الرئيس المريض يهزم الربيع العربي!

قيلولة الظهيرة مقدسة عندي منذ الصغر. لا استيقظ منها إلا في الملمات وقانا الله شرها. قبل أسبوعين أيقظني صديق عزيز وقال "افتح التليفزيون بسرعة". تصورت أن حادثاً جللاً قد وقع، ولكني اكتشفت أنه كان يريدني أن أتابع خبر إعلان الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة ترشحه للرئاسة مع فيلم قصير له وهو يغادر لتوه غرفة العناية المركزة بإحدى مستشفيات فرنسا.

بوتفليقة انفاسه متقطعة، نظراته زائغة، ويتحرك فوق كرسي بعجلات. ومع ذلك يصر ان اعتلال صحته لايمنعه من اداره شئون البلاد. الاهم انه وانصاره واثقون من الفوز في الانتخابات التي تجري بعد ايام.

تسألني عن السبب فأقول لك لانه يملك مفتاح الفوز.. الاستقرار.

كانت مكالمة الصديق بمثابة جرس إنذار لي بأن الشعوب أصبحت تفضل الاستقرار على ثورات الربيع العربي. حالة بوتفليقة تؤكد هزيمة الربيع العربي الذي كان ينشد تغيير النظم القديمة والديكتاتوريات وتغليب الديموقراطية وحقوق الإنسان. ببساطة لو كانت ثورات الربيع العربي حققت أهدافها ووعودها لما كان لبوتفليقة أو بشار الأسد أو عمر البشير وغيرهم أي وجود.

أغلب الظن أن الجواب لا. وأغلب الظن أيضاً أن موجة رجعية سوف تكتسح البلدان العربية التي لم تتعرض للثورات، وسوف يكون عنوانها الاستقرار دين المرحلة، الاستقرار والحفاظ على الوضع القائم. وها هم المصريون يقولون بأعداد لا يستهان بها إن عودة المباركية من دون مبارك خير من السير في حقل من ألغام الواقع والتاريخ. وثمة بين السوريين وبين الليبيين من يراجعون ما حصل، ومن يقولون، في السر أو في العلن، إن الشيطان الذي نعرفه خير من الشيطان الذي نتعرف إليه. أما نوري المالكي، ومن دون ثورة، فيحاول بطريقة رثة أن يستعيد صدام حسين وقد تقمصه شيعياً.

والحال أن المرء حين لا يسير لا يقع أرضاً، وحين لا يسبح لا يتعرض لاحتمال الغرق، أما الاستقرار، في هذا المعنى، فمفاده الدعوة إلى أن نلزم أماكننا، لا نسير ولا نسبح.

وكان النظام السوري وقبله مبارك سباقين، وصائبين أيضاً، في ربط محاولات التغيير بالفوضى مقابل ربط الوضع الراهن بالاستقرار.

بيد أن السؤال الآخر يطاول معنى هذا الاستقرار الذي يعادل الموات المحض، كما تطل بشائره اليوم في جزائر بوتفليقة وفي حالات أخرى تنتشر وتعم في العالم العربي.

والحق أن هذا الطلب على الاستقرار، على رغم طابعه العام والشامل، يخاطب فئات اجتماعية تقيم في النصف الأعلى من الهرم أكثر مما يخاطب فئات تقيم في النصف الأسفل منه وتشعر بأنها هي من يدفع كلفة الاستقرار، ليس في مستوى حياتها فحسب، بل كذلك في توحيشها ونزع إنسانيتها. مع ذلك، لابد من الاعتراف بأن الانهيار الصارخ للثورات، بعد الانهيار الصامت للأنظمة، يضعنا أمام انسداد تاريخي نتعلم منه أن ما من بر أمان: لا الأنظمة العسكرية – الأمنية التي واكبتها التناقضات توصل إليه، ولا الثورات في ظل التفتت والرايات الإسلامية والأهلية المرفوعة تفضي إليه، ومع وضع مر كهذا، يستحيل التعويل على تطور تدرجي يستبعد الثورات والحاجة إليها.

فإذا كان ترجيح الثقافي على حساب السياسي واحداً من شروط الإقلاع الصعب، فإن اشتمال الثقافي على المجتمعي هو، في حالتنا الراهنة، ما يجعله ثقافياً وفاعلاً.

بلغة أخرى، إذا ما راجعنا ثقافة ما يسمى الحداثة العربية في وجهيها اليساري والليبرالي، رأينا أنها نادراً ما عنيت بمسألة المجتمع – الدولة.

ففي برنامج تلك الحداثة الذي امتد من تحرير المرأة إلى تحسين التعليم، ومن العلمنة إلى الديموقراطية السياسية، أو - في الشق اليساري منها – إدخال تعديلات جذرية على توزيع الثروة، لم تحظ مسألة الدولة – الأمة ومدى التطابق بينها وبين مجتمعها الأهلي باكتراث. واقع الأمر أن معظم الحداثيين اعتنقوا نظريات قومية (سورية، عربية...) نافية للدولة الوطنية، بقدر ما تعاموا عن رؤية التركيب الأهلي، الديني، الطائفي والعرقي لمجتمعاتهم، محيلين هذه الرداءة "الماضوية" إلى الاستشراق الاستعماري.

اليوم ليست ثقافة الحداثة عملية مقارنة تافهة بين "الحداثة" و"الأصالة" وبين "التقدم" و"التخلف" يلازمها التنصل من الثورات وكيل المدائح لاستقرار الموت، مثلما تفعل أعداد متعاظمة من مثقفي مصر أو فناني الجزائر. إنها، في المقابل، عملية اقتراب من فهم المجتمعي والأهلي، لا تترد في وضع الأوطان والخرائط نفسها على المحك، وصولاً إلى أوطان - دول قابلة للحياة. والقابل للحياة هو وحده الذي يحتمل الثورات فلا تصيبه بالانهيار، سيما وأن هذا الاستقرار المزعوم ليس سوى مصنع لإنتاج البربرية مرة بعد مرة.