الرئيس التونسي يحرج اتحاد الشغل ومنظمة الأعراف

سباق الذكاء

تغير خطاب الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي بسرعة مقارنة بما جاء على لسانه قبل أربعة أشهر، عندما أقر في رد على تتالي الانتقادات الموجهة للحكومة، بأن الوقت لا يزال مبكرا على الإقرار بفشل حكومة الصيد، ليعترف الخميس بفشلها تحت ذريعة أن ما يجري خارج عن حدود إمكانياتها.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل أعلن السبسي عن نية التوجه لتكوين حكومة وحدة وطنية تشارك فيها مختلف الأطياف السياسية ومكونات المجتمع المدني بما في ذلك الاتحاد العام التونسي للشغل ومنظمة الأعراف، في خطوة تشي بأن الرئيس التونسي يحاول رمي الكرة في ملعب هذه المؤسسات ولا سيما الاتحاد بهدف إحراجها وهي التي ما انفكت توجه انتقاداتها للحكومة.

ويبدو أن هذه الوحدة الوطنية التي يرنو إليها السبسي لن تكون ذات جدوى إن لم يشارك فيها الاتحاد العام التونسي للشغل والاتحاد الوطني للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية.

وقد يذهب البعض إلى القول أن الفاعلين السياسيين في تونس قد وقفوا عند حقيقة مفادها أن الهيئات القادرة فعلا على دعم أي حكومة في تونس ما بعد الثورة إنما هي بالأساس الاتحاد بثقله الاجتماعي الواسع ومنظمة الأعراف بثقل رجال الأعمال وأصحاب رؤوس الأموال في البلاد، وهو أمر قابل للطرح، ولكن يبدو أن للسبسي وجهة نظر أخرى.

وما تم الإعلان عنه من قبل رئيس الدولة يفيد بأن الأخير قد ضاق ذرعا بمطالب الاتحاد المتتالية وانتقاده الدائم لأداء الحكومة وهو يسعى اليوم للزج به بين خيارين لا ثالث لهما، وهو إما أن تكون شريكا فعليا وتقدم الحلول اللازمة للخروج من الأزمة أو أن تكف عن "صراخك".

وكان رئيس الدولة قد أثار حفيظة الاتحاد في أكثر من مناسبة عبر تصريحاته التي دعاه فيها إلى الكف عن تحركاته الاجتماعية وخاصة تقليص الإضرابات والاعتصامات المطلبية التي اعتبر أنها قد ساهمت إلى حد كبير في إثقال كاهل ميزانية الدولة وتعطيل حركة الاقتصاد.

وبدا تشديد السبسي على شرط دخول اتحاد الشغل ومنظمة الأعراف، الذي ذكره كثيرا في حواره، بمثابة الدليل على إصراره الظهور أمام التونسيين بثوب المهادن للاتحاد والراغب في دخوله منصة صنع القرار من باب الاعتراف بأهميته، والشخص الذي يمد يده لهذا الهيكل حتى يساهم في تذليل الصعاب شأنه في ذلك شأن بقية الأحزاب.

وقد كان ذكيا في هذا الطرح الذي سيضع إتحاد الشغل وحتى منظمة الأعراف أمام مساءلة التونسيين في حال تم رفض البادرة. حيث ستكون هذه الإجابة بمثابة الإقرار بغياب الحلول العملية عن هذه الهياكل التي ظلت تروج لفشل الحكومة وعدم كفاءة وزرائها، وبالتالي كشف النقاب عن الحلقة المفرغة التي تدور فيها أمام التونسيين. وربما سيكون ممكنا آنذاك للسبسي وكل خصوم خاصة الاتحاد في الحكومة أن يشنوا هجوما شرسا على الاتحاد قد يضر فعلا بمصداقيته لدى الأوساط الاجتماعية العريضة التي تدعمه.

على غير العادة

وعلى غير العادة بدا السبسي في حواره وقد اعد جيدا للأمر لا سيما عندما تحدث عن الوضع الاقتصادي والاجتماعي الصعب والذي أرفقه بأرقام دقيقة وهو ما لا يميز الرئيس التونسي عادة، فهو الذي يقع دائما في أخطاء لدى حديثه عن ملفات من هذا القبيل بل نادرا ما يبدو ملما بهذه الأمور. ما يعني أنه رسم هدفه جيدا.

ودعم ذلك بتلميحاته بأن أي حكومة تخلف حكومة الصيد لن تنجح في ظل ما ستواجهه من احتجاجات اجتماعية مدعومة من قبل النقابات، وهو ما يعني انه يعرض صراحة على المنظمتين إما الدخول في اللعبة أو الخروج بصمت.

ولكن يبدو أن العباسي قد تفطن لهذا السيناريو ورد هو الآخر بذكاء لا يقل عن ذكاء السبسي برفضه المشاركة في الحكومة رغم دعمه للفكرة.

وقال العباسي عقب لقاء جمعه برئيس الجمهورية الجمعة بقصر الرئاسة بقرطاج، إن الاتحاد يدعم المبادرة التي أعلن عنها الباجي قائد السبسي بخصوص تشكيل حكومة وحدة وطنية لكنه لن يشارك فيها.

وأضاف أن الاتحاد كان دائما من الداعمين لفكرة تشكيل حكومة تحظى بأكثر ما يمكن من توافق ويشارك فيها الجميع حول برامج عمل واضحة، مبينا أن مهمة تشكيل هذه الحكومة أمر موكول للأحزاب السياسية وليس للمنظمات.

لكن ورغم أهمية الخطوة التي أقدم عليها العباسي وتجنب الوقوع في الفخ الذي نصبه له السبسي، إلا انه ليس كافيا لتجنيبه تبعاته على المديين القصير والمتوسط.

فالأكيد أن أي حكومة جديدة ومهما كانت التوافقات لن تكون قادرة على تجاوز المشاكل العالقة في البلاد على أكثر من صعيد ولا سيما الأزمة الاقتصادية الخانقة التي باتت تعصف بها وتهدد كل شيء. ولهذا من المتوقع أن يضغط التونسيون من جديد من اجل تحسين الوضع عبر تحركات احتجاجية مختلفة غالبا ما تجري بتنسيق من الاتحاد العام التونسي وهو ما سيستغله السبسي والسياسيون عموما.

إذ سيبادر الجميع إلى توجيه اتهامات لهذا الهيكل النقابي بأنه يعمل على ضرب استقرار واقتصاد البلاد وانه يحاول تغطية عجزه وغياب الحلول العملية عنه بمثل هذه التحركات، وسيعيدون إلى الذاكرة أنه رفض المساهمة في إنقاذ البلاد من أزمتها. وفي هذه الحالة لن يكون صعبا إقناع التونسيين بذلك.