الرئيس اليمني والطريق الثالث للإصلاح

بقلم: سعيد مبشور

في تطور لافت، أعلن السيد علي عبد الله صالح عن عدم نيته في ترشيح نفسه لولاية ثانية على رأس السلطة اليمنية، وجاء ذلك في إطار الاحتفال بذكرى توليته كرئيس للبلاد في السابع عشر من يوليو/تموز 1978، ويأتي هذا التطور في سياق الهجمات الشديدة التي يتعرض لها نظام علي عبد الله صالح من طرف المعارضة، والتي تتهمه على الخصوص بالتضييق على الحريات، والاستئثار بالحكم، وتحمله مسؤولية الفوضى الموجودة داخل الحقل السياسي اليمني، خصوصا تلك المتعلقة بالارتباك الحاصل وسط الأحزاب والمنظمات السياسية موالية كانت أو معارضة، كما أن موجة الاعتقالات والاستنطاقات، ومحاولات التصفية التي استهدفت مؤخرا العديد من الصحافيين وكتاب الرأي، وضعت قادة اليمن في موقع المساءلة، مما أزم العلاقة بينها وبين باقي فرقاء المجال السياسي اليمني.
البعض شكك في نوايا الرئيس حيال مشاركته في الانتخابات الرئاسية القادمة، وأرجعت بعض قوى المعارضة شكوكها هذه إلى كون علي عبد الله صالح سبق وأن لوح بمثل هذا الأمر قبيل الوحدة، وعلى فترتين، واعتبر أحد المعارضين الأمر مجرد دعاية انتخابية مبكرة، يروم الرئيس من خلالها كسب المزيد من التأييد، والتمهيد في حالة رغبته ترك السلطة، لتولية ابنه العقيد الركن أحمد علي عبد الله صالح، الذي يشغل مناصب تنفيذية عليا في البلاد، ناهيك عن محاولته زعزعة صفوف المعارضة، التي تعاني أصلا من الارتباك، والتشكيك في قدرتها على تقديم بدائل قادرة على قيادة البلاد.
كلام الرئيس علي عبد الله صالح، يشكل في مبناه استثناء نادرا في خطابات الرؤساء العرب، إذ أن المواطنين العرب على اختلاف طبقاتهم، وانتماءاتهم، وتكويناتهم، لم يألفوا سماع مثل هذا الكلام، بل إن القاعدة هي بقاء الرئيس في البلاد العربية على سدة الحكم، ناطقا وحيدا باسمه، ومهيمنا على تفاصيله، من مهد ولايته، إلى لحد وفاته، ما لم يزحزحه انقلاب، أو تعصف به ريح تدخل أجنبي.
إن اليمن الذي يعيش منذ أكثر من سنة، على إيقاع الصراع الكلامي بين السلطة والمعارضة، وكذا موجة تمرد الحوثي وأنصاره، صار بعيدا عن أحلام اليمنيين ما قبل الوحدة، ولم تقو الرغبة التي أبداها الرئيس في إقرار التعددية والانفتاح، على مجاراة التحولات الفكرية والسياسية التي تشهدها قوى المعارضة، والمنسجمة مع التغيرات التي يعرفها العالم، ومركزية اليمن في الحرب الكونية على الإرهاب.
وقد يكون خطاب الرئيس اليمني، محاولة منه لتوجيه الرأي العام اليمني، من موقع الانتقاد والتجريح في شخصه ونظام حكمه، إلى الثناء عليه، وتعديد مناقبه، والإشادة بمبادرته، وهو أمر إن تحقق فسيساعد كثيرا على تنفيس الأزمة الواقعة في البلد السعيد.
لكن في الحالة المقابلة، لو تأكدت جدية السيد علي عبد الله صالح، وصدقيته في فتح المجال أمام التغيير، فإن من شأن ذلك أن يعد سابقة في التاريخ السياسي العربي الحديث، بعد تلك التي قام بها الرئيس عبد الناصر بعيد النكسة، عندما أبدى رغبته في التنحي عن الحكم، والرجوع إلى صفوف الجماهير.
ومن شأن مثل هذه المبادرة أن تفتح طريقا ثالثا للإصلاح، يغير من نمط العلاقة بين كراسي الحكم والجالسين عليها، وأن تدعو باقي الزعماء العرب إلى إعادة حساباتهم بخصوص مدد ولاياتهم، وأن تخلق لديهم نوعا من صحوة ضميرهم السياسي الذي لا نشك في وطنيته ويقظته.
الطريق الثالث في التغيير هو أن يتقدم الحاكم العربي، بكل جرأة، وتلقائية، إلى عموم مواطنيه، منتقدا ذاته، ومكتفيا بفترات ولايته الانتخابية، القانونية، النزيهة، يسلم مشعل البناء إلى غيره، راضي النفس، مطمئن البال أن الأمر لن يعدو إلا لممثلي الشعب والمعبرين عن حقيقة اختياراته، وشادا على أيدي من ساهموا في مد جسور الثقة والأمن والكرامة والسلام داخل الأوطان، وواقفا بشكل صارم ضد أي محاولة خارجي للهيمنة على البلاد أوالعباد، مدافعا بحزم عن الانتماء ومقتضياته، رافعا بلاده إلى مصاف الدول القوية في شخصيتها الحضارية، المعتمدة على إبراز طاقاتها في بناء وضعها الاجتماعي والاقتصادي.
إن اليمن أو أي بلاد عربية أخرى، ليست عقيما إلى درجة الركود في إيقاعها السياسي، وغياب البدائل ليس مبررا سوى لأولئك العاجزين عن تقديم تنازلات تصب في مصلحة أوطانهم، الحاكمين باسم الديمقراطية، والخائفين في نفس الآن من سيادة ثقافتها ووعيها على نخب الأمة وجماهيرها، الراغبين في احتكار كل شيء، من أجل ألا يتحرك شيء، والقامعين كل أحد، من أجل ألا يجرأ على الكلام أحد.
وإذا كان الطريق الأول في التمرد والثورة، ليس كفيلا بتجنيب البلاد الوقوع في مطب الاضطرابات والضعف البنيوي الشامل، فإن الطريق الثاني الذي يرسمه التدخل الأجنبي في الشؤون الداخلية لبلداننا، ليس هو الآخر سوى مشروع استعمار جديد، يرنو السيطرة على مقدراتنا، وحاضرنا، ومستقبلنا.
إننا بحاجة إلى تغيير جوهري في عقلياتنا، ومناهج تفكيرنا، وطرائق تقديرنا لذواتنا وللآخرين. وإن الإصلاح الحقيقي لا بد وأن يبدأ من حيث انتهى، فالإنسان العربي لم يشهد تقدما يذكر، منذ انتهاء فترة الاستعمار المباشر، وبدأت آنذاك الإصلاحات، واعدة صادقة في أغلب الأحيان، لكنها اصطدمت بحائط صد قوي، كتم أنفاس الحرية، وجمد أصول الإبداع، وجثا على صدر الأمة نير ثقيل من الفساد والاستبداد، وهو واقع قادنا إلى ما نحن فيه، من وهن، وشذوذ حضاري، وارتهان. سعيد مبشور – كاتب مغربي
الدار البيضاء mabchour@myway.com