الرئيس السوري بين الغيبة الصغرى والكبرى

بقلم: بدرالدين حسن قربي

لا يشكك أحد بحصول هزة زلزالية مزلزلة في المشهد السوري، هي أشبه ماتكون بالزلزال الياباني الأخير والذي هو في جزئه الأخطر نووي، ولكنه عند السوريين كان سياسياً. ولئن سُجّل لليابانيين تفوّق قدرتهم السابقة واللاحقة في تعاملهم مع زلزالهم الأخطر في التاريخ، فإن التعامل السوري الرسمي مع مشهده الأخطر في تاريخه المعاصر ينظمه الغموض والتنبؤ لشفافية فائقة يتميز بها النظام.

طبيعة الأحداث وخطورتها فيما هو مشهود في المشهد السوري من استخدام القوة وتوحش القتل في مواجهة الاحتجاجات والتظاهرات، وفي كثرة الروايات والتنبؤات وتعدد الاتهامات والشائعات في الأسباب والمسبّبات يشير إلى بعض تخبط أو تردد، ولاسيما مع ترافق ذلك بالغيبة الصغرى للرئيس. ولئن كانت السيدة شعبان التي ليس لها من الأمر شيء تنقل بين الحين والآخر رغبات الرئيس الغائب إلى السوريين بوعود وأشباه قرارات وهي ما بين عملها الرسمي الذي لا يتجاوز حد الاستشارة وتجازوها كل المناصب الرسمية التنفيذية المغيّبَة، وتُطمئن الناس بابتسامتها الصفراء العاجزة عن إخفاء قلقٍ واضطرابٍ واضحين، نلتقط منها أن هناك رعباً رغم إعلامها الناس أن إطلالةً مهمة وخطاباً قادماً أهم مع عودة الغائب، وهم بهذا يتشبهون بالمصريين – رغم أن قولهم نحن لسنا مصر– عندما كان التلفزيون المصري يعلن عن كلمة أو بيان هام قريب للرئيس السابق مبارك حتى فرجها ربي على المصريين وخلصوا.

نعتقد أن هناك خلافات بغض النظر عن طبيعتها ضمن العائلة الحاكمة، ولكنه بالتأكيد خلاف على ترتيب أوراقهم وكيفية الخروج من العاصفة، وليس في وارد إنفاذ مطالب انتفاضة الياسمين الشعبية القديمة الجديدة التي قامت قيامتها المرعبة من مدينة درعا، تؤذّن بعودةٍ من غيابات اللاوعي لمن اعتقد أنهم قد غابوا وإلى الأبد، وأذانهم الحرية والكرامة. وبما أن النظام في بنيته وتركيبته الشمولية يعتمد حلولاً أمنية لاغير، شعارها البطش والقهر، باعتباره أن المطالبين على الدوام عصابات مرتبطة مأجورة، أو من المدسوسين المحتقرين والمتآمرين وعلى الطريقة القذافية في وصفهم جرذاناً ومهلوسين وإرهابيين ممن يديرون ظهرهم للعدو الحقيقي لينقضوا على النظام المقاوم والممانع، فإنه وإن خفّف في لهجة الخطاب فلتجنب العاصفة وشراء وقت بوعود وكلام.

ومن ثم فإن مايقوم به الآن من نقل ضابط أمن وتغيير محافظ، واستقالة حكومة ليس أكثر من حركات استعراضية تدويرية لاتمس بنية النظام الحقيقية في الاسبتداد والقهر والفساد، بل كلها قضايا إجرائية روتينية لا قيمة له في تحقيق المطالب الحقيقية للسوريين في الحريات العامة وقوننة الدولة ومدنيتها.

ورغم أن مطالب الانتفاضة السورية قديمة تتجدد في كل مناسبة، فإن النظام يُعرض عنها ويختلق الأعذار، وماجاء على لسان السيدة شعبان ليس أكثر من كلام لا لون له ولا طعم ولا رائحة: سندرس، ستكلّف، سنحقق، ستشكل. كلام مما هو مكرور وعديم الفائدة، وكأنه دهان، يستعمل بدهن ما علا الرأسَ وما تحت القدمين بحيث لا يمس مكان المرض بتاتاً.

الغيبة الصغرى لرأس النظام ومحاولته البحث عن حلول خارجية لمواجهة قيامة الجماهير وندائها للحرية رغم عقود القمع المستمر، وقيام الشبيحة بمواجهة باطشة للناس بالقتل للمئات من الأحرار والحرائر، تعني فيما تعني أنه عاجز حدّ الشلل عن التغيير والتبديل لعجز بنيوي في تركيبته، وخوفه حد الفوبيا بأن التغيير والإصلاح يعني دخوله في الغيبة الكبرى، التي نعتقد أنه ورادها لأنها سنة الحياة.

نظام أثبت أنه عصي على الصلاح والإصلاح في بلد تحكمه قوانين الطوارئ، والشعب فيه مطروء على مدار الساعة، واستنفد زمناً زاد عن أربعين عاماً، لابديل لثائريه وأحراره ولاتعديل، لشعار الشعب يريد إسقاط النظام، لأنه مطلب السوريين القريب والبعيد، حتى وإن امتد الأمر إلى يوم الجلاء القادم ليدخل النظام في غيبة كبرى بلا رجعة، يرتاح السورييون من بعدها إلى الأبد - ومعهم غيرهم - من شعارات معاً إلى الأبد، من كان منهم فوق الأرض، وترتاح عظام من كان منهم تحت الأرض، وكلمتهم على سوريا المحبة والسلام، والرحمة والرضوان لكل شهدائنا الكرام، ولأرواحهم ألف ألف سلام.

بدرالدين حسن قربي