عطر قلبها ينفذ إلى قلبك لا تلبث أن ترى عينيك تبحثان في عينيها عن سر هذا الأسلوب البديع فلا تعثر فيها بالسر ولكن بالحب، وإذا كنت ذكيًا فأضاعت إلى ما فيها من بواعث الهدى إعجابها بك فقد أحكمت لك العقدة التي لاحلل لها.

تلك هي أيها العزيز من أيِّ الجهات اعتبرتها لا ترى أوصافها تنتهي إلا كما تنتهي أطراف الواحة خضراء في رمال كالأقيانوس تقحمك المتالف، وتبث لك مصايد الموت في كل جهة ولا يخرجك منها إلا أن يكون عمرك أوسع منها وقع ذلك فلا تخرج إلا حيًا نصفه موت أو ميتًا نصفه حياة.

وفي رسالته وهي العاشرة، يقول: لقد وصفتها لك أيها العزيز وملأت رسائلي منها، غير أني والله ما أدري أوصفتها أم وصفت بها، وكتبت منها أم كتبت عنها، فإنما ذلك مطلب دونه أن تجعل وصف الحجر يلذع الجمر، ومنها أكبت فإنها باقية في نفس لا تنقص على قدر ما تزيد.

لو أني سئلت تسمية لعلم الجمال لسميته "علم تجديد النفس" ألم ترَ إلى المحب الذي أتعبه الحبُّ كيف يشعر أنه متصل بالنور الأزلي من الحسن الذي يعشقه، وكيف يرى في إطواء نفسه أخفى الوساوس وأدقها، كأنها مكشوفة لعينه على الضوء، وكيف يظل أبد في حبه، كأنما يبحث في الأرض عما ليس في الأرض، ويحاول أن يجد في قلبه ما لا يخلق في القلب.

وفي رسالة أخرى.. تقول أيها الصديق: "ألا زدني ثم زرني فإن ليلك الحزين قد تفجر لك بصيح من تلك الشمس، وأن قلمك ليجمع أشعة النجوم ويصور منها ذلك القمر، وأنك لأنت المحب الذي يخرج من جنونه العقل الكامل. ولئن كانت تلك الحبيبة قد اختلجت نفسها من يدك فما ذلك الا أنها ملك "إليك جناحه وأمكنك منه ثم انفلت ليدع في يدك الريشة السماوية التي تصوره بها"..

ألم ترَ إلى شعراء الدنيا وهم أنبياء الجمال الذين لا تتصل ملائكته بغيرهم ولا يفهم غيرهم ما يفهمون منها، كيف يشبهون الحسن الرائع بكل ما في الحقيقة من مظاهر الروعة، فيتناولون من الآفاق والحبَّ والبروق والرعود ومن الشمس والقمر والنجوم والأفلاك، ومن الجلد والجنة والنار، ويأخذون من الجبال والبحار والأنهار ومن الرياضة والأزهار ثم من الطير والوحش، ثم من المعادن وأفلاذ الأرض، ومن كل ما ختمت عليه يد الله بروعة أو طبعت عليه برهة، ويجمعون ذلك ثم يفيضونه في أوصاف الجميلة وجمالها حتى لكأنها ذلك السر الذي قام به حسن الخليقة وحتى كأن الله لم يخلقها إلا ليكون كل شيء فيها تفسيرًا لشيء ما في آية من آياته.

ويبدأ رسالته الرابعة عشرة، بأبيات من الشعر:

كم أسال الدر عن معناك باسمة ** والورد عن لفظة قدأ طبقت فاكِ

لا الدر يدرى ولا في الورد لي خبر ** أرويه عن شفتيك أو سناياكِ

يا نجمة أنا في أفلاكها قمر ** من جذبها لى قد أضلك أفلاكي

النار بالنار، لا تطفأ إذا اتصلت ** فكيف أصنع في قلبي لينساكِ؟

آهٍ أيها العزيز إن صدري لينشق الأبيات وإن لي لغمزا على فؤادي لا يسكن وإني لأرتمي بها كأن في كل بيت منها نوعًا من أنواع الحمى. هي ألحاظها أو اللقاء بيني وبينها ساعة كانت تنتزع ألفاظها من قلبي، فألتوي عليه لأنتزعه من ألفاظها، وكنت ساهيًا عن القدر وعين القدر ذاكية علي في تلك الساعة ولا أدري. (خدمة وكالة الصحافة العربية)