الرابط المذهبي فوق الحدود والكيانات والدول!

في ظلّ ما تشهده مصر من احداث، سيعمل النظام السوري على الحاق المزيد من الاذى بشعبه عن طريق مجازر ترتكب من أجل افهام السوريين أن لا حق لهم بالحرية والكرامة والعيش الكريم. سيستفيد النظام السوري الى أبعد حدود من التركيز العالمي والاقليمي على مصر كي يتابع مسلسل القتل تنفيذا لسياسة الغاء الآخر التي لا يعرف غيرها. هل من تفسير آخر للحملة العسكرية التي تستهدف ازالة مدينة مثل حمص من الوجود؟

يفترض في الاحداث المصرية أن لا تحجب تطورا في غاية الاهمية والخطورة على صعيد الشرق الاوسط كلّه. يتمثل هذا التطور في أنّ حدود الدول والكيانات بدأت تتغيّر على أرض الواقع، كما حصل أخيرا بين غزّة وسيناء.

حدود سوريا تغيّرت، كذلك حدود لبنان بعدما اعتبر "حزب الله"، الذي ليس في نهاية المطاف سوى لواء في "الحرس الثوري" الايراني عناصره لبنانية، القتال في كلّ المناطق السورية. لم يأبه الحزب بوجود حدود لدولة اسمها الجمهورية اللبنانية وحدود أخرى لدولة اسمها الجمهورية العربية السورية. خرج "حزب الله" من لبنان الى سوريا. أكّد بكل بساطة أنّ الاعتبارات المذهبية فوق أي اعتبارات أخرى وأن ما تطلبه ايران يجب أن ينفّذ بغض النظر عما اذا كانت هناك حدود بين لبنان وسوريا. المطلوب ايرانيا اليوم انقاذ النظام السوري المرفوض كلّيا من شعبه بأكثريته الساحقة. هذا يعني في طبيعة الحال أنّه لم تعد من قيمة للحدود ولمصالح الشعبين اللبناني والسوري ولم تعد هناك قيمة للقانون الدولي.

في مصر، لم يعد سرّا أنّ هناك تواطؤا على كلّ المستويات بين الاخوان المسلمين المصريين وحركة "حماس" التي اقامت "أمارة طالبانية" في قطاع غزة، وهو كيان مرتبط جغرافيا بسيناء. مثل هذا التواطؤ أكثر من طبيعي نظرا الى أن "حماس" جزء لا يتجزّا من تنظيم الاخوان وهي تعتبر نفسها معنية بما يدور في القاهرة بمقدار ما هي معنية بالسيطرة على غزة وتمدد نفوذها في اتجاه سيناء. نقلت "حماس" القتال الى سيناء غير آبهة بالحدود بين القطاع ومصر لأنّ وظيفتها الاولى تتمثل في دعم حكم الاخوان المسلمين في القاهرة. ليس مهمّا ما تصدره "حماس" من بينات تهاجم فيها السلطة الوطنية و"فتح" وتتهمهما بشن حملة اعلامية عليها في الاعلام المصري. هذه الحملة المبنية على وثائق مضحكة-مبكية توفّر دليلا اضافيا على العلاقة العضوية التي تربط بين الاخوان في مصر وفرع الاخوان في غزّة!

يبدو همّ الحركة محصورا اكثر من أيّ وقت في من يحكم مصر وكيف يمكن تغيير طبيعة المجتمع المصري أكثر مما تغيّر. في الواقع، قبل سقوط الرئيس حسني مبارك، كان هناك نفوذ لـ"حماس" في كلّ الاراضي المصرية. صارت مصر الشغل الشاغل للحركة بعدما أهمل مبارك وقسم من الفريق المحيط به الوضع في قطاع غزة وفي سيناء. غاب وقتذاك العقل السياسي الذي يدرك أبعاد سيطرة "حماس" على غزة ونشرها لثقافة فوضى السلاح في القطاع وسيناء في الوقت نفسه.

بكلام أوضح، انقلبت الآية. بدل أن تكون غزة دائرة في الفلك المصري، اصبحت مصر في فلك غزّاوي، أي في فلك تنظيم متخلّف يعتبر أن همّه يجب أن ينصبّ على تغيير طبيعة المجتمع الفلسطيني في غزة وليس المساعدة في التخلص من الاحتلال الاسرائيلي للضفة الغربية والقدس الشرقية أو البحث في كيفية الحصول على دعم مصري للمشروع الوطني الفلسطيني المتمثّل في اقامة دولة مستقلة عاصمتها القدس الشريف وتضمّ الضفة والقطاع.

كان هدف "حماس" في السنوات الاخيرة محصورا في تعميم فوضى السلاح كي تشمل سيناء خدمة لمشروع لا علاقة له من قريب أو بعيد بالقضية الفلسطينية. مثل هذا المشروع يخدم مصلحة الاخوان المسلمين عموما ويخدم حكما النظام الايراني الذي لا يزال يسيطر على قسم من "حماس" وعلى مجموعات اخرى تابعة له مباشرة موزعة بين غزة وسيناء.

جاء الآن وقت تحرّك هذه المجموعات بغية افشال المشروع الوطني المصري الذي يمكن أن يلد من رحم "خارطة الطريق". مثل هذا المشروع يصبّ في اقامة دولة عصرية ذات مؤسسات راسخة بديلا من دولة يديرها الاخوان على غرار "الامارة" التي أنشأتها "حماس" في غزة.

كشفت الثورة المصرية الثانية "حماس". كشفت أولوياتها وكشفت خصوصا أنّ كلّ ما تسعى اليه يصبّ في خانة مساعدة الاخوان المصريين في الاستحواذ على السلطة والاحتفاظ بها الى ما لا نهاية. لو لم يكن الامر كذلك، لكانت التزمت حدا ادنى من الحياد في تعاطيها مع ثورة الشعب المصري على الاخوان المسلمين. هذه الثورة أكثر من حقيقية نظرا الى انها تمثل رفضا للانقلاب الذي نفّذه الاخوان بهدف "أخونة" مؤسسات الدولة المصرية.

لم ينتفض المصريون على الاخوان وعلى ما يرمز اليه مرسي بسبب فوز الاخير في انتخابات الرئاسة. ثار المصريون لانّهم وجدوا أنّ الاخوان يسعون الى وضع اليد على مؤسسات الدولة الواحدة تلو الأخرى، بما في ذلك الشرطة والجيش وذلك كي لا يعود مجال لانتخابات رئاسية أو غير رئاسية تسمح بالتداول السلمي للسلطة.

الاخطر من ذلك كلّه أنّ الاخوان في القاهرة لم يعد لديهم من مثل اعلى يحتذون به سوى تجربة غزة. هذا ما يفسّر الى حدّ كبير التعاون القائم بين الجانبين والذي جعل "حماس" تنسى أن قضيتها في مكان آخر... وأنه لم يعد مهمّا بقاء حدود بين سيناء أو غزة. هنا أيضا الرابط المذهبي يتفوّق على كلّ ما عداه.

هناك تغيير لحدود الدول في الشرق الاوسط. من كان يصدّق حتى الامس القريب أن أكراد سوريا سيتحركون بالطريقة التي تحركوا بها وأنّ "حماس" ستزيل الحدود بين غزة وسيناء وأن "حزب الله" سيقاتل في حمص وحلب ودمشق؟...