الذات الساردة بين التأريخ والتخييل في رواية 'الباغ'

الصراع على مستوى البنية التحتية دون أن يطال البنية العميقة

استهلّت الكاتبة حكاية نصّها بهروب راشد وريّا من قرية السّراير المحكومة لظلم القبيلة وطغيانها ووصولهما إلى مدينة مسقط الخاضعة لطغيان آخر أيضًا، ثمّ كان ارتقاء راشد من حمّال في المرفأ إلى ضابط يتنقّل في البلاد بصفته عسكريًا مع جيش السلطان. أمّا ريّا فقد ورثت عِلمَ أبيها ثمّ علمَ العودة، وأضحت معلّمةً للقرآن الكريم، تزوجت عليًّا، وأنجبت زاهرًا الذي سافر إلى الكويت لمتابعة تعليمه، وعاد فخطب ودّ مزنة التي فجعت بعد أن تركها، واختار درب ثورة ظفار إثر هزيمة 5 يونيو/حزيران 1967، كما أنّ أباه عليّا أصيب بالشّلل.

هذا التلخيص للحكاية في هذه الرواية (الصادرة عن مسعى للنشر: كندا، أوتاوا، ط1، 2016) لا يحتمل إيراد تفاصيل الصّراعات السّياسيّة والأحداث التاريخيّة التي دلّت على جهود الكاتبة المضنيّة في تتبعها محاولةً تأريخها وتوثيقها، ثمّ نقلتها بموضوعية محايدة أفضت إلى تعريف القارئ بتاريخ عمان والمنطقة داخل سياق تاريخيّ عام؛ وبناء عليه فقد تضمّنت قصة الرواية شهادة راشد على التحوّلات السياسيّة التي كانت برعاية بريطانية منذ طرد ابن عطيشان من الحماسة في خمسينيات القرن العشرين، ومناهضة الإمام لحكم السّلطان وتشكيل جيش تحرير عمان بدعم من عبدالنّاصر، وعربيًّا هزيمة 1967 وآثارها، ونكبة فلسطين سنة 1948، وتنصيب قابوس سلطانًا وعزل أبيه سعيد، واستسلام مسلم بن نفل القائد الظفاري وصولًا إلى القضاء على ثورة ظفار التي انطلقت عام 1964 وانتهت عام 1975، هذه الأحداث من الممكن عدّها جزءًا من قصة الرواية التي تتضمن أيضًا التقنيات والتصوير والوصف والشخصيات وحكايتها المذكورة آنفًا.

بين حكاية رواية الباغ وقصتها الممتدّة زمنًا طويلًا والمعبّرة عن أحداث مهولة جسّدها شخوصٌ كثيرون جدًا، انتظمّ السّرد وفق سرديتين متجاورتين، إحداهما روائيّة والأخرى تاريخية توثيقية، تتصلان من خلال السّارد الذي تملي عليه المؤلّفة مسارات سرده باقتدار المتمكّن من معرفته بموضوعات نصّه وأدواته.

ومنذ البداية شرع السّارد غير المعروف للقارئ بتوجيه مصير شخصيات الرواية للقطيعة مع جذورها من خلال ترحالها، ثمّ دفع بها نحو براثن بيئات مجتمعيّة لا تقلّ تخلّفًا وقهرًا عن بيئاتها الأصليّة، وفي غمرة ترحال الشّخوص جعلت محطاتها نقاط تواصل بين السّرديتين الروائيّة (الحكائيّة) والتّاريخيّة.

ومنذ الأسطر الأولى أبرز السّارد قطيعة راشد وريّا مع السراير، ومن قبلُ أمّهم مع قبيلتها نتيجة صلح بين القبائل، ثمّ عليّ الذي وصل مع أهله من نزوى إلى مسقط، ودرس في السّعيدية حتّى الصفّ السّادس مع زملاء له، تفرّقوا في جهات الأرض، وهبط العود مع أخوته السّبعة وأسرته من قريات واستقروا في مسقط، ومعه العودة التي جاءت من الجبل الأسود عندما ساح أجدادها في الأرض، والبيبي التي انقطعت عن موطنها بعد زواجها، وزاهر الذي انقطع عن مسقط ووصل إلى السّجن مرورًا بالكويت. كما أنّ مسقط التي استقبلت شخوص الرواية كانت تستقبل أيضًا الغرباء ابتداء من الاحتلال البرتغالي ومرورًا بالهنود ثمّ الانجليز؛ ممّا جعل من مجتمعها خليطًا إثنيًا ودينيًّا.

من الممكن إعادة صياغة قصّة الرواية في خطّين متوازيين، الأوّل هو تحوّل حكاية راشد وأخته ريّا وابنهما زاهر إلى نصّ روائيّ يكشف تجربة إنسانيّة تخضع لعامل الزمن في أماكن محدّدة، والآخر نص تاريخي.

منذ الكلمة الأولى في الرواية: استهلّت الكاتبة نصّها بمفردة: "تخوض"، وتحوّل راشد وأخته إلى شخص واحد فوق الناقة التي تخوض في الوادي، عندما كانت الغيوم متلبدةً فوق الظلام، "قال لها والوادي سيل جارف: "نخوض، ويا نوصل رباعة ويا يشلنا الوادي رباعة" بمعنى: نقتحم المخاض، إمّا أن نصلَ معًا، أو نموتَ فيه معًا. والمخاض لغةً هو موضع الماء الذي يعبره النّاس، والمخاض هو طلق الولّادة ويصاحبه وجع وآلامٌ، وفي القرآن الكريم: {فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ النَّخْلَةِ}، والخوضُ هو اقتحامُ الباطل، وهو التفاوض بالأحاديث، وتمخّض الدهر بالفتنة: أتى بها، ويقالُ: تمخّض الجبل فولد فأرًا. فماذا عن المخاض الذي خاضت فيه المؤلّفة مع شخوص الرواية وأحداثها؟ هل أرادت القول: إنّ تلك الأحداث السياسية في زمن نكوص الحداثة العربية كانت بحجم جبل تمخّض عنه فأرًا؟

في أثناء قراءة الرواية يستشعر القارئ أنّ (تخوض أو نخوض أو المخاض) هو عنوان الرّواية، وليس الباغ الذي يومئ لجانب من أحداثها، فالاستهلال البادئ بالخوض ينبئ عن محتواها، وبالفعل ففي السرديّتين (الروائيّة والتاريخية) تطابقٌ بين مفهوم المخاض الذي عبّرت عنه المؤلّفة، عندما عالجت أحداثًا اجتماعيّة وتاريخية وسياسية، قام بها شخصيات روائية وتاريخية، ابتغت بشرى خلفان ألّا توصل أفعالهم إلّا إلى ما يشبه الجبلَ الذي تمخّض عنه فأر.

راشد ابن رجل دين اسمه سيف بن راشد العايف، وأمّه سليمة الساعديّة، تزوّجا نتيجة صلح بين القبائل، ماتت أمّه إثر ولادة أخته ريّا، فربّاهما أبوهما، وامتنع عن تزويج ابنته لابن أخيه، لأنّ أباه ظالم، وبعد وفاة الأب اتهم العمُّ راشدًا بالاعتداء على خادمة، وأودعه السجن، لكنّه خرج بمساعدة أخواله، ثمّ اختار القطيعة مع المكان، ليطفئ نار الحرب مع عمّه، فخاض مع أخته باتجاه مسقط.

اشتغل في المرفأ وتآلف هو وأخته مع محيطهما الاجتماعي الجديد، فتزوّجت ريّا، وتحوّل راشد إلى عسكريّ ضمن جيش السلطان بمواجهة ابن عطيشان منذ عام 1952.

لم تجنِ شخوص الرواية إلاّ الخسارات، فراشد لم ينجب، ولم تُختبَر خصوبته لاستقبال الحياة، عاد من حروب السّلطان بنياشين وسيارة وبيت داخل سور السلطة المنغلق عن المدينة في شقّة معتمة؛ تزوره ريّا لتطلب منه ابنها المعتقل، وعندما تواجهه تنظر في وجهه الذي نحتته قسوة الحرب فحوّلته حجرًا، وكأنّها لا تراه، لا تريد أن ترى عجزه وألم خذلانه، فينكس عينيه أمام عينيها المتقدتين بالغضب والمكسوتين بالخيبة، إلى أن يتغيّر صوتها، ويأتيه بلوعتها الكاملة، كأنّه عويلٌ:

- زاهر يا راشد.

زاهر الذي يبقى في غياهب سجون السّلطان، يعرج لكنّه يقرر أن يبقى حرًا، حيث قال لخاله بصوته الضعيف وهو يحاول أن يجبره على الاعتراف عن رفاقه:

- أبغاك تخبر أمي، قول لها، إني ما أحبّ حد كماها في الدنيا، قول لها: لا تبكي، قول لها: زاهر حر ولد حرّة، والحرّ ما يقبل الظلم، الحرّ ما يخون العهد ولو على رقبته،...

أمّا علّيٌّ فشلّت أطرافه بين يدي ريّا، وهو يهذي باسم ابنه زاهر لاعنًا ظفار والشيوعيين. ولا يختلف مصير بقية شخوص الرواية عن خيبات أبطالها فجميعهم استمرّوا على ما هم عليه، فبقوا على أحوالهم القائمة المتّسمة بالإذعان والقبول بالقهر والتّخلّف.

واستثنت بشرى خلفان نساء روايتها في فضائهم الاجتماعيّ، فتمكّنت من تقديمهن راسخات في بيئة مسقط العمانية، أبعدتهم عن المصير المأساوي الذي وقع فيه ذكور روايتها، هنّ عمانيات مؤمنات، عارفات بشؤون حياتهن في بيئتهن الشعبيّة، ومعالجات للجراح والمآسي، لا ينسين زينتهن على الرغم من عملهن في السواقي منذ طلوع الشّمس، وعندما تعملن تحت الشّمس ينسكب عرقهن ليروي خطواتهن الخضراء، يسلن كالماء المتدفق، خصبات ومتجدّدات، وبعضهن حشريات، وهذا على حد قولها، والحشرية، بطبيعة الحال، من سمات الأنوثة الطمّاعة بالاستحواذ على كلّ ما هو جميل وخيّر.

• تقنيّة الاسترجاع لحشد كبير من الوقائع

استخدمت الكاتبة تقنية الاسترجاع، وانفتحت أبواب السّرد لديها نحو الماضي، ماضي الشخوص والوقائع والأمكنة، فذكرت الاحتلال البرتغالي والاتفاقيات مع الإنجليز، وحكت عن تقسيم عمان لإمامة وسلطنة، ثمّ استأنفت بسرديّة مختلفة عن سرديتها الأولى منذ الصفحة (120) عن طرد ابن عطيشان من الحماسة عام 1955، واحتلال نزوى والبريمي، وعن جيش تحرير عمان في عام 1957، وثبّتت وثيقة من السّلطان للقنصل البريطاني، وحكت عن تدخل الأمم المتحدة في صراع عمان مع السعودية، والانقسام القبلي بين الهناوية والغامرية، وقد برز جهدها على صعيد ملاحقتها للوثائق وأخبار التاريخ، ونتيجة هذا الكم الكبير من الأحداث ظهر للقارئ ما يشبه التّشتت في السرد، الذي كان ذا أبهة وتألّق في السرديّة الحكائيّة.

حاولت الكاتبة جعل سردها مهجّنًا بانتقالها إلى خطاب تاريخي أو وثائقي، فبذلت جهدًا كبيرًا، لكنّها لم تترك مسافة بين جمالية السرد في نصّها الروائي وبين وقائع التاريخ أو السياسة، فاختلط في سياق الرواية ضرورات السرد الفنّي والجمالي مع التوثيق السياسي والتاريخي وتفسيرهما، مما أحدث اضطرابًا في بنية النصّ، فصار القارئ يميّز بين سرديتين، الأولى روائية والأخرى وثائقية على ما تمّ ذكره آنفًا.

وإذا كان هدف الكاتبة من السرد المهجّن هو كسر الإيهام لدى القارئ، من خلال سرد وقائع تاريخية وسياسية، فهذا يحسب لها، على الرغم أنّ كثرته التي لا تتناسب مع سمات السرد، كما أنّها حمّلت سرديتها الروائيّة كثيرًا من المواقف التي سمحت باندماج عواطف السارد مع مصير شخوص الرواية تطابقًا مع موقف الكاتبة اتجاه الأحداث أصلًا، وهذا الاندماج يوقع القارئ في الإيهام والتّعاطف مع أفعال شخوص السرديّة وسماتها، إيهام يحصل مع (شجاعة راشد وعلم العودة وشهامة العود ورهافة ريّا وطهرانية زاهر...)، إذ يتشارك القارئ وجدانيًّا مع مصائر شخصيات القصّ، وقد يصل إلى درجة التماهي مع بعضها، مما يُبهت من قصد الكاتبة بسردها المهجّن لكسر إيهام القارئ.

• تطابق صوتي الكاتبة والسارد

لم يكن نزوع الكاتبة لانتقاء المعلومات هو الوحيد الذي جعل صوتها متطابقًا مع صوت السارد، بل تعاضد مع سمة الانتقائية تماثل الأفكار والعواطف عند معظم شخوص السرديّة الروائيّة، بل تطابقها؛ بمعنى أنّ القارئ لا يستشعر تمايزًا بين أفعال الشخصيات الدراميّة التي كان ينتظر منها أن تدفع الصراع نحو التكثيف، وهذا لا يأتي عفوًا بل يحتاج إلى تضادٍ معبّر عن صراع مجتمعيّ بين الشخصيات ليطال البنية العميقة؛ وإذا كانت الكاتبة قد أبرزت ملامح صراع، فإنها استبقتها على مستوى البنية السطحية، فأضعفت من فرص ظهور أنساق ثقافيّة جديدة، إن كان على مستوى سلوك شخصيات الرواية، أو ما يرتجى منها في معاندة آفاق المتلقي استعدادًا لتغيير حالة الوعي لديه.

ويتوضّح هذا الأمر أكثر عند معالجتها وقائع مستمدّة من التاريخ الوثائقي، إذ تحوّل السرد إلى إخبار عن وقائع سياسية وتاريخية بلغةٍ يغلب عليها التقريرية والمباشرة التي يتطابق فيها صوت الكاتبة مع السارد بشكلٍ أوضح.

لم ترد الكاتبة الخروج عن التسلسل الزمني للأحداث في السرديّة التاريخية، وأيضًا لم تسع للتخلص من مبدأ العلّية في السرديّة الروائية، على الرغم من بروز مهارات سرديّة جمالية عند محاولاتها توظيف ومضات سرديّة بهدف تفتيت الزمن، مثلًا، من خلال الوصف الموازي للقصّ في معظم صفحات السردية الروائية (وصف الطبيعة والأفلاج الخضراء ومواسم النخيل والباغ والجبال العمانية،...) أو في محاولتها تقديم لوحات مبعثرة (عندما نقلت مجريات عرس الطقوس في عرس ريا وعليّ، أو عندما وصفت كيف غسّلت ريّا جثمان العودة قبل دفنها، أو حكاية زنزكية المتمرّدة على أهلها، أو توقّف زمن الحكاية عندما كانت تسرد أحلامًا... إلخ)، وهذا يحسب للكاتبة وليس عليها، إذ تمكّنت من اختزال الزمن من خلال حركة الشخوص داخل بيئة عاجزة منغلقة ومتقوقعة، فالعودة بقيت تشخص أمامها حتّى ماتت، وعليّ بقي كاتبًا حتّى شلّ، والبيبي بقيت في بيتها من دون تغيير، وكذا الأمر للعود وأبنائه.

أمّا راشد فقد نمت شخصيته في بيئة السلطة المنغلقة داخل أسوارها، وريّا تطورت شخصيتها ضمن المنظومة المعرفية والقيمية والسلوكية لمجتمع مسقط العاجز حسب ما وصفته الرواية، ثم آلت حياتها قابعة مع أحلامها، منتظرة ابنها زاهر الذي تطورت شخصيته مع حبّ مزنة ابنة البيبي، ولكنّ الكاتبة أرادت أن تغلق أبواب تطورها، عندما دفعته للسفر إلى الكويت، فلم يبق لمزنة سوى أوهامها، ثمّ حاولت تطوير شخصية زاهر من جديد ضمن سكّة ثوار ظفار، ولكنّها أوقفت تطوره بسجنه أيضًا، وذلك تماشيًّا مع عجز البيئة المجتمعية والسياسية والقومية، بل تماوتها.

• الصراع في البنيّة السطحيّة

قصدت الكاتبة إبراز التماثل والوحدة والتآلف بين شخصيات السرديّة الروائية بعيدًا عن صراعات اجتماعيّة أو وجوديّة لعدم وضوح معالمها في الواقع الموضوعي أصلًا، مما أدّى إلى عدم تبدّل صفات الشخصيات وأفعالها في أثناء السرد، تمامًا مثل أحراش السراير الميتة التي مرّ عليها راشد عرضًا، ومثلما أرادت الكاتبة للعيون التي تحمل نظرات جامدة بلهاء، عندما أبرزتها متلصصةً من بين ركام وأنقاض الحرب التي شهدتها بلداتهم، ممّا أسهم في بقاء الصراع على مستوى البنية السطحية لبنية الرواية، صراعٌ من دون أن تمثّل الشخصيات طبقة اجتماعيّة أو فكرًا سياسيًّا، سوى شخصية الماركسي خاطر بن عبيد وزميله سنان بن هلال ورفاقهم، على الرغم من أنّ أقوالهم بقيت تعبّر عن ثرثراتهم أكثر من أفعالهم التي كانت تحتاج إلى وجود أصداء لها في بيئة سرد الرواية المجتمعيّة، حتّى يمتدّ الفعل الدراميّ نحو البنية العميقة للنص.

وتمكّنت الكاتبة من كشف بعض العيوب النسقية المتغلغلة في المجتمع، لكنّها لم تطرح البدائل بترسيخ قيم وأنساق ثقافية جديدة كون السرد ظلّ مفتوحًا نحو الماضي؛ ربّما لأنّ الكاتبة وعت حقيقة سكون الحياة المجتمعيّة في تلك المرحلة التي عالجتها، وبالتالي لم تبتغِ تحميل الواقع طاقات متوهمة، ويفتقدها أصلًا.

• تنوّع الأصوات اللغوية

حقّقت السرديّة الروائية تنوّعًا في الأنماط اللغوية التي شكّلت هجنة فيما بينها، حيث تمكّنت من إضفاء روح الثقافة الشعبية على كلّ أجوائها، وزيّنتها بلغة دينية وآيات من القرآن الكريم إلى جانب وضوح عذوبة الأنوثة العمانية وصوتها الخافت المؤثّر في الحياة الشعبية الساكنة بقيمها وثقافتها وفطريتها المفتقدة لصدمات حداثيّة، وهذا ما وعته الكاتبة، فلم تشر من معالم الحداثة البريطانية إلّا إلى أصوات طائراته وقوتها العسكرية وتوجيه دفّة حكم السلطة وفقًا لمصالحه من دون أن تؤثّر في البيئة الشعبية سوى بديمومة توالد الموت والقهر والتخلّف بين أبناء العمانيين.

تعدّدت البيئات الاجتماعيّة في الرواية مما أدّى إلى التنوع اللغويّ في السرد عن وعي أو عن غير وعي، وبقيّ حاضرًا عاكسًا طبيعة المتضادات التي جسّدتها الشخصيات في سياق الرواية، ومن الممكن أن يشار إلى مستويات عدّة للأصوات اللغويّة أوّلها:

اللهجة العامية: هل تمردت الكاتبة على اللغة الفصيحة باستخدامها اللهجة العمانية؟ ربّما، إذ استخدمت العامية في حوارات الشخصيات التي قد تصل إلى أربع صفحات متواصلة، كما ورد عندما حكت البيبي لريّا قصة زواجها وانتقالها إلى الباغ وموت زوجها، أو عندما حكى عليّ لراشد أحوال البلاد، وكذا في بقية الحوارات التي صيغت بالعاميّة العمانية. لكن هل وفقت الكاتبة في تمردها على الفصيحة؟

لم ترد الكاتبة أن تتعالى على الواقع، ولم يعنِها كثيرًا وعي فرويد والتحليل النفسي للشخوص في الحوارات التي أنشأتها، بل انطلقت من مقولة: "لكلّ مقام مقال" أساسًا لبناء حواراتها مكتفيّة بوظيفتها الإخبارية والوصفيّة، ولكن من دون الكشف عن طبيعة الشخصية النفسيّة وأفكارها وعواطفها وصراعاتها، تُرى هل قصدت الكاتبة من الحوار إبراز المتحاورين كما هم عليه من بؤس وعجز؟ وهل صرّحت بعدم قدرتهم تأسيس فعل حياتيّ يتعلق بالمصير والوجود؟ لقد عكست الكاتبة في حوارات شخصيات روايتها بساطة التفكير وسذاجة مقومات حياتهم، إضافة إلى انفتاحها على الماضي واسترجاع أحداثه المرتبطة بهموم حياتية يوميّة سطحيّة؛ حتّى مشهد المخاض الذي عاشه راشد مع أخته لم يكن أكثر من إبرازه كردّة فعل رجل قبليّ على أخلاق شيخ قبيلة ظالم، كما حدث سابقًا مع أمّهما التي ضحّت وتزوجت لوقف اصطراع قبليّ.

إنّ اللغة العربيّة الفصيحة هي الأقدر على الكشف عن مكنونات النفس البشريّة، وهيّ لغة الثقافة التي تطمح لخلق حالة وعيّ جديدة على مستوى الأمّة، وهي التي تختزن طاقات فنيّة وجمالية تراكمت منذ أكثر من 1500 عام، وهذا ما تثبته لغة السردية الشعرية التي استخدمتها بشرى خلفان على عكس الحوارات التي كشفت عن سطحية الصراع وبساطة تفكير الشخصيات واجترار أحوال العجز والقهر.

استمرّت خلفان بإيراد الحوارات باللهجة العمانية حتّى أنهت روايتها بطرح سؤالها الأوّل من جديد: لا بدّ أن نخوض، البلاد كالسيل الجارف: "نخوض، ويا نوصل رباعة ويا يشلنا الوادي رباعة"، وهذا يمثل بؤرة الرواية.

• اللغة الشعرية

اللغة الشعرية حاضرة في السردية الروائية، إذ كثر الوصف والمناجاة والتأمّل والتعبير عن الوجد والكآبة. وقد كان الوصف هو الغالب على السرد حتّى الصفحة (73)، وصف للطريق المؤدية إلى مسقط، وبيت العود والمرفأ الذي اشتغل به راشد في مسقط، ووصف لحياة نساء الدار وللباغ والبيبي وبيت البرزة، ثمّ وصف عرس عليّ الذي تزوج من ريا وطقوسه وأغانيه إلى أن ينتقل راشد ويقيم مع الحامية في قلعة الميراني بصفته عسكريًّا، فتتغيّر لغة الوصف وتتحول إلى المباشرة، كونها تنقل أخبارًا تاريخية، حينئذٍ يضعف التّكثيف اللغويّ بالوصف.

وفي سياق الرواية كثيرٌ من الصور الفنيّة والاستعارات والمجازات، مثل: "تحوّل البحر إلى مرآة يتراقص زئبقها تحت الشمس - كأنّ الجبلَ واقع بين مخلبين وعلى كلّ مخلب تجثم قلعة – نساء السواقي يسلن كالماء المتدفق فيها...- كفّ الصغير في كفّ خاله كزورق في بحر – قلبه جمرة غافيّة - الربّ يزداد غيابًا في كلّ صباح يطلع عليه – البلاد يابسةٌ ومن يباسها تجرح... – صارت كلّ العيون وجعًا فتتجنب العيون العيون - حتّى الدموع بدا وكأنّها تعبت من التشبّث بالحواف...- دموعها جمْرات تهطل...

• اللغة الدينية

ظهرت اللغة الدينيّة زينة في بنية السرد، فتمتمة ريّا بآيات من السور المنجيّة في أثناء خوضها مع أخيها راشد، وذكر الخفوت والهمس اللذين تحلّت بهما عندما كانت تقرأ القرآن، واستخدام بعض الآيات القرآنيّة للتعبير عن أحوال الوجد والرغبة بين زاهر ومزنة، أو غيرها من المواقف مثل: {... من كلّ فجّ عميق} أو {ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى} أو تقديم البيبي هدية لريا عبارة عن قرآن مجيد، كان القرآن في قلبها،...إلخ، اللغة الدينيّة لم تغطّ مساحاتٍ واسعة في سياق السرد، لكن الكاتبة اختارت لها مواقع مؤثّرة ومناسبة ووظّفت أغراضها الجمالية التزيينيّة والمعرفية توظيفًا موفقًا.

• خطاب الرواية

مستويات الخطاب في الرواية عديدة؛ فمنها خطاب القسوة المستمدّ من روح القبيلة والممتد إلى سلطة الحكم التي ترسّخت بانقلاب الابن على أبيه وطرده بإشراف حداثة الغرب البريطانيّة الزائفة التي تمثّل الوجه الآخر لروح القبيلة، التي أدّت إلى طرد العم لابن أخيه راشد بعد ظلمه.

ومن مستوياته خطاب الضعف والحيرة والقهر والعجز التي تميّزت به شخوص السرديّة الروائيّة، والتي حالت الظروف دون أن يقرّروا مصائرهم بأيديهم، إذ ظلّ صوت السارد حاضرًا في وعي شخوص الرواية، الذين ضعفوا في التعبير عن أفكارهم وعواطفهم، لا سيّما في المسكوت عنه وفي المحرّمات من التداول، إذ حرمت الكاتبة شخوصها من البوح عن رغباتهم المكبوتة، التي لم تتطرق إليها الرواية، مهملة تفعيلها ممّا قلّل من مقولات النصّ، ولعلّ صوت زوج ريّا الذي انزوى مشلول القدمين، وصوت أخيها راشد الذي حُشر داخل سور السلطة مشلول الفعالية أيضًا من الشواهد على خطاب الضعف.

إضافة إلى خطاب الثورة الذي تجسّد بشكل رئيس في فعل شخصية زاهر، وألفاظه التي تعلّمها من بيئة القوميين العرب في الكويت، ثمّ في أثناء وجوده مع ثوّار ظفار، وتجسّد أيضًا في مواجهته لسجانيه في السجن.

ثمّ خطاب المعرفة المرتبط بالثقافة الشعبيّة، وكان الأبرز هو صوت ريّا وأصدائه كصوت العودة ومعظم الشخصيات النسائيّة في الرواية.

أخيرًا وليس آخرًا قصدت الكاتبة أن تبقي الصراع في روايتها على مستوى البنية التحتية من دون أن يطال البنية العميقة المرتبطة بالصراع الاجتماعي أو السياسي أو الاقتصادي أو الثقافي في المجتمع، وقصدت أن تخبر عن حوادث ووقائع في التاريخ كقضية فلسطين أو ظفار أو صراع السلطة في عمان أو عبدالناصر، أو ...إلخ من دون أن تجهد نفسها بإنشاء بيئة حوارية جدلية تعالقًا مع البنية المجتمعيّة، وربما هذا شكل من أشكال التزام الكاتبة بالواقعية التاريخية ونقل حيثيات التاريخ رغبة بالاتعاظ، إضافة إلى أن الكاتبة آثرت تجريد شخوصها من الحرية الفرديّة، إذ قدّمتها عاجزة عن تحقيق مبدأ الذات الفاعلة تساوقًا مع واقع اجتماعيّ مأزوم، وبالتوازي مع إظهار حالات العجز قصدت خلفان إبراز هيمنة الأفكار الغيبية والثقافة المتوارثة على عقول الشخصيات وسلوكهم، وأكّدت على توجّههم نحو الماضي وحياديتهم تجاه القضايا المصيرية المعاصرة للزمن التاريخي، كما أظهرت أنّ سلطة القهر هي صنيعة الأجنبي التي تستسهل استدعاء قوى خارجيّة لمواجهة ثورات الداخل.

ولكن إذا كان ما ذكرته الرواية هو العيوب النسقية في بيئاتنا الاجتماعيّة، ترى ما هي الأنساق الثقافية المتغلغلة في بنية الرواية التي يفترض أن تؤسّس لحالة وعيّ جديدة؟

لا يقف القارئ على أنساقٍ ثقافيّة سوى من تطلعات الشباب نحو الثورة على الواقع بأساليب وأدوات قاصرة (وقائع ظفار مثالًا) ممّا أوقعهم في حالة العجز جديدة، هذا ما يخصّ السردية التاريخية؛ أما في الرواية السرديّة فيلتقي القارئ مع ذاك الفيض الأنثوي العذب الذي منحته بشرى خلفان لشخصية ريّا، فيندفع نحو الجانب الأنثوي الضروري الذي تفتقده نفوسنا، كما دعّمته بطاقة أنوثة العودة على الفعاليّة في وسطها الاجتماعي، وبإناث غالبًا كنّ الصوت الأجمل والأكثر إنسانيّة من كلّ أصوات شخصيات الرواية، مما يسهم في تحفيز ذواتنا للبحث عن أنوثة فاعلة بعيدًا عن ذكوريّة لا تزال تعيقنا على دروب الحياة والحرية والحب.