الراعي الأميركي في ميزان التقدير الإستراتيجي

بقلم: صبري حجير

ما زال قطّاعٌ واسعٌ في عالمنا العربي يعتقد، أنّ الولايات المتحدة هي القوة الأعظم التي مازالت تسيطر على العالم، وان أميركا هي الدولة الأولى في العالم التي في يديهِا مفاتيحُ السلم والأمن الدوليين، وبين دفتيها يكمن مخزونٌ استراتيجيّ حيوي يؤهلها من إرساء سيطرتها على العالم، وتنظيم توازناته المختلفة، واستيعاب اتجاهاته المتناقضة. هذا الإعتقاد لا ينطبق على قطاعٍ من الإعلاميين، وأصحاب المواقف والآراء والمفكرين فحسب، بل يشمل، مع الأسف، رؤساءَ دول عربية، وكثيراً من قادة أحزاب وفصائل ومنظمات اجتماعية وسياسية مختلفة، ويأتي في المقدمة منهم طاقم المفاوضين الفلسطينيين برئاسة محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية، ومن خلفه زمرة من المستشارين والمطبلين والمزمرين عبرَ منابرهم الإعلامية، الذين ما فتئوا يتحدثوا عن الحلول السياسة المتاحة والممكنة، التي من شأنها أن تحافظ على الرؤية الوطنية للقضية الفلسطينية، وهم الذين يعتقدون أن نظرتهم البراغمتية للأمور هي التي قادتهم الى هذه المُحصلة السياسية!
بينما، في الحقيقة، الوعي السياسي الذي يتمتع فيه الشعب الفلسطيني، بحكم تجربته النضالية المديدة والمريرة، جعلته على درجة عالية من حساسية الإدراك والوعي والمعرفة في مجريات السياسة المحلية والدولية وتلقباتهما، ممّا يؤهله لتجاوز مثل تلك الطبقة الفلسطينية الحاكمة والمفاوضة، التي لا تجيد من فنِ التفاوض إلاّ التنازل والتفريط. هذا الفريق المفاوض ينطبق عليه قول مظفر النواب "انّ النهر يظلُ لمجراه أميناً " لا يتبدل ولا يتغير، يمضي تحت سقف لا يحيد عنه، رغم تبدل المعطيات والظروف واختلال قوة الدول وتبدل سياساتها، سوف يظل يعتبر الولايات المتحدة الجهة الوحيدة التي تمتلك تسعاً وتسعين بالمئة من أوراق الحل، كما كان يقول صاحب كامب ديفيد الأولى أنور السادات.
لا يختلف اثنان على أن الولايات المتحدة اليوم، ليست بالقدر الذي كانت عليه بالأمس، وان الرئيس أوباما هو اليوم في أضعف حالاته، وفقاً لإستطلاعات الرأي الأميركي، في الفترة القريبة الماضية، والإدارة الأميركية تعيش، منذ رحيل الإدارة السابقة "المحافظين الجدد" برئاسة جورج بوش الإبن، تداعيات تلك الفترة السوداء القاسية والمريرة، وما حملته من أزمات ومصائب! وتعبرُ الآن مرحلة عكرةً ومتوترة، تختلطُ فيها الاتجاهات، وتتعاظم عليها الأزمات.
تشير التقديرات الى أنّ الولايات المتحدة، وهي تنتقل من جبهة حربٍ الى أخرى، تجرُ ذيول هزائمها من العراق الى أفغانستان، وأنّ الرئيس أوباما، على ضوء الإنهيارات التي أصابت إدارته، يحاول تحقيق مكاسب تاريخية، وانتصارات سياسية على حساب الفلسطينيين لصالح حكومة نتنياهو، قد يستطيع أن يحققَ من ورائها عودة موفورة للحزب الديمقراطي في الإنتخابات النصفية للكونغرس الأميركي، من أجل ذلك استنفر عدداً من كبار المتخصصين ورؤساء مراكز الأبحاث الأميركية في حلقة التواصل بين السلطة الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية، ويأتي على رأسهم اليهودي دينس روس المبعوث الأميركي السابق، ورئيس معهد واشنطن الأميركي المتخصص بالنزاع في الشرق، لاعطاء انطباع إعلامي للأوساط الصهيونية في الولايات المتحدة بأن الإدارة الأميركية والرئيس أوباما منحازٌ للجانب الإسرائيلي بكلّ ترتيباته السابقة.
على الجانب الآخر، استوعب نتنياهو، على ما يبدو، الحالة المتردية للولايات المتحدة، فرفضَ الإنصياع لتوجيهات الرئيس الأميركي أوباما، بل تمرّد عليه! وفرض عليه التراجع عن وعوده التي قدمها للفلسطينيين بشأن تجميد الإستيطان، ريثما تنتهي المفاوضات.
تنطلق المباحثات المباشرة في واشنطن، بوقت تسود فيهّ حالة إنكسار لمصداقية السلطة الفلسطينية، وانحدار لهيبتها، التي تضع نصبَ عينيها دائماً رغبات الولايات المتحدة، أولاً وقبل أيّ اعتبار آخر، رغم أن أبي مازن وفريقه يعرفُ مسبقاً بأن المفاوضات المباشرة التي انطلقت اليوم رسمياً، في الثاني من أيلول سبتمبر، في واشطن، لم تفضِ الى أيةِ نتائج تُذكر، بل انّ المفاوضات ستكون فقط من أجل المفاوضات! الهدف منها ؛ إعطاء إنطباعاً مفاده "أنّ اسرائيل المحاصرة سياسياً وأخلاقياً وحتى إقتصادياً من قبل شعوب العالم، تدخل الساحة الدولية من جديد دون وجود شوائب، بل تنسجم بعلاقاتٍ طيبةٍ مع الفلسطينيين، بدليل اللقاءات والحوارات المتواصلة بين الجانبين" الفلسطيني والإسرائيلي. أي فيما سوف يكون.
أبو مازن وطاقمه المفاوض سمعَ وأطاعَ، ومنذُ أن أبدى موافقته على استئناف الحوار المباشر مع حكومة نتنياهو، بدأ القرار الفلسطيني يعبرُ درجة عالية من التجاذبات الداخلية، وخاصة مع الجهتين الشعبية والديمقراطية وحزب الشعب وقوى اليسار الفلسطيني، بسبب فقدان الإتجاه الواضح، وانكسار الإلتزام بالمبادئ السياسية، وبسبب تدخلات وضغوط اقليمية ودولية تذهب باتجاه الإطاحة بالرؤية الوطنية الفلسطينية التي تتحمل وزرها، في هذه المرحلة التاريخية، حركة فتح في الضفة المحتلة.
الفصائل الفلسطينية ترى أن الإنسياق وراء المفاوضات المباشرة دون مرجعيات وطنية فلسطينية، وتحت سقف حكومة المستوطنين، من الخطورة بمكان ما يجعلها تطيح بالمشروع الوطني الفلسطيني! وقد بدا التململ والحراك السياسي الفلسطيني يعبّر عن نفسه بحملات التواقيع الواسعة، وبعقد المؤتمرات الوطنية حتى في داخل رام الله، عاصمة المفاوضين الفلسطينيين، وعبرَ المظاهرات الواسعة، وحركة الضغط والحراك السياسي التي تتسع يوماً بعد يوم، الى أن وصل مستوى تعبيرها الى تصفية عدد من المستوطنين الإسرائيليين على يدّ حركة حماس، وقد نشهد في الأيام القادمة استئنافاً لعمليات المقاومة الفلسطينية في الضفة المحتلة، كردٍ على تلك الحالة البائسة التي وصلت اليها السلطة الفلسطينية.
نتنياهو أدرك المتغيرات، وعرف أنّ السلطة الفلسطينية محكومة ببقائها، في الواقع، بقدرة فعاليتها
على التلاؤم مع متطلبات الراعي الأميركي، وفقاً لرؤيتها البائسة، وبحكم مصالحها المتجزرة مع الإسرائيليين، وارتباط مجموعات من مكوناتها بشبكة تحالفات مع دول عربية، تحكمها سياسات التعايش والإنسجام مع الإسرائيليين والأميركان، وليس من منطلقات وطنية.
صائب عريقات يستقبل بالأحضان والقبل المبعوث الأميركي جورج ميتشل، دون أن يدري أن ميتشل في الشرق الأوسط غيره الذي كان في إيرلندا 1998، كان في إيرلندا يمثل الرئيس الأميركي كلينتون، وكانت قوته مستمدة من الولايات المتحدة الأميركية المنتصرة في الحرب الباردة، أما الآن الولايات المتحدة الأميركية تجرُ ذيول هزيمتها من العراق، وتعدّ قتلاها في أفغانستان، وترمم أوضاعها الإقتصادية لوقف الإنهيار الإقتصادي الذي يهدد مستقبلها. هذا ما ينبغي تقديره في ميزان التقييم الإستراتيجي.. صبري حجير
كاتب فلسطيني مقيم في السويد sabri_hajir@hotmail.com