الرئيس القادم.. 'شوربة' أم 'زبادي'؟

لم يحدث في تاريخ الشعوب أن قام المواطنون بتغير رؤساء جمهوريات 4 مرات خلال ثلاث سنوات. فمبارك تنحى في فبراير 2011 ثم تولى المجلس العسكري برئاسة المشير طنطاوي أمور البلاد لمدة 15 شهرا سلمها بعدها للرئيس محمد مرسي الذي لم يمكث سوى عام واحد في الحكم وتم عزله باردة شعبية وثورة شاملة لثلاثين مليون مصري في 30 يونيو الماضي بعد ما أساء للجميع وأفسد الدولة ومؤسساتها.

ثم ها نحن ننتظر الرئيس الرابع بعد الانتخابات الرئاسية التي ستجري في مارس القادم على الأرجح وبهذا نكون ضربنا الرقم القياسي في عدد الرؤساء. فهل سنستمر هكذا نغير الرؤساء كما نستبدل القمصان؟ وهل أستشعر المصريون لذة التغيير فنسوا نعمة الأستقرار؟ ودعونا نتذكر لأن الذكري دائما تنفع المؤمنين.

فمن رئيس "مخلوع" تفاخر البعض بخلعه في 18 يوما بعد 30 عاما من الصبر والسلوان بفعل تفشي الظلم وسيادة الطغيان، إلى رئيس "معزول" يفاخر البعض بعزله بعد 365 يوما من الصدمة والاستغراب بفعل الأخوان والأستقواء بـ "الأهل والعشيرة"، إلى رئيس "مؤقت" تجد الغالبية صعوبة بالغة في تذكر اسمه ان كان "مدحت" أم "عادل" رغم أنه "عدلي"، إلى ترقب رئيس "منتظر" يستحيل توقع ما قد يمكن أن يكون عليه من ظلم أو عدل، أو مستقويا بعشيرة أو شعب، أو اسمه يصعب تذكره أو يسهل!

لكن أسهل ما يمكن عمله في ظل الوضع السياسي الراهن هو استنشاق نسائم واستشعار روائح واستشراق تمائم موسم الاحماء للمنافسة على كرسي رئيس مصر القادم.

وحيث ان كلمه "القادم" تلازمت في أذهان المصريين المعايشين لثورتي "يناير" و"يونيو" بكلمه "أسوأ"، حيث انتشرت مقولة "تمتعوا بالسيئ فان القادم اسوأ"، فقد بات الجميع يستشعر موسم الاحماء الرئاسي، لا بكثير من الحماسة وقليل من التخوف، ولكن بشيء من الترقب وكثير من الخوف والرعب. فبعد تجربة واقعية وثقت نظرية "نار مبارك ولا جنة مرسي"، وأظهرت حقيقة مقولة مبارك الشهيرة "أنا او الفوضى" متجسدة في تصرفات "د.مرسي" الشهيرة أيضا طيله عام من الحكم الأخواني، بات المصريون يتشككون في كينونة الديموقراطية وضرورة المرحلة الانتقالية وهوية الدولة المدنية وتركيبة من سيجلس على الكرسي!

كرسي الرئاسة الذي يئن مقعده اما لطول فترة جلوس البعض أو لطريقة جلوس البعض الأخر أو عدم ثبوت جلوس اخرين يستشعر جهودا مبذولة ترمي إلى الاقتراب منه والتقرب اليه والمقاربة من أجله!

من أجل الكرسي أم من أجل مصر؟ سؤال يتردد اما قولا أو فعلا أو شعورا لدى عموم المصريين مع هبات الاستعدادات بين معلنه ومتخفية ومتمناة. تمنى كثيرون ألا تعيد وجوه بعينها اطلالتها عليهم بعد جولة سابقة وضعت نقاطا توضيحية على الكثير من الحروف المخفية، سواء في التركيبة الشخصية أو الانفعلات اللحظية. فمن مناظرات كشفت عوار المتناظرين، إلى تصريحات فضحت عنجهية هذا أو عصبية ذاك، إلى ما بعد اعلان النتيجة وتصرفات هؤلاء وردود فعل أولئك، الا أن نيل المطالب لا يتحقق بالتمني، بل تؤخذ دنيا المرشحين غلابا.

عليه ترجيح قطاع عريض من المصريين لنظرية "لازم رئيس عسكري أو بخلفية عسكرية" حتى يعدل المائل ويضبط غير المنضبط ويعيد الفئران إلى جحورها مع الاعلان عن الرفض التام لمبدأ "الشوربة أو الزبادي" المعروف بمن لسعته الشوربه ينفخ في الزبادي معللين ذلك بانه "لم يعد الوقت يسعفنا لشرب الشوربة او اكل الزبادي" تصب في اتجاه ما يتمناه البعض من أن يترشح وزير الدفاع الفريق أول عبدالفتاح السيسي للرئاسة تحت مسمى "كمل جميلك". وواقع الحال يشير إلى أنه ليس مجرد مسمى، بل شعور عارم يجتاح قطاعا من المصريين ممن رأوا في خطوات السيسي العازلة لمرسي الخلاص الأكيد من النفق العتيد والمصير الرهيب اللذين كانا في انتظار مصر تحت حكم الجماعة.

ولأن حكم الجماعة دفع البعض دفعا لطلب الغوث وضمان النجاة عبر طوق عسكري، فهناك بشائر ترشيحية تلوح في أفق الفترة الانتقالية منبئة بتفكير قد يدفع شخصيات عسكرية مثل رئيس الأركان السابق الفريق سامي عنان، أو رئيس جهاز الأستخبارات العامة السابق اللواء مراد موافي للرئاسة، وهي البشائر التي تلقي صدي ايجابيا مبدئيا لدي قطاع من المصريين ممن هم متعلقون بتلابيب رئيس عسكري حالي أو سابق "لانتشال البلاد من فوضى الأخوان".

وبين خبير استراتيجي مؤكدا أن رئيس مصر القادم لواء متقاعد، ومحلل اخباري مرجحا أن يكون عقيدا سابقا ومفكر أمني مشيرا إلى أنه يجب أن يكون وزيرا حاليا، يجول المصريون ويصولون في تكهنات وتوقعات رئاسية مقبلة.

هذه التوقعات لا تخلوا من ارهاصات لجولات سابقة، وعدت مرة بأن يكون هذا المرشح "واحدا مننا" ثم انقلب كثيرون عليه، واخر قدم نفسه باعتباره نصير الفقراء وحبيب المهمشين الذين يشكلون قوة عددية ضاربة من شأنها أن توجه دفة الانتخابات، فاذ به يحصل على عدد أصوات لا يرضي عدوا أو حبيب. ويتعجب كثيرون هذه الأيام من عودة المرشح الرئاسي السابق السيد حمدين صباحي لدائرة الضوء، على الأقل من خلال شن حملات عنكبوتية وأطروحات فكرية واختبارات بالونية لقياس مؤشرات الشارع الانتخابي، مع مراعاة أخفاء شعار حملته السابقة "واحد مننا"! في السياق نفسه، اختار داعمون للمرشح الرئاسي السابق السيد خالد على شعار "واحد مننا بجد" ليكون عنوان حملتة لترشحه وهو ما جعل البعض يتسائل حول الغرض من كلمة "بجد"، وهو ما يحمل تشكيكا في كون صباحي "مننا كده وكده"، أو اقتراحا أن يكون العنوان "واحد مننا بجد وبحق وحقيقي والمصحف"!

وبينما المصريون ينتظرون ما ستسفر عنه بورصة الترشحات التي لا تخلو كعاداتها من مفاجأة اللحظات الأخيرة ومنغصات التجارب الأليمة وأكاذيب ترويجية على غرار "لست اخوانيا لكن أحترمهم" أو "لست علمانيا لكن أتقبلهم" أو "لست مع أحد ضد أحد" تتابع الملايين تضارب وتوافق وتناحر الترشحات الأولى، بين سرقة شعار سابق لمرشح بغرض تشويهه، وتنسيق داعمي مرشح اخر للاجتماع لاختيار "مرشح الثورة" بغرض توفير عنصر المفاجأة للمرشح أمام الاعلام، وتنافس حملات متعددة على مرشح واحد بدءا بـ "السيسي رئيسي" و"أترشح" و"كمل جمليك" رغم ما تردد حول مطالبة السيسي نفسه بوقف مثل تلك الحملات وهو ما تم الرد عليه بحملة "مش بمزاجك"!