الرئيس مرسي روبسبير

لم يمهل الرئيس محمد مرسي الثورة أكثر من عامين لكي يجهز عليها ويقرر أن ينصب نفسه فرعونا جديداً للبلاد بإسم الله، فقد صرح الرجل بالفم المليان أن "ما إتخذت من قرارات إنما إتخذته إرضاءً لله والوطن"!، وهو ما يبدأ بنا عصرا جديدا من الحكم بإسم الله على الأرض.

هل من المعقول يا سيادة الرئيس أن يرضي الله والوطن تنصيب نفسك الآمر الناهي الحاكم بإسمه، صاحب القرارات المعصومة والمنزه عن أي إنتقاد أو تقويم؟! هل من المقبول أن يكون عندنا بعد ثورة عظيمة سقط فيها آلاف الشهداء والمصابون من يمتلك في يديه السلطات التي تجعل منه الآمر الناهي الذي لا راد لقضائه ولا مغير لحكمه؟!

لقد قرر الرئيس محمد مرسي تحصين قراراته بالأمس من أي طعن أمام أي جهة مهما كانت، وهي الحصانة الأولي من نوعها التي تقرر السلطة التنفيذية في أي من بلدان العالم منحها لنفسها في خطوة تطيح بأي إعتقاد بأن ثمة علاقة ولو من بعيد بين تلك الجماعة التي تتسم بالبرجماتية المفرطة والثورة التي سالت من أجلها دماء الشهداء. أي أن الرئيس – ببساطة – قد قرر أيضاً (إلى جانب الإستيلاء على السلطة التشريعية والإحتفاظ بها لنفسه رغم إمكانية إسناد تلك السلطة إلى مجلس الشورى أو الجمعية التأسيسية الإخوانيين كذلك) قد قرر حجب السلطة القضائية عن الواقع الإجتماعي والسياسي الذي تعيشه مصر الآن بما يعني إفساح المجال له ولجماعته بالعبث بمقدرات الوطن كما يرتأي لهم وكيفما يحقق مصالحهم.

إن القرارات التي صدرت سوف ترسخ لحكم الإخوان على مدار السنوات القادمة، بإعتبارها بمثابة قبلة الحياة للجمعية التأسيسية المنوط بها كتابة دستور البلاد والتي يسيطر عليها الإسلام السياسي الآن، إلى جانب مجلس الشورى الذي كان مهدداً بالحل هو الأخر لإحتواء القانون الخاص بإنتخاب أعضاءه على نفس العوار الدستوري الذي كان سبباً في حل مجلس الشعب من قبله.

وبمناسبة الحديث عن مجلس الشعب، وفي ضوء تلك الحزمة من التحصينات التي منحها الرئيس لقراراته يجوز التساؤل إذن: ما هي الضمانات لعدم إتخاذ الرئيس لقرار بعودة غرفة البرلمان المنحلة (مجلس الشعب) في أي وقت يرتأي فيه أن عودتها تمثل مصلحة عليا للجماعة؟! وكيف يمكن مجابهة تلك القرارات غير الإتجاه إلى الفوضى أو إندلاع ثورة ثانية في البلاد طالما أن جميع الوسائل المشروعة قد سُدت في وجوه من لا يتفق مع تلك القرارات؟!

في تاريخ البشرية لا تُعد الثورات هي الوسيلة الأسهل التي تلجأ إليها الشعوب للإعتراض على حاكم ظالم أو دكتاتور قرر أن يستأثر بجميع السلطات لنفسه وأن يجعل منها الحاكم الأوحد، لأن الثورة تعني ببساطة الإطاحة بالاستقرار السياسي والإقتصادي والسلم الإجتماعي الذي تنشده كافة شعوب الأرض لضرورة أكبر يجب الوصول إليها، ولكنها عادة ما تكون بمثابة الحل الأخير الذي تلجأ إليه لرفع الظلم أو تحقيق أهداف أو مطالب معينة.

هذا ما حدث خلال الثورتين الإنجليزية والفرنسية على الترتيب، عندما تولي أحد قادة الثوار أوليفر كرومويل في الأولى الحكم وقرر أن يخلق من نفسه ديكتاتورا جديداً فخرجت القوى المناهضة لحكمه في ثورة ثانية تحولت فيما بعد إلى حرب أهلية إنتهت بإعدام كرومويل من قبل خصومه. كذلك ما حدث في أعقاب إندلاع الثورة الفرنسية حينما تولي الحكم ماكسميليان روبسبير والذي كان أحد من دعوا ونظموا وقادوا الثورة على الملكية، وبالرغم من أنه بدأ حكمه أيضاً بإسم الثورة (كما يحدث في مصر الآن) تحول فيما بعد إلى مستبد أشد في إستبداده مِمن سبقوه وثار عليهم هو حتى أنتهى الأمر كذلك بإعدامه بعد حرب أهلية طاحنة عانت منها فرنسا وأوروبا معاناة شديدة.

لم تكن الإجراءات الإستثنائية يوماً هي الحل للخروج من مأزق سياسي أو الوسيلة المناسبة للتحول إلى النظام الديمقراطي الرشيد، وإنما كانت تلك الإجراءات عبر تاريخ الثورات جميعاً هي البداية لخلل طويل المدى في السلم الإجتماعي وذريعة لعدم الإستقرار السياسي الذي قد يؤدي في النهاية لعواقب وخيمة يصعب السيطرة عليها.

بيد أننا لا يمكن أن نغفل رغم كل ذلك الإنعكاسات الضرورية للمتغيرات التي تمر بها الساحة الدولية على الأحداث في الداخل أيضاً، والتي من بينها بالطبع التقدير الذي حظت به مصر على المستوي الدولي وخاصة من قبل الولايات المتحدة بعد تدخلها الأخير في وضع حد للإعتداءات الإسرائيلية على قطاع غزة، والذي ربما قد فُهم من قبل الجماعة الحاكمة على أنه الضوء الأخضر للقيام بإنقلاب داخلي تستتب به الأمور لهم، لأنهم يدركون تماماً أنهم لا يستطيعون إلقاء كرة النار تلك على المجتمع المصري دون تمتعهم بغطاء أميركي كاف للقيام بذلك.

إن ما شاهدناه الجمعة في ميدان التحرير وجميع ميادين مصر هو تطور طبيعي لما حدث بالأمس ويمثل الشرارة ورد الفعل الأولي على تلك القرارات التي أطاحت بجميع المبادئ والأهداف التي قامت الثورة من أجل تحقيقها، فهل يتبلور رد الفعل إلى فعل، وهل نشهد في الأيام المقبلة مزيداً من التصعيد أو استمراراً في التظاهر السلمي والتعبير عن الرفض لتلك القرارات الغاشمة؟! هذا ما سوف يتضح في الساعات القليلة المقبلة.

أحمد أبودوح